المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية ،عضو سابق في مجلس الشيوخ المصري د . سماء سليمان – FB. SAMA SOLIMAN
” شي” في القاهرة: مصر في قلب التحول الدولي
لا أعتقد أن زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ ” إلى مصر يمكن قراءتها باعتبارها زيارة ثنائية تقليدية، أو مجرد احتفال بمرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين. فالزيارة، التي تأتي في الأيام المقبلة بعد مشاركة شي في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك، هي أول زيارة له إلى مصر منذ عشر سنوات، وتأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة تحولات كبرى: إعادة تشكيل النظام الدولي، وإعادة ترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة. وقد أكدت بكين رسميًا أن شي سيبحث في القاهرة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي العلاقات الثنائية، إلى جانب القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
لا تقل أهمية التوقيت عن أهمية الزيارة نفسها. فمنذ 28 فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الخرب على إيران، دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة تمامًا. الموقف الصيني من الحرب كان واضحًا منذ الساعات الأولى؛ فقد أدانت بكين الضربات ودعت إلى احترام سيادة إيران ووقف التصعيد والعودة إلى الحوار والتفاوض. لكن الصين، في الوقت نفسه، لا تنظر إلى الحرب باعتبارها أزمة أمنية تخص الشرق الأوسط وحده، وإنما باعتبارها أزمة تمس أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية، وبالتالي تمس مباشرة المصالح الصينية في الاقتصاد العالمي.
وهنا تحديدًا تصبح مصر أكثر أهمية بالنسبة إلى بكين. فمصر ليست فقط أكبر الدول العربية من حيث السكان، وليست فقط دولة محورية في النظام الإقليمي العربي، وإنما تقع عند نقطة التقاء البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتسيطر على قناة السويس التي تمثل أحد أهم الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا. وفي عالم أصبحت فيه مضائق وممرات الطاقة والتجارة معرضة بصورة متزايدة للصراعات، فإن قيمة الموقع المصري تتجاوز بكثير الحسابات التقليدية المتعلقة برسوم العبور أو التجارة العابرة. بالنسبة إلى الصين، استقرار مصر واستقرار قناة السويس جزء من أمن طرق التجارة التي تربطها بالأسواق الأوروبية والأفريقية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جزء مهم من التحرك الصيني تجاه القاهرة. بكين لا تبحث فقط عن سوق مصرية ضخمة، وإنما عن موقع استراتيجي مستقر يمكن أن يساعدها في التعامل مع عالم أصبحت فيه العولمة نفسها أكثر هشاشة. وإذا كانت الحرب في إيران قد كشفت حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن اضطراب طرق الطاقة والملاحة، فإن مصر تقدم للصين فرصة لبناء قدر أكبر من المرونة في سلاسل الإمداد، من خلال الاستثمار في الموانئ والمناطق اللوجستية والتصنيع وربط قناة السويس بشبكات التجارة الصينية.
لكنني أعتقد أن الرهان المصري أكبر من مجرد جذب المزيد من الاستثمارات الصينية. مصر تحتاج في هذه المرحلة إلى تغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية مع الصين، وليس فقط زيادة حجمها. فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 19.52 مليار دولار في 2025، وهو رقم يعكس الوزن الكبير للصين في الاقتصاد المصري، لكنه يعكس في الوقت نفسه اختلالًا تجاريًا واضحًا لمصلحة الجانب الصيني. ولذلك فإن المصلحة المصرية الحقيقية تكمن في الانتقال من علاقة تقوم أساسًا على استيراد السلع والمعدات الصينية إلى علاقة تقوم على الإنتاج المشترك والتصنيع ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات المصرية. وهذا يتطابق إلى حد كبير مع ما تطرحه مصر حاليًا من ضرورة جذب الاستثمارات الصينية إلى القطاعات الإنتاجية وربطها بسلاسل التوريد العالمية.
وهنا أرى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يمكن أن تكون جوهر الصفقة المصرية الصينية الجديدة. فالمطلوب ليس فقط أن تأتي الشركات الصينية إلى مصر لتبيع منتجاتها للسوق المصرية، وإنما أن تستخدم مصر قاعدة للإنتاج والتصدير إلى أفريقيا والعالم العربي وأوروبا. وإذا نجحت القاهرة في تحقيق ذلك، فإنها تكون قد حولت الموقع الجغرافي من ميزة ثابتة إلى قيمة اقتصادية متجددة: قناة السويس لا تصبح مجرد طريق لعبور البضائع، وإنما مركزًا للتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير. وهناك بالفعل اهتمام صيني بالتعاون في إدارة وتشغيل الموانئ والمناطق اللوجستية ومراكز التوزيع داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
لكن الاقتصاد ليس سوى أحد أوجه العلاقة. فالمنافسة الصينية الأمريكية تجعل التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من حسابات الزيارة. الصين تريد بناء استقلالها التكنولوجي عن الولايات المتحدة، ومصر تحتاج إلى التكنولوجيا في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاتصالات والطاقة والأقمار الصناعية. ولذلك فإن أي تقدم في التعاون المصري الصيني في هذه المجالات سيكون ذا دلالة استراتيجية، وليس اقتصادية فقط. وهنا تحديدًا ستراقب واشنطن طبيعة ما يتم الاتفاق عليه، لأن المنافسة بين بكين وواشنطن لم تعد تدور فقط حول التجارة، وإنما حول من يمتلك التكنولوجيا التي ستحدد شكل الاقتصاد والأمن في العقود المقبلة.
