اختر صفحة

طرابلس، شمال لبنان ـ  التطرف، جمر تحت الرماد . بقلم جمال دملج

فبراير 1, 2021 | داعش والجهاديون, غير مصنف

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

بقلم : جمال دملج ـ كاتب لبنانيّ

قرعت التطوّرات الدراماتيكيّة التي شهدتها مدينة طرابلس في شمال لبنان خلال الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني (يناير) عام 2021 نواقيس خطر لم يسبق لارتفاع حدّتها مثيل منذ زمان الحرب الأهليّة عام 1975، وأعادت إلى الأذهان صورًا كئيبة لأدوار مشبوهة غالبًا ما كانت تلعبها جماعات تكفيريّة إسلاميّة من أجل العبث بأمن هذه المدينة، وبهيبة الدولة فيها، وبنمط التعايش المبنيّ أصلًا بين أهلها على نوع من الشراكة ما بين أغلبيّة تنتمي إلى الطائفة الإسلاميّة السنّيّة وما بين أقلّيّة تنتمي إلى الطائفة المسيحيّة الأرثوذكسيّة.

الخلفيّات التاريخيّة

الحديث عن هذه الأدوار المشبوهة لا يمكن أن يكتمل من دون المرور سريعًا على العوامل الخارجيّة التي ظلّت تشكّل صاعقها وصمّام أمانها في آنٍ معًا، تحت مظلّة مشاريعَ وأجنداتٍ إقليميّة غير نظيفة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، بدءًا من إعراب الطرابلسيّين عن رفضهم الانضمام إلى “دولة لبنان الكبير” بعدما أعلن الجنرال الفرنسيّ هنري غورو عن ولادتها في شهر أيلول (سبتمبر) عام 1920 فوق مساحة الـ10452 كيلومترًا مربّعًا التي تتشكّل منها حاليًّا الجمهوريّة اللبنانيّة، مرورًا بوقوفهم لمؤازرة مصر الناصريّة في مواجهة “حلف بغداد” في عهد الرئيس اللبنانيّ كميل شمعون.

هذه التطورات استوجبت إرسال الآلاف من مشاة البحريّة الأميركيّة (المارينز) إلى لبنان من أجل دعم الشرعيّة اللبنانيّة في مواجهة ما عُرف بـ”ثورة 1958″ التي اندلعت في الأصل بعصبٍ عروبيّ ، ووصولًا إلى السماح باستخدام مدينتهم كمسرح تجاربٍ لاختبار مدى القدرة على العبث بهيبة الدولة فيها خلال مناسبتين هامّتين، الأولى قُبيل اندلاع الحرب الأهليّة لدى إقامة ما عُرف بـ”دولة المطلوبين” في أسواقها الداخليّة على أيدي مسلّحين فارّين من العدالة من أمثال أحمد القدّور عام 1973، والثانية بُعيد اندلاع الحرب لدى اغتيال محافظ الشمال قاسم عماد يوم العشرين من شهر كانون الأوّل (ديسمبر) عام 1975.

النمط السائد لتلك الأحداث، وإنْ لم يكن قد اتّخذ بعد سمة الإرهاب وفقًا للمفهوم التقليديّ الحاليّ، ولكنّه سرعان ما أسّس لإطلاق موجة لافتة من التطرّف الطائفيّ والمذهبيّ في المدينة، على غرار ما حدث مثلًا في بدايات الحرب عندما استهدفت مجموعة مسلّحة تمثال رئيس وزراء سابق ينتمي إلى جيل رجالات الاستقلال الأوائل وهو الراحل عبد الحميد كرامي بعبوة ناسفة عند مدخل طرابلس الجنوبيّ، قبل أن تقوم مجموعة أخرى يقال إنّها تنتمي إلى “جند الله” بوضع نُصب كبير يجسّد اسم الله وتحته عبارة “قلعة المسلمين” في مكان التمثال المستهدَف.

