صعود جينا هوسيل الى وكالة الإستخبارات المركزية يعني مزيدا من العمليات القذرة

صعود جينا هوسيل الى وكالة الإستخبارات المركزية يعني مزيدا من العمليات القذرة

جينا هوسبيل كيري ماتيسون الجديدة في إدارة ترامب

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

واشنطن ـ العرب اللندنية ـ هوسبيل أشرفت على تدمير أشرطة فيديو وثقت استجواب عنصرين من القاعدة تحت التعذيب عندما أيقنت أنها ستتحول إلى “مجرمة حرب” عام 2005.عندما قدّم زملاء كيري ماتيسون في أفغانستان لها كعكة بمناسبة عيد ميلادها، لاحظت أسفل الومضات الصادرة عن شعلات الشموع الصغيرة، أنها قد حصلت للتو على لقب جديد هو “ملكة الدرون”.

كانت كيري قد تحوّلت حينها إلى المسؤول الأول عن برنامج الطائرات دون طيار في محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” في العاصمة الباكستانية إسلام أباد. عناصر حركة طالبان كانوا بالنسبة للطائرات الأميركية كالأرانب البرية التي تحاول الهرب من قطيع ذئاب جائع.ليست هذه المشكلة. في النهاية من يريد “الجهاد” عبر قتل الأبرياء، عليه تحمل النتائج. المشكلة الأكبر هي أن العالم يمكنه إنزال حكم بالعقاب الفوري على هؤلاء “الجهاديين” بمجرد تخطيهم الخط الأحمر، لكن من يعاقب القاضي إذا ما تخطى نفس الخط؟

لم يكن لدى كيري، التي تقوم كلير دينز بدورها في بطولة مسلسل “هوم لاند”، أي مشكلة في استهداف حفل زفاف، طالما أنه يحتضن عنصرا أو اثنين من حركة طالبان. في هذا المشهد المؤثر من إحدى حلقات الموسم الرابع من المسلسل، الذي يعرض موسمه السابع الآن على القناة الرابعة البريطانية، تسببت ضربة جوية واحدة في قتل العشرات من الأبرياء في العرس، ومعهم الإرهابي الذي كان يختبئ وسط ضجيج العرس، لكنها أخرجت من ذات العرس إرهابيين كثر.كل صبي فقد أمه أو أحد أقاربه أمام عينيه في هذا اليوم تحوّل فورا إلى ترس في ماكينة التشدّد التي مازالت تلتهم هذا البلد.

الإجابة عن السؤال الصعب

بالتوازي مع الحرب الأمنية والعسكرية، ثمة حرب أخلاقية تعصف بكل ما تمثله سي آي إيه. “هوم لاند” كان انعكاسا دراميا فجّا وصريحا لمعادلة الأمن وحقوق الإنسان، أو السؤال البسيط والأزلي: هل يمكن للأمن أن يكون أخلاقيا؟المسؤولة الأميركية الجديدة يعرف عنها بأنها في إحدى المرات التي كانت تشرف فيها بنفسها على التحقيق مع عبدالرحمن النشيري وأبي زبيدة المنتميين إلى تنظيم القاعدة في سجن سري تابع للوكالة في تايلاند، لم تجد مشكلة في التضحية بإحدى عيني أبي زبيدة لإجباره على الكلام
رغم وضوحه وقدمه ورتابته، مازال هذا السؤال يلاحق جينا هوسبيل، مرشحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجديدة لتولّي رئاسة سي آي إيه.

ربما يكون هذا السؤال بالنسبة لها جبلا بلا قمة عليها صعوده إلى نهايته، أو نفقا تزحف داخله طوال حياتها المهنية لكن دون أن تصل إلى النور في آخره. هذا هو السؤال الذي قفز بهوسبيل سريعا بين درجات السلم الوظيفي في الوكالة الاستخباراتية الأشهر في العالم، وربما هو نفسه الذي سيلقي بها خارج النافذة.