أما المجال العسكري، فأراه أكثر حساسية. فمصر لن تتحول، إلى حليف عسكري للصين على حساب الولايات المتحدة، فهذا لا يتناسب مع طبيعة السياسة الخارجية المصرية التي قامت تاريخيًا على تنويع العلاقات والحفاظ على قنوات مفتوحة مع القوى الكبرى. لكن القاهرة يمكن أن تستخدم العلاقة مع بكين لتوسيع خياراتها في التكنولوجيا العسكرية، خصوصًا في مجالات المسيّرات والحرب الإلكترونية والفضاء والاستطلاع والدفاع الجوي والذكاء الاصطناعي. والحرب التي اندلعت في المنطقة منذ فبراير جعلت هذه المجالات أكثر أهمية من أي وقت مضى، وأكدت أن طبيعة القوة العسكرية الحديثة تتغير بسرعة.
ومن هنا تأتي أهمية أن تحافظ القاهرة على دقة التوازن. مصر ليست مطالبة بالاختيار بين واشنطن وبكين، وإنما تستطيع أن تجعل التنافس بينهما مصدرًا لتوسيع هامشها الاستراتيجي. فمصر تحتاج الولايات المتحدة في ملفات سياسية وعسكرية وأمنية، وتحتاج أوروبا اقتصاديًا، وتحتاج دول الخليج للاستثمار، وفي الوقت نفسه تحتاج الصين في الصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية والتجارة. القوة المصرية في هذه اللحظة ليست في الانضمام إلى محور، وإنما في القدرة على التعامل مع المحاور كلها.
وهذا يقودنا إلى البعد الأهم في الزيارة، وهو البعد الإقليمي. فمصر تمتلك ميزة لا تمتلكها كثير من الدول الأخرى: فهي قادرة على التحدث مع واشنطن، ولديها قنوات مع إيران، وعلاقات استراتيجية مع دول الخليج، وعلاقات مع الصين، ودور مركزي في الملف الفلسطيني. هذه الوضعية تجعل القاهرة مرشحة لأن تكون مساحة للتواصل بين أطراف النظام الإقليمي والدولي المتنافسة، خصوصًا في ظل استمرار تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية. وليس مصادفة أن تكون مصر نفسها منخرطة في جهود الوساطة لإحياء الحوار الأمريكي الإيراني في الوقت الذي تستقبل فيه الرئيس الصيني.
ولا أعتقد أن شي يأتي إلى القاهرة لكي يقدم مبادرة صينية منفصلة لحل الحرب في إيران. الصين، في هذه المرحلة، تبدو أكثر اهتمامًا بمنع تحول الحرب إلى صراع طويل يهدد إمدادات الطاقة ويعيد تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل نفوذًا أكبر مما تريده بكين. لذلك فإن المصلحة الصينية تتقاطع مع المصلحة المصرية في منع اتساع الحرب، والحفاظ على طرق التجارة، ورفض تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة نفوذ أحادي.
وفي ملف غزة، يمكن أن يتقاطع الموقفان المصري والصيني بصورة أكبر. فمصر تريد أن تبقى لاعبًا رئيسيًا في ترتيبات ما بعد الحرب، والصين تريد أن تؤكد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُصاغ بالكامل من خلال القوة الأمريكية والإسرائيلية. ومن ثم يمكن أن تكون هناك مساحة متزايدة للتنسيق المصري الصيني حول إعادة الإعمار، والدور الدولي، والقضية الفلسطينية، وإن كان من المبكر الحديث عن تحالف سياسي مصري صيني في هذا الملف.
وفي تقديري، فإن الصين تنظر إلى مصر ضمن تصور أوسع لإعادة بناء حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا. الصين لا تريد أن تكون مجرد أكبر شريك تجاري لدول المنطقة، وإنما تريد أن تصبح طرفًا لا يمكن تجاوز دوره في القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية. ومصر هي إحدى الدول التي تستطيع أن تمنح هذا الحضور عمقًا حقيقيًا، لأنها دولة عربية وأفريقية ومتوسطية، وتملك قناة السويس، وتتمتع بعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا والخليج، وتشارك في أطر مثل بريكس، وتمتلك وزنًا ديموغرافيًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله.