التنافس السوريّ – الفلسطينيّ

ومع ارتفاع حدّة المعارك بين المسلمين والمسيحيّين على جبهة طرابلس – زغرتا في غمرة إرهاصات المرحلة الأولى (1975 – 1976) من الحرب الأهليّة، راحت موجة التطرّف تأخذ أبعادًا جديدة في أوساط الطرابلسيّين، مستفيدة من حالة التذبذب وعدم اليقين التي تسيّدت مشهد العلاقات السوريّة – الفلسطينيّة، ولا سيّما بعدما انقلب الرئيس السوريّ حافظ الأسد على حلفائه الفلسطينيّين واليساريّين اللبنانيّين وقام بالتدخّل عسكريًّا ضدّهم في ربيع عام 1976، قبل أن يحصل في خريف العام نفسه على غطاء شرعيّ من جامعة الدول العربيّة للمشاركة في “قوّات السلام العربيّة” إلى جانب وحدات عسكريّة سعوديّة وسودانيّة وليبيّة ويمنيّة، وقبل أن تنسحب تلك الوحدات لاحقًا بُعيد وصولها إلى لبنان بأسابيعَ قليلةٍ فقط، لتُعرف القوّات السوريّة منذ ذلك التاريخ ولغاية انسحابها عام 2005 بـ”قوّات الردع العربيّة”.

وإذا كان بدء مرحلة “الاستفراد السوريّ” بالساحة اللبنانيّة قد ترافق مع تفجيرات واغتيالات طالت شخصيّات وطنيّة ودينيّة مرموقة على مستوى لبنان بأكمله، مثل اغتيال رئيس الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ كمال جنبلاط، والمفتي الشيخ حسن خالد، ونقيب الصحافيّين ريّاض طه، وأمين عامّ “جبهة التحرير العربيّة” الموالية للعراق تحسين الأطرش، فضلًا عن تفخيخ مكاتب جريدة “المحرّر” اليوميّة، واختطاف رئيس تحرير مجلّة “الحوادث” الأسبوعيّة سليم اللوزي ومن ثمّ تذويب يده اليمنى بمادّة الأسيد قُبيل إطلاق النار عليه، فإنّ تداعيات تلك المرحلة على الساحات الطرابلسيّة سرعان ما تجلّت في شكلين مختلفين.

و تمثّل أحدهما في إجبار الأمين العامّ للقيادة القطريّة لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ عبد المجيد الرافعي على حزم حقائبه والتوجّه للإقامة على مدى سنوات طويلة من الزمان في بغداد، بينما تمثّل الشكل الآخر في قيام أحد الكوادر البارزين في منظّمة العمل الشيوعيّ خليل عكاوي (أبو عربي) بالالتفاف على أفكاره وتوجّهاته الماركسيّة قُبيل قيامه بإطلاق لحيته وارتداء الزيّ الإسلاميّ تمهيدًا لقيادة مجموعة مسلّحة موّلتها حركة فتح الفلسطينيّة وخاضت معارك دمويّة ضارية من منطقة “باب التبّانة” ضدّ المقاتلين العلويّين الموالين لسوريا في منطقة “جبل محسن” المتاخمة.

وفي غمرة اتّساع رقعة هذه الصدامات السوريّة – الفلسطينيّة، ظهرت على الساحة الطرابلسيّة تنظيمات وحركات تكفيريّة جديدة على شاكلة حركة التوحيد الإسلاميّ التي أعلنت عن إقامة “إمارة إسلاميّة” تحت إشراف الشيخ هاشم منقارة في منطقة الميناء ذات الحضور الأرثوذكسيّ اللافت، وذلك في أعقاب قيام مقاتلي الحركة بارتكاب إحدى أبشع المجازر الدمويّة ضدّ الشيوعيّين هناك عام 1982، الأمر الذي أدّى إلى حثّ قادة الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة على “اختلاق” أمراء إسلاميّين على شاكلة أحمد عبّاس الذي تمّ إيفاده عام 1983 من جزيرة قبرص إلى مدينة طرابلس على الرغم من أنّه لم يكن يحمل قبل ذلك التاريخ أيّ خلفيّات دينيّة تؤهّله لكي يكون “أميرًا” بأيّ شكل من الأشكال.