يتوقف الأمر في النهاية على قرار لجنة الاستخبارات في الكونغرس، التي ستنظر في ماض مصبوغ بنفس لون “الموقع الأسود” الذي أشرفت عليه في تايلاند بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.كانت هوسبيل، التي انضمت للوكالة لأول مرة عام 1985، تمثّل صورة الجاسوسة التي اعتدنا أن نراها في أفلام هوليوود، وفي شخصيات شجاعة وغامضة وبلا قلب، تقدمها “نيتفليكس” في دراما قادرة على نقلك إلى عالم الاستخبارات وأنت جالس على الأريكة.

الفرق الوحيد بين كيري وجينا هو أن الأولى استخدمت الطائرات دون طيار كي تنتزع اعترافات المجتمع بأسره عن حركة طالبان التي يحتضنها، أما الثانية فلجأت إلى أدوات أبسط كثيرا، تنحصر في زجاجة مياه وقطعة قماش بالية، لتنتزع في كل مرة اعترافات شخص ما، عبر عمليات “الإيهام بالإغراق”.

في إحدى المرات، التي كانت تشرف فيها بنفسها على تعذيب عبدالرحمن النشيري وأبي زبيدة، الإرهابيين المنتميين إلى تنظيم القاعدة في سجن سرّي تابع للوكالة في تايلاند، لم تجد هوسبيل مشكلة في التضحية بإحدى عيني أبي زبيدة لإجباره على الكلام. خلال شهر واحد فقط تعرض أبوزبيدة، بأوامر مباشرة من هوسبيل، إلى 83 عملية إيهام بالإغراق. حدث ذلك في صيف عام 2002، بينما كانت الولايات المتحدة في بدايات مرحلة “هيستيريا 11 سبتمبر”.

قد تكون مرحلة هيستيريا الأمم فرصة لمن يعيشون طوال حياتهم على هيستيريا الأفراد. كل من تولّى منصبا قياديا في أحد أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال هذه الفترة كان ينتمي إلى هذه المرحلة الزمنية القاتمة منذ زمن بعيد، وكانت هي تشبهه في عمق وجدانه وتكوينه واتزان خياله المفقود.
كانت هوسبيل قد مرت بمراحل كثيرة في مشوارها المهني، ليست كلها متاحة للعلن بالطبع، نظرا إلى السرية التي تغطي عمل أجهزة الاستخبارات في العموم.

“هوم لاند” يكاد يكون انعكاسا تاما لحياة هوسبيل. لو لم ينف القائمون على العمل هذا الاستنتاج، لتحول هذا المقال في اتجاه آخر تماما. اتجاه يتعقب خطى كيري، ليفهم مصير جيناكما كانت قناعات كيري بأن كل شيء متاح من أجل حماية الأمن القومي، كانت هوسبيل على يقين بأن ما تقوم به سيوصلها إلى قمة هرم عالم الظل، وفي نفس الوقت سيلقي بها، إن تم الكشف عنه، في قاع مجتمع المدنيين.

جرأة كيري وطبيعتها الأنسوية، اللتان جمدتهما تماما منذ انضمامها للعمل في الوكالة، كانتا أشبه بتوازن دقيق يقوم عليه رؤساؤها. من بين هؤلاء سول بيرينسون، الذي كان أبا روحيا لها، في العمل وخارجه.كلما كان يذهب سول للخدمة في أي مكان حول العالم، كان يصر على أن يأخذ كيري معه. حتى بعدما تركت كيري الوكالة، وصار هو، في الموسم السادس، الرجل الثاني فيها بعد دار أدال، كانت كيري، بشكل غير رسمي، ذراعه الأيمن في كل شيء.