وفي المقابل، تستطيع مصر أن تستثمر الصين في عملية إعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي. فالقاهرة لا تريد أن تكون مجرد دولة تتلقى المساعدات أو القروض أو الاستثمارات من الخارج، وإنما تسعى إلى بناء قاعدة إنتاجية تجعل موقعها الجغرافي عنصرًا في قوتها الاقتصادية. وهذا يفسر التركيز المصري المتزايد على التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وجذب الاستثمارات الصينية إلى قطاعات مثل الطاقة الجديدة والمنسوجات والسيارات ومكوناتها والمعدات والآلات. كما أن التعاون بين البلدين في توطين صناعة بطاريات تخزين الطاقة ومعدات الطاقة الشمسية يقدم مثالًا على الاتجاه الذي يمكن أن تأخذه العلاقة في المرحلة المقبلة.
لهذا لن يكون لسؤال الصحيح بعد زيارة شي: هل أصبحت مصر أقرب إلى الصين من الولايات المتحدة؟ فهذا سؤال ينتمي إلى مرحلة قديمة من التفكير في العلاقات الدولية. السؤال الأكثر دقة هو: هل تستطيع مصر أن تحول المنافسة بين القوى الكبرى إلى مورد من موارد قوتها الوطنية؟
إذا نجحت القاهرة في جذب رأس المال الصيني إلى التصنيع، والحفاظ في الوقت نفسه على التكنولوجيا والعلاقات الأمنية الغربية، وربط الاستثمار الصيني بالسوق الأفريقية والعربية والأوروبية، فإنها ستكون قد حققت مكسبًا استراتيجيًا حقيقيًا. أما إذا تحولت الزيارة إلى مجموعة جديدة من المشروعات التي تزيد الواردات دون أن ترفع القدرة الإنتاجية والتصديرية المصرية، فإن المكسب سيكون أقل بكثير من الإمكانات التي تتيحها اللحظة.
ومما لا شك فيه أن شي نفسه ينظر إلى مصر من هذه الزاوية. فبكين أعلنت أن هذه الزيارة، التي تتزامن مع الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية، تستهدف البناء على ما تحقق وتوسيع التعاون ودعم تحديث البلدين والمساهمة في السلام والاستقرار الإقليمي والدولي. وهذه اللغة الدبلوماسية تحمل في داخلها رؤية أوسع: الصين تريد شركاء في العالم يستطيعون المشاركة معها في صياغة نظام دولي جديد، ومصر تريد أن تزيد قدرتها على الحركة داخل هذا النظام من دون أن تخسر علاقاتها التقليدية.
من هنا، يمكن النظر إلى زيارة شي إلى القاهرة باعتبارها لحظة اختبار للسياسة الخارجية المصرية أكثر من كونها اختبارًا للعلاقات المصرية الصينية. نجاح القاهرة لن يقاس بعدد الاتفاقيات أو مليارات الاستثمارات التي سيتم الإعلان عنها، وإنما بقدرتها على تحويل الزيارة إلى رافعة سياسية واقتصادية واستراتيجية. فإذا خرجت مصر من الزيارة بمزيد من التصنيع، ومزيد من التكنولوجيا، ودور أكبر في أمن التجارة والطاقة، وهامش أوسع للحركة بين القوى الكبرى، فإنها ستكون قد استفادت من التحول في النظام الدولي بدلًا من أن تصبح مجرد ساحة للصراع عليه.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الصين تأتي إلى مصر لأنها تحتاج إلى مصر في عالم مضطرب، ومصر تحتاج إلى الصين لأنها تريد توسيع خياراتها في عالم لم يعد فيه مركز القوة واحدًا. وبين الاحتياجات المتبادلة توجد مساحة واسعة للمناورة. لكن نجاح القاهرة في استثمار هذه المساحة يتوقف على شيء واحد في النهاية: أن تتعامل مع الصين باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا، لا باعتبارها بديلًا عن الولايات المتحدة، وأن تتعامل مع واشنطن باعتبارها شريكًا مهمًا، لا باعتبارها مصدرًا وحيدًا للقوة.
في هذه المعادلة تحديدًا أرى المعنى الأعمق لزيارة شي: ليست زيارة صينية إلى مصر بقدر ما هي زيارة لقوة دولية صاعدة إلى دولة تقع في قلب النظام الإقليمي الذي يعاد تشكيله. ومصر، للمرة الأولى منذ سنوات، تمتلك فرصة حقيقية لكي تجعل موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وعلاقاتها المتعددة أدوات لصناعة النفوذ، لا مجرد أسباب تجعل الآخرين يتنافسون على استمالتها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123602
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