“ربيع العرب”

هذا الواقع المزري في المدينة، وإنْ كانت نسبة مرارته قد تراجعت بشكل نسبيّ، وبدرجات متفاوتة، في أعقاب بداية مرحلة ما يسمّى بـ”الحريريّة السياسيّة” بُعيد التوقيع على “اتّفاق الطائف” في أواخر ثمانينيّات القرن العشرين، ولكنّه أدّى في الموازاة إلى غرس بذرة الأصوليّة والتكفير والإرهاب في أماكن مختلفة من الأحياء الطرابلسيّة، ولا سيّما الفقيرة منها أو تلك الرازحة ما تحت خطّ الفقر، الأمر الذي جعل هذه البذرة متوفّرة “غبّ الطلب” عند الحاجة لاستخدامها في أجندات العديد من الدول الإقليميّة، سواء المتاخمة منها للبنان أم البعيدة جغرافيًّا عنه، على غرار ما حدث بالتزامُن مع بدء الأزمة السوريّة في خضمّ تداعيات “ربيع العرب” عام 2011  .

عندما اجتمعت مصالح  بعض الدول العربية الى واطراف اقليمية، على وجوب تقديم كافّة أشكال الدعم المادّي والمعنويّ والتسليحيّ التي من شأنها أن تؤدّي في نهاية المطاف إلى “شدّ العصب” السُنّيّ بما يضمن تحقيق هدفين اثنين، يتمثّل الأوّل في إيجاد التوازن العسكريّ المطلوب لمواجهة سلاح حزب الله في إطار الصراع المذهبي المتوارَث أبًا عن جدّ، بينما يتمثّل الثاني في إضافة أساليبَ عمليّاتيّةٍ جديدةٍ من شأنها أن ترفع منسوب الضغوط على نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد من أجل الإطاحة به بأسرع وقت ممكن.

ولعلّ اللافت جدًّا في الحالة الطرابلسيّة هو أنّ دول أقليمية ،لم تكن على تواصُل مباشر مع الخلايا الإرهابيّة التي راجت ظاهرتها بشكل مخيف في مختلف أنحاء المدينة؛ وخصوصًا خلال الفترة الممتدّة بين عاميْ 2013 و2015، وإنّما كانت تؤمّن مصالحها وأهدافها عن طريق الاتّصال المباشر مع زعماء طرابلسيّين تقليديّين أخذوا على عاتقهم مهمّة التحوّل إلى ما يُشبه “مخالب القطط” و”ملاقط النار” خدمةً لكلّ من يبحث عنها في الخارج من أجل تنفيذ مشاريعه في الداخل، ومن بينهم على سبيل المثال وليس الحصر رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي ووزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي والنوّاب سمير الجسر ومحمد كبّارة وغيرهم ممّن ينتمون إلى “تيّار المستقبل” بزعامة رئيس الوزراء المكلّف بتشكيل الحكومة في الوقت الراهن سعد الحريري.

“فجر الجرود”

وإذا كانت ظاهرة الإرهاب والتكفير في طرابلس قد خمدت إلى حدّ ما في أعقاب تمكُّن المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة من مواجهتها وتفكيك خلاياها الصاحية والنائمة خلال فترة الشغور الرئاسيّ التي استغرقت قرابة العامين بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان عام 2014، فإنّ وصول العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة في قصر بعبدا عام 2016، وقيامه بتوفير الغطاء السياسيّ المطلوب للمؤسّسة العسكريّة، خلافًا لأسلافه من الرؤساء السابقين، سرعان ما أدّى إلى دحر الإرهاب وإخراجه من لبنان في معركة “فجر الجرود” عام 2017، الأمر الذي كان له وقع الصدمة في أوساط العديد من الدول الخارجيّة والشخصيّات المحلّيّة التي لطالما استثمرت جدًّا على مدى سنوات طويلة من الزمان في صناعة الإرهاب.