في الموسم السابع اتحدت النبوءة مع الواقع بشكل يكاد يكون متطابقا. سول، الذي وصل إلى منصب الرجل الثاني في الوكالة، يصبح مستشار الأمن القومي للرئيسة الجديدة. قف قليلا، وقارن بين الدراما والواقع! في المسلسل، سول أحد كبار المسؤولين في سي آي إيه يقفز إلى أكبر منصب أمني في البيت الأبيض، وفي الواقع، مايك بومبيو مدير الوكالة يصعد إلى أهم منصب دبلوماسي في البلد، وهو وزير الخارجية. هل لا يزال ثمة شك في أن الواقع صار انعكاسا للدراما، وليس العكس؟
مشكلتها أنها امرأة

قرب وقائع الدراما في “هوم لاند” من الحقيقة وأبعادها مذهل. ثقافة إفساح المجال أمام امرأة لقفز حواجز القيادة انعكاس لنفس المعادلة عند المدنيين. لم يكن ثمة مجال أمام كيري للصعود، رغم ما تمثّله من نموذج يكاد يكون حلما يبحث عنه كل قادة الاستخبارات في العالم، إلا عبر التعلق بيد رجل ما. يكاد يكون “هوم لاند” انعكاسا لحياة هوسبيل. لو لم ينف القائمون على العمل هذا الاستنتاج، لتحول هذا المقال في اتجاه آخر تماما. اتجاه يتعقب خطى كيري، ليفهم مصير جينا.

لكن لم تكن كيري فقط هي مرآة جينا في المسلسل، لكن سول أيضا كان مرآة معلم جينا وقدوتها. هذا الشخص هو خوسيه غونزاليس.العالم يكتشف اليوم أن حقبة أوباما لم تكن إشارة رحمة يمنحها التاريخ له بين وقت وآخر. لكنها كانت درسا تعلم هذا العالم فيه حقيقة أن القوى العظمى إن توقفت عن التهامه، فسيلتهم هو نفسه. سوريا كانت مرآة هذه الحقيقة الناصعة. عندما فعلت القوة العظمى دمر العراق، وعندما توقفت عن الفعل دمرت سوريا

كان خوسيه جسر هوسبيل نحو الصعود. قبل توليها منصب نائب مدير سي آي إيه بداية العام الماضي، عملت جينا مديرة لمكتب خوسيه، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم التجسس في الوكالة، قبل أن تنتقل معه وتصبح نائبا لرئيس قسم مكافحة الإرهاب، بعدما أصبح هو رئيسه.

علاقة الاثنين كانت أشبه بالتبنّي، لكن من زاوية عملية محترفة. لاحقا سيلعب خوسيه الدور الأكبر في حماية جينا، في أكثر منحنيات حياتها المهنية انعطافا.عام 2005، عندما أيقنت أنها ستتحول إلى “مجرمة حرب”، أشرفت هوسبيل سريعا على تدمير أشرطة فيديو وثقت استجواب النشيري وأبي زبيدة تحت التعذيب. هنا تخطت هوسبيل خطا أحمر بالنسبة للمؤسسة السياسية التقليدية التي تحكم في واشنطن.

ليس سهلا التصرف بشكل أحادي في مثل هذه المسائل. عندما تجد الوكالة أن أحد موظفيها قد يتسبب في وضع ظهرها للحائط، يكون كل شيء بعد ذلك هو قرار الدور السابع في لانغلي “مقر قيادة السي آي إيه”، وليس قرار موظف. هذا ينهي أي لُبس في الجدل حول الأدلة، ومن بالضبط اتخذ القرار بتدميرها، جينا أم من هم فوقها؟ صعود جينا السريع لاحقا يرجّح الخيار الثاني.

في النهاية كانت تلك حقبة جورج بوش الابن، بكل ما يعنيه ذلك من معان وعبر. هذا الزمن كان أكثر قبحا من وجه الولايات المتحدة التي أظهرته لنا، من أفغانستان إلى العراق. بوش، الذي كان قد تخلص للتو من جورج تينت في رئاسة الوكالة، عين بورتر غوس، مع وصية البحث عن “الموهوبين” في استنطاق الإرهابيين عن المعلومات، سواء أكانت صحيحة أم لا.

