داعش والجهاديوندراساتقضايا ارهاب

ظاهرة الإرهاب : أهمية المعالجات الفكرية والثقافية. بقلم الدكتورة عقيلة دبيشي

إعداد الدكتورة : عقيلة دبيشي ، أستاذة الفلسفة السياسية ـ باريس

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

ضرورة التحرك لمواجهة الارهاب على الصعيد الثقافي و الفكري

من نافل القول اعتبار الارهاب من الظواهر الاكثر إلحاحاً التي تطرح نفسها في عالم اليوم سواء على مستوى الافراد والجماعات والدول او على المستوى  الفكري البحت. أي كانت الاسباب التي نعزوها لهذه الظاهرة، المرافقة للوجود الانسان منذ تكوينه الاول، فإن الثابت أنها بدأت تخرج عن حدودها التقليدية لتصبح ظاهرة عالمية  قضية تخص الانسانية جمعاء كما تخص الدول، على اعتبار ان الارهاب، وان كان فعل يطال الافراد في المقام الأول، هو فعل يهدد الدول في المقام الثاني كما يهدد القيم التي راكمتها الانسانية على امتداد تاريخها الطويل.

يحلو للبعض أن يضع الاحداث الاخيرة التي طالت العاصمة الفرنسية في موضع العتبة التاريخية التالية على احداث الحادي عشر من ايلول فيما يتعلق بالنظر الى هذه الظاهرة. فحتى فترة قريبة كان الحديث عن الارهاب لا يتجاوز حدود الإدانة  الاخلاقية. فقد تم تحليل الارهاب بإرجاعه الى اسبابه التي ما أن تزول حتى يزول معها وجوده.  … يندرج داخل اطار وجهة النظر هذه، كل تلك التحليلات التي تضع الظاهرة وترجعها الى عوامل تتعلق با الإحباط واليأس وفقدان الامل وانعدام الافق السياسي و الحقوق والحريات وبالتحديد في تلك الدول التي شهدت نشوء هذه الظاهرة. اتكلم بشكل اكثر تحديدا عن عالمنا العربي.

ويحلو للبعض الاخر ان يذهب بعيدا الى الوراء ليجد للإرهاب اسبابا تتجاوز حدود الراهن ضاربة بجذورها في التاريخ ذاته :

الإرهاب

وفق هؤلاء  ظاهرة تجد اصلها في التاريخ وبالتحديد الديني منه، فالإرهاب هو سلوك يجد مبرراته في النصوص الدينية المقدسة التي تبرره وتغذيه وتدعمه وتحميه.. يحتاج الارهاب الى المقدس دائما ليصبح فاعلا وهداما .

يصل الامر بأناس، يملكون الاعتقاد بأنهم وحدهم من يملك الحقيقة المطلقة، الى حد قتل اقرانهم المشاركين لهم في العقيدة والدين ذاته ان لم يكونوا موافقين لهم في التوجه، وهذا امر جديد لم يحصل في التاريخ بمثل هذه الحدة. على خلاف ذلك، يظهر لنا التاريخ الثقافي للإسلام مقدارا لا بأس به من التعايش وقبول الاخر المختلف في الدين والهوية والعرق. ففي قلب هذه التعددية الهوياتية والثقافية والعرقية والدينية، التي يرفضها المتشددون اليوم، نشأت الدولة الاسلامية ونمت واتسعت وقدمت اسهامات حضارية اغنت التراث الانساني برمته.

يحلو للآخرين ان يروا في الارهاب فعلا يتجاوز اطار الفرد او الجماعات ليضعه في اطار اكثر عموميه الإرهاب وفق وجهة النظر هذه صناعة اي فعلا منضما لا فوضوي، تقوم الدول بتغذيته واستثماره لهدم دول اخرى وبالتحديد في مرحلة باتت فيها فكرة الحرب التقليدية بين دولتين فكرة قديمة ومدمرة.

الإرهاب ورقة سياسية ضاغطة

في هذه اللحظة بالذات بدأت الدول تفتش عن طرق اخرى لهدم خصومها فوجدت في نزوع بعض الخطابات أو الايدلوجيات الدينة نحو العنف ارضا خصبة تستطيع من خلالها ان تحقق ما تصبو اليه. وجهة النظر هذه اقرب الى فكرة المؤامرة، حيث لاشي في هذا العالم يحدث عبثاُ. هذا النوع من التحليل يقفز بعيدا في حدود تخيلة لظاهرة الارهاب ليجعل منها سلوكا لا يطال فقط جماعة بعينها او دينا بعينه انما ايضا الدول ذاتها بوصفها مؤسسات تنهض على اطار حقوقي قانوني يحدد لها اطار ممارستها للعنف…. فالدول، برأي الكثير من الباحثين، صانعة ومغذية للإرهاب، والا ماذا يمكننا ان نسمي مافعلته الدول الكبرى ابان فترات الاستعمار التي مارستها بحق الشعوب المستضعفة؟

ايا كان، الثابت ان الارهاب اصبح سؤال يخص الجميع الدول والأفراد على حد سواء وبات يطرح نفسة ليس فقط على صعيد الحقل السياسي انما الفكري ايضا. وكيف السبيل الى الخروج من الارهاب ومبرراته النظرية.