وربّما من الجائز أيضًا القول إنّ من بين الأسباب الهامّة الأخرى التي أدّت إلى هزيمة الإرهاب في لبنان، بالإضافة إلى استبسال المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة على أرض المعارك، هو أنّ حيثيّات انشغال تركيا بلملمة مخلّفات قيام مقاتلاتها بإسقاط قاذفة الـ”سوخوي” الروسيّة عند تخوم حدودها مع سوريا عام 2015، ومن ثمّ بمحاولة احتواء تداعيات المحاولة الانقلابيّة ضدّ الرئيس رجب طيّب إردوغان عام 2016، فضلًا عن إرهاصات تفجُّر الأزمة الخليجيّة لاحقًا شكّلت في مجملها عوامل إضافيّة يُفترض أن توضع في الحسبان، ولا سيّما أنّها أدّت إلى إجبار هذه الدول على إعادة النظر بجدول أولويّاتها على حساب دعمها المادّي والمعنويّ والتسليحيّ لظاهرة الجماعات الأصوليّة والتكفيريّة في لبنان.

ولكي تتّضح الصورة أكثر، فإنّ رئيس الوزراء اللبنانيّ السابق والنائب الحاليّ عن مدينة طرابلس التي لا تزال تعتبر من أفقر المدن الواقعة على حوض البحر الأبيض المتوسّط بينما لا يزال اسمه مدرجًا في قائمة مجلّة “فوربس” لأثرياء العالم، أيْ نجيب ميقاتي، لم يجد آذانًا صاغية لدى اجتماعه مع الرئيس التركيّ في أنقرة بُعيد انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة عام 2016 بسبب تركيز إردوغان وقتذاك على لملمة واحتواء المخلّفات والتداعيات الآنفة الذكر.

يذكر أنّ ميقاتي الذي يعرف الطرابلسيّون تمام المعرفة أنّه وفّر في السابق تغطية سياسيّة وأمنيّة للأصوليّيْن هاشم منقارة وشادي المولوي كان يريد في المقام الأوّل من وراء زيارته لأنقرة استكشاف موقف الرئيس التركيّ حيال “مستقبل” العصب الأصوليّ والتكفيريّ السُنّيّ في لبنان، وتحديدًا في مدينة طرابلس، على ضوء وصول العماد عون إلى سدّة الرئاسة، ولا سيّما أنّ القاصي والداني كان يدرك تمام الإدراك منذ البداية أنّ الشخصيّة البراغماتيّة العونيّة لن تتأخّر إطلاقًا في اتّخاذ قرار الحرب على الإرهاب.

التسوية الرئاسيّة

ولعلّ معضلة عدم توفّر الآذان الصاغية واجهت أيضًا شخصيّات طرابلسيّة أخرى بالإضافة إلى ميقاتي، ولا سيّما تلك التي راح أصحابها يحاولون اللعب على حبال التناقضات الداخليّة الخليجيّة، ومن ثمّ على التناقضات السعوديّة – التركيّة.

إنّ حالة الانقسام في الأوساط السُنّيّة لا تزال حاضرة لغاية يومنا الراهن تحت غطاء الرغبة في فكّ الارتصاف الذي أدّى إلى التسوية الرئاسيّة عام 2016 ما بين “تيّار المستقبل” بزعامة سعد الحريري من جهة وما بين الأمين العامّ لـ”حزب الله” حسن نصر الله ورئيس “التيّار الوطنيّ الحرّ” جبران باسيل؛ صهر العماد عون، من جهة أخرى، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ خطط الرئيس اللبنانيّ في الداخل لم تكن تتوقّف عند حدود محاربة الإرهاب ودحره وحسب، وإنّما في محاربة آفة الفساد من أجل القضاء عليها أيضًا، تمهيدًا لبناء لبنان الذي يحلم به كلّ الشرفاء.

كلمة السرّ

على هذا الأساس، وانطلاقًا من أنّ أولى مؤشّرات محاربة الفساد كانت قد ظهرت في خطوتين متتاليتين، الأولى عندما لوّح النائب عن حزب الله حسن فضل الله بورقة اختفاء الأحد عشر مليار دولار من خزينة الدولة أثناء تولّي فؤاد السنيورة رئاسة الوزراء عام 2006، والثانية عندما قامت النائبة العامّة الاستئنافيّة في جبل لبنان القاضية غادة عون بالادّعاء خلال الأسبوع الأوّل من عمر ما يُعرف بـ”ثورة 17 تشرين الأوّل” عام 2019 على نجيب ميقاتي وابنه ماهر وشقيقه طه بـ”الإثراء غير المشروع”.

رأينا كيف قامت شخصيّات بركوب موجة هذه الثورة وبتحويل إبرة بوصلتها من حراك احتجاجيّ ومطلبيّ مشروع إلى فوضى عارمة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، حيث قُطعت في خضمّ معمعتها الطرقات وأُحرقت الإطارات وحُطِّمت أجهزة الصرّاف الآليّ أمام البنوك، ناهيك عن أنّها تسبّبت في إدخال ما يزيد عن مئة وخمسين ألف موظّف وموظّفة في صفوف العاطلين عن العمل وفي إجبار أعداد مضاعفة على العمل بنصف رواتبهم الشهريّة، وذلك كلّه بينما كانت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة تبذل قصارى الجهد من أجل وضع الأمور تحت السيطرة بأقلّ الأضرار الممكنة، والأهمّ هنا؛ حيث تكمن كلمة السرّ، بينما كانت القوّات التركيّة تنفّذ عمليّاتها العسكريّة في شمال شرق سوريا سعيًا إلى “تحرير” عناصر تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) ممّن كانوا سجناء في معتقلات ومعسكرات تشرف عليها قوّات سوريا الديموقراطيّة (قسد) بغية إعادة تصديرهم إلى دول أخرى، على غرار ما حصل لاحقًا في ليبيا وأذربيجان.

أمّا في لبنان الذي كان قد ألحَق بمقاتلي هذا التنظيم ومشتقّاته الإرهابيّة هزائمَ نكراء في “فجر الجرود” حسب ما أسلفنا الذكر، فإنّ صحوة المؤسّسة العسكريّة بكافّة أجهزتها من جيش وأمن دولة وشعبة معلومات وأمن داخليّ، وإنْ كانت قد تمكّنت في البداية من الحيلولة دون وصول التكفيريّين مجدّدًا إلى أراضيه بموجب الخطّة التركيّة، ولكنّ إرهاصات جائحة كوفيد-19 المتوالية فصولًا بعد فصول، معطوفة على حالة عدم اليقين المتراوحة ما بين انفجار وما بين تفجير نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت يوم الرابع من شهر آب (أغسطس) عام 2020 . وبينما كانت السلطات الرسميّة اللبنانيّة تدرس إمكانيّة توسعة مرفأ طرابلس للتعويض على خسارة مرفأ بيروت…إلخ، جميعها عواملُ يُفترض أن تؤخذ بعين الاعتبار لدى التطرّق إلى الأحداث الأخيرة والمتتالية تِباعًا في عاصمة الشمال اللبنانيّ.

بذورالتطرّف

ولكنّ السؤال الأهمّ الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تركيز التصويب على استهداف هذه الـ”تري بوليس” الجميلة التي خصّها التاريخ القديم باحتضان أوّل مجتمع تعدّدي في منطقة الشرق الأوسط، أيْ حيّ الصوريّين وحيّ الصيدانيّين وحيّ الأرواديّين، أو بعباراتٍ تاريخيّة أدقّ: “محلاتا” و”مايزا” و”كايزا”، تمامًا مثلما خصّتها الجغرافيا بنعمة التظلّل بفيِّ أرز الربّ، والارتواء بالمياه المتدفّقة من وادي قاديشا المقدّس، والاحتماء بجبل الفهود، أيْ جبلِ تربل، والانفتاح على العالم عبر البحر الأبيض المتوسّط، عندما كان لبنان بحقْ الوطن – الرسالة، وقبل أن يصبح صندوق البريد؟

الجواب باختصار: إنّها بذرة الأصوليّة والتطرّف والتكفير التي خلّفت وراءها انفصامًا حادًّا ما بين الشخصيّة الوطنيّة اللبنانيّة وما بين الشخصيّة الدينيّة المذهبيّة وراحت دائرته تتّسع يومًا بعد يومٍ، بدءًا من ذلك الزمان البعيد .

فأُطلقت فيه تسميه “أبو علي” على النهر النابع من وادي قاديشا المقدّس، مرورًا بالزمان الذي لم يصبح بعيدًا بعد عندما فشلت كافّة المحاولات الهادفة إلى استبدال عبارة “قلعة المسلمين” الموضوعة منذ بدايات الحرب الأهليّة تحت اسم “الله” الموضوع بدوره مكان تمثال عبد الحميد كرامي بعبارة “ادخلوها بسلام” من أجل طمأنة غير المسلمين ممّن عادوا إثر انتهاء الحرب للعيش في المدينة، وانتهاءً بالمعنى والمغزى للكلام الذي جاء على لسان النائب نجيب ميقاتي أثناء استضافته قبل أيّام قليلة فقط عبر تطبيق “زوم” على شاشة “قناة الجديد” عندما ذكّر بأنّ الطرابلسيّين رفضوا الانضمام إلى “دولة لبنان الكبير” عام 1920، متّهمًا الأجهزة الأمنيّة بالتقصير في حماية المنشآت العامّة مثل مبنى السراي ومقرّ البلديّة، ومرجّحًا إمكانيّة اللجوء إلى خيار “الأمن الذاتيّ” لمواجهة الأخطار المحدقة، بمعنى أن ينتشر السلاح مجدّدًا مثلما كانت عليه الحال قُبيل اندلاع الحرب عام 1975 عندما وصل سعر الرشّاش الأتوماتيكيّ من نوع كلاشنكوف إلى أقلّ من ثلاثين دولارًا أميركيًّا، أيْ إلى ما كان يعادل وقتذاك سعر قارورة عطر فرنسيّ من نوع جيّد… وهذا كلام أقلّ ما يمكن أن يُقال عنه هو أنّه تأجيجيّ وغير مسؤول.

أمّا بالنسبة إلى سرّ التوقيت المتعلّق بإطلاق هذه الموجة من الأحداث المريبة، فهنا مربض الفرس، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ محافظ الشمال رمزي نهرا الذي يتّخذ من السراي التي تعرّضت خلال الأيّام الماضية لمحاولات اقتحام من قِبل “المحتجّين” ينتمي في الأصل إلى “التيّار الوطنيّ الحرّ” الذي يترأسه صهر رئيس الجمهوريّة، وأنّ أعنف التصريحات الصحافيّة في مجال الدعوة إلى استقالة الرئيس عون من منصبه تصدر عن شخصيّات طرابلسيّة.

وأنّ أكثر الدول التي لديها ما يشبه الثأر الشخصيّ من الرئيس اللبنانيّ؛ ليس بالضرورة بسبب “فجر الجرود” وإنّما بسبب اعترافه بالإبادة الأرمنيّة، هي تركيا التي منحت جنسيّتها خلال الأعوام الخمسة الماضية لآلاف الطرابلسيّين، وأنّ ملفّات استفحال الخلافات بين رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة المكلَّف حول التشكيلة الوزاريّة، فضلًا عن تداعيات صراع “الأخوة الأعداء” بين بهاء وسعد الحريري، أدّت مؤخَّرًا إلى قيام الأخير بالتوجُّه إلى أنقرة للقاء الرئيس إردوغان، وأنّ المؤشّرات ذات الصلة بعودة المياه إلى مجاريها على المستوى الخليجيّ؛ بما يمكن أن يؤثّر سلبًا على الطموحات التركيّة في المنطقة، أعادت إلى أذهان الزعماء الطرابلسيّين التقليديّين صور تلك الأزمنة التي كانوا يشكلّون فيها “مخالب قطط” و”ملاقط نار” في الداخل لكلّ من يبحث عنها في الخارج… وحسبي أنّ من قال إنّ طرابلس تكاد أن تتحوّل إلى قندهار جديدة لم يكن على حقّ وحسب، وإنّما أصاب في الصميم… والخير دائمًا من وراء القصد.

رابط مختصر …https://www.europarabct.com/?p=73976

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...