لم تخلع الولايات المتحدة هذا الوجه المخيف سوى مع رحيل بوش. باراك أوباما منح نفسه وبلاده والأميركيين جميعا راحة من طبيعة أميركا البرية الآتية من أفلام رعاة البقر، مباشرة إلى القرن الحادي والعشرين. أدرك أوباما أن بوش شعر أن العالم قسا على الولايات المتحدة، فقرر ببساطة أن يقسو على العالم.في نهايتها، اكتشف العالم أن حقبة أوباما لم تكن إشارة رحمة يمنحها التاريخ له بين وقت وآخر، لكنها كانت درسا تعلم هذا العالم فيه حقيقة أن القوى العظمة إن توقفت عن التهامه، فسيلتهم هو نفسه. سوريا كانت مرآة هذه الحقيقة الناصعة. عندما فعلت القوة العظمى دُمّر العراق، وعندما توقفت عن الفعل دُمّرت سوريا.
اقتناص الفرص

كانت هوسبيل تراقب كل هذه التحولات الجيوستراتيجية الهامة في الشرق الأوسط من قلب إدارة مكافحة الإرهاب. هذا يعني أنها تعرف المنطقة أكثر من معرفة المنطقة لنفسها أحيانا.هوسبيل ومنذ انضمامها إلى وكالة المخابرات المركزية عام 1985، تمثل صورة الجاسوسة التي اعتدنا أن نراها في أفلام هوليوود، وفي شخصيات شجاعة وغامضة وبلا قلب

بعد ذلك انتقلت لترأس الهيئة القومية للتجسس، وهي إدارة تابعة للوكالة، ومهمتها وضع استراتيجية عمليات التجسس الخارجي، والتعامل مع الحلفاء لتفكيك شبكات التجسس في الغرب، ومتابعة أنشطة قادة البلدين والحكومات الأجنبية.لكن سرعان ما أفاقت عام 2016 على لحظة الاختيار، بين الولاء لرئيس منتخب يهوى ضرب استخبارات بلاده في العمق، ومبادئ الوكالة التي تربت عليها منذ أن كانت ضابطة ميدان.

اختارت هوسبيل ترامب لسبب بسيط، أن ثمار ثلاثين عاما من العمل الخطر قد دانت فجأة. اختيار مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركية، الذي كان قد تولّى للتو منصب مدير سي آي إيه، في فبراير 2017 لتصبح نائبته، غير حياة هوسبيل إلى الأبد.

اليوم تقف على باب مكتب المدير، لكي تصبح، إن تم تثبيت تعيينها من قبل أعضاء الكونغرس، أول إمرأة تشغل هذا المنصب.كما كانت كيري حلقة الوصل بين طبقة الاستخبارات، والرئيسة الأميركية إليزابيث مارفيل “الممثلة إليزابيث كين”، التي تم انتخابها في الموسم السادس من “هوم لاند”، وكانت تعادي سي آي إيه، سيكون على هوسبيل ترويض العلاقة المعقدة بين البيت الأبيض والوكالة.

في النهاية لا أحد يعرف ما تفكر جينا فيه بالضبط، وما إذا كانت واحدة من هؤلاء الموظفين الذين يشعرون في هذه الظروف عادة بامتنان لرئيس يحقق لهم حلما طال انتظاره، أم أنها شخصية مستقلة تتمسك بقناعاتها وتدافع عنها. لن يمر وقت طويل قبل أن نكتشفها. سيكون ذلك في سوريا أولا، وفي مواجهة إيران وروسيا وكوريا الشمالية بعد ذلك، ثم سنعود حتما للحديث عن جينا هوسبيل، لكن المرة القادمة لتقييم الوكالة تحت رئاستها، إن نجحت بالفعل في اختبار الكونغرس.

 

شارك المقال
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
اخر المقالات