يتموضع، بهذا المعنى، داخل سؤال الكيف وليس لماذا. القناعة العميقة التي ينهض عليها هي ضرورة مواجهة الارهاب فكريا وليس فقط سياسيا وعسكريا، ذلك ان هذا التصرف ليس سوى اعادة انتاج لفكرة العنف ذاتها…وهي اهم ما يميز الارهاب كفعل..فالإرهاب فكر قبل ان يكون ممارسه وهو لذات السبب يحتاج الى فكر اخر في مواجهته…هنا مستوى اخر من سوال الكيف…كيف نواجه الارهاب فكراً

أحاول عبر ذلك ان اتجنب سوء استخدام الكلمة، ذلك ان الارهاب استخدم كذريعة، وبالتحديد من قبل القوى التي تدعي الان محاربته، لتصفية  الخصوم السياسيين أو الايديلوحيين. ضمن هذا الاطار اعتبرت معظم حركات التحرر الوطني حركات ارهابية  كحركة التحرر الجزائري والفلسطيني وغيرها… فا الإرهاب بهذا المعنى، مصطلح ملتبس، حمال أوجه. لكن، وبعيدا عن الاشكالات التي يثيرها المفهوم، ما اود الحديث عنه هنا هو هذا النمط من الارهاب الذين يقوم به الفاعلون الاجتماعيون ضد مجتمعاتهم بالذات وضد اقرانهم في الوطن او الهوية او الدين وليس ضد ما يعتقدون انهم  اعدائهم المغايرين لهم في الهوية والانتماء.

معضلة”الهوية”

اقصد هذا النوع من الارهاب المعاصر الذي رافق الاحداث الاخيرة التي شهدها العالم العربي تحت ما اصطلح على تسميته ربيعا…حيث شهدنا ميلا يتجاوز حدود الارهاب الواقع على البشر باتجاه تدمير الهوية الثقافية التي نهضت عليها معظم الثقافات التي عرفتها المنطقة العربية بدءا من مرحلة ماقبل الأديان اقصد الثقافات الوثنية، حتى يومنا هذا. نعم انه مسعى يتجاوز حدود قتل الاخر باتجاه فرض هوية جديدة ودين جديد على البشر، وكان البشر لم تكن قبل ذلك متدينة ليأتي اناس جدد يعلموهم الدين الحق من جديد.

فهولاء الافراد يجمعهم هذا الهاجس : البحث عن هوية او محاولة استعادة هوية ضائعة او متخيلة، وباسم هذا المتخيل يتم ارتكاب اقسى اشكال العنف..هو الحلم في استعادة الهوية ألمفقودة او تكوين هوية جديدة في مواجهة الهويات الاخرى المهيمنة، قدوم العديد من الارهابين من دول عدة وتلاقيهم على ذات المنحي والتوجه. فهولاء لايعترفون بالمواطنة كهوية على اساسها تنهض الدول بل يذهبون بعيدا الى درجة رفض فكرة الدولة ذاتها ان لم تكن مؤسسة على الدين الذي يتصورون. برأيهم، ما يصنع الهوية هو نمط من الفهم الديني الخاص العابر للحدود وللأوطان. وهو عند هذا الحد، يضعون نفسهم في موقع التصادم مع فكرة الدولة كأهم انجار حققته الانسانية الى الان. وهم بهذا المعنى يستحثون ويستدعون تحركا عاجلا في مواجهتهم، تحركا يجب ان يتجاوز حدود استخدام القوة باتجاه تقويض الاسس التي ينهض عليها هذا الفكر الهدام.

التوصيات

يجدر محاربة الإرهاب والتطرف، ب “المناصحة” الفكرية، ليتجاوز السياسات الصعبة، القذائ على جغرافية الجماعات المتطرفة على الارض، لايعني القضاء على التطرف والإرهاب، وهذا يعني يجدر بالحكومات، ردع التطرف في مكامنه من خلال ايجاد سياسات تنموية متكاملة، لاتسمح للجماعات المتطرفة القفز على حاجات الافراد والمجتمعات.

 

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=50308

الدكتورة : عقيلة دبيشي

dbichi.akila@hotmail.fr

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق