اختر صفحة

شرق السودان ـ مأزق ذاكرة العنف وكيفية صناعة السلام ؟ بقلم متوكل دقاش

أكتوبر 4, 2020 | أمن دولي

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

الباحث متوكل دقاش

الباحث متوكل دقاش

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد : متوكل دقاش – باحث أكاديمي ـ السودان

تتناول هذه الدراسة النزاع الأهلي المتكرر في إقليم شرق السودان ومحاولة الإحاطة بجوانبه وطبيعة المؤثرات الإجتماعية والسياسية التي تتسبب في بروزه وتوسعه.

وتأتي أهمية هذه الدراسة من خلال كون الأزمة نوعية وتتميز بشئ من التعقيد الأجتماعي والتاريخي والسياسي؛ شأن كل النزاعات والصراعات الأهلية.

وتتناول هذه الدراسة عددا من المحاور التي تضم ما يلي:

اولا: إقليم شرق السودان – جغرافيته – ديموغرافيته.

ثانيا: الإطار العملي للنزاعات.

ثالثا: عوامل النزاعات

رابعا: التحديات

خامسا: الفرص.

سادسا: الإستراتيجيات والحلول.

تمهيد

منذ العام الماضي، تميّزت الديناميات الاجتماعية والسياسية في إقليم شرق السودان بانتشار الضغوط والأزمات والتوترات التي تجعلها “منطقة تراكم نزاعات” بامتياز؛ وقد نشأت هذه المشكلات والتوترات والأزمات منذ سنوات طويلة ومن ثراكم بعضها وأضحى من الصعوبة بمكان، وقد انعكست الصعوبات المتتالية منذ ذلك العهد على الطبيعة الحقيقية للعلاقات التي تربط بين المجموعات الاجتماعية المختلفة.

مع إنتصار الثورة وبزوغ فجر جديد؛ يقف على الحرية والسلام والعدالة نالت تلك القضايا المتعلقة بالتعايش السلمي ومسألة إدارة التنوع اهتمامًا كبيرًا، لكن دون تقديم إجابات محددة ناجعة.

وحتى يومنا هذا، يظل التنوع الثقافي والتفاعلات المختلفة في كل السودان دون إستثناء تحديًّا أساسيًّا فيما يخص التدابير الاستباقية والحيلولة دون ظهور مصادر جديدة للتوترات والأزمات والصراعات سواء بين جهاز الدولة والكيانات او بين الكيانات وبعضها البعض.

وتركيز هذه الورقة منصبٌّ على السياسات العامة لإدارة التزاعات الأخيرة في شرق السودان والمساهة في عملية بناء السلام الإجتماعي فيه، وذلك بطرح تساؤلات عن هذه السياسات وقدرتها على ضمان السلام، والتعايش السلمي الذي يتقاسمه الجميع داخل المجتمعات التي أصبحت تعددية ومتعددة الثقافات.

إن  المجتمعات في السودان ككل ومجتمع الشرق بصفة خاصة تشبه مجتمعات العالم التي تواجه العديد من التحديات في العلاقات بين الثقافات والكيانات الإجتماعية التي زادت حدتها من خلال العولمة والتبادلات العديدة، وحركات الشعوب المهاجرة.

وفي السياق الجيوسياسي، تظل هذه المنطقة صعبة الاحتواء؛ حيث بقيت في شكل يتسم بـ”مجموعة من التوترات”؛ نتيجة  مناخ من انعدام الأمن المتصاعد والذي يُغذّيه تصاعد التطرف القبلي العنيف والتعصب الهوياتي.

وقد نتج عن ذلك استمرار الأزمات وعدم الإستقرار؛ الذي أسفر عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وهذه الأزمات والتوترات الدائمة لها انعكاسات عميقة على المسارات الاجتماعية والسياسية للسودان كدولة متأثرة في عملية التنمية بنجاح متفاوت بعد عدَّة عقود من الاستقلال.

في الواقع، تُمثّل حالات النزاع التي تم تحديدها على مستوى المنطقة بُعدًا قويًّا من الإقصاء الاجتماعي ضد مجموعات اجتماعيَّة -ثقافية أو سياسية- والتي تعرَّضت للتهميش منذ فترة طويلة، وأضحت تطالب بمكانة مهمة في المشروع الواسع لدمقرطة المجتمعات في السودان.

لكنَّ التحديات التي تفرضها العلاقات بين الثقافات والتنوع انتقلت إلى الهياكل والمجتمعات الصغرى في السودان؛ حيث تظل المسألة معقدةً سواء في القياس أو التقييم.

وعلى مدى عام كامل ظل فضاء إقليم شرق السودان يمور بنزاعات قبلية عنيفة تهدد بالقضاء على الأخضر واليابس. سيما في ظل الإتساع المضطرد للعنف المصاحب لهذه النزاعات؛ التي تحركها ميكانيزمات معقدة تجعل ديناميتها أكثر تشابكا ومشاكلة. إذ يتداخل السياسي مع ما هو إجتماعي وتاريخي ويحيل النزاع الي ظاهرة عصية على القياس. ومن هنا تبرز الإشكالية المتعلقة بالتعامل معه.

السودان

السودان

جغرافية الإقليم وحدوده:

يأخذ الإقليم الشرقي اسمه من وقوعه في شرق السودان ويحده من الشرق البحر الأحمر ومن الشمال مصر ومن الجنوب الشرقي إريتريا ومن الجنوب إثيوبيا ومن الغرب الإقليم الشمالي والعاصمة القومية والإقليم الأوسط، وتبلغ مساحته 110000 كم مربع. وتتمثل جغرافية الإقليم في ساحل يمتد إلى مسافة 700 كيلو متر تقريبا  يجاوره سهل ساحلي ضيق يمتاز بمناخ هو اقرب لمناخ البحر الأبيض المتوسط تنبت فيه المراعي في مجاري الكثير من الوديان المنسابة نحو البحر الأحمر شرقا.

يلي الشريط الساحلي سلسلة من الجبال تمتد عموما من الشمال للجنوب وترتفع في بعض المناطق إلى آلاف الأقدام فوق سطح البحر حيث تمتاز تلك المناطق بجو معتدل صيفا؛ وتفصل هذه السلسلة بين الشريط الساحلي وسهل داخلي يمتد غربا حتى حدود الإقليم تتنوع فيه المراعي من سافنا  فقيرة إلى النباتات الصحراوية وتجري في هذا السهل وديان هامة منها وادي أمور والقاش وخور بركة ونهر سيتيت ونهرعطبره. وقد جاءت نشأة الشرق الكبير ليضم ولاياته الثلاثة المعروفة كسلا والقضارف والبحر الأحمر. وتتكامل أنماط حياة سكانه بين الرعي والزراعة والتجارة والعمل في الموانئ البحرية. وظهرت وحدته الجغرافية السياسية إبان إعادة تشكيل الدولة السودانية في مرحلة الأستعمار التركي – المصري, حيث أطلق عليه في ذلك الوقت إقليم التاكا. وكان يضم إضافة الي مساحته الحالية أجزاء من إقليم قاش بركة بإريتريا الحالية, حيث تعيش فيه نفس المكونات الإجتماعية, وكانت عاصمة إقليم التاكا حينها في مدينة القضارف قبل أنتقالها الي مدينة كسلا.[1]

ديموغرافيته

يمتاز إقليم شرق السودان بتنوع ديموغرافي كبير إذ يندرج سكانه ضمن عدد كبير من المكونات الإجتماعية والقبائل؛ تشكل قبائل البجا أقدمها وأكثرها عددا. ويطلق اسم البجا علي مجموعات سكانية قطنت الإقليم منذ آلاف السنين وقد عرفوا باسم (البلامي) في بعض فترات التاريخ وعرفوا عند العرب (البجا او بالبُجاة) وقد كانوا حلقة وصل للطرق التجارية علي البحر الأحمر بين مصر وشبه جزيرة  العرب والهند وبين موانئ باضع، عيذاب وسواكن وداخل البلاد؛ وقد ظلت منطقتهم بمنجاة عن نفوذ الدويلات التي قامت في المنطقة حتى جاء الغزو التركي للسودان الذي سيطر علي كل أجزائه رغم مقاومتهم له وهي مقاومة اتخذت شكلا ثوريا منظما لدي بعض أبناء البجا الذين تجمعوا حول عثمان دقنه، كان ذلك مصاحبا لقيام الثورة المهدية في السودان حيث تلاحمت الثورتان بانضمام عثمان دقنه إلى الثورة المهدية ومن ثم صار أمير الشرق فشدد الخناق علي الحكم  التركي وقام بإفشال مخططات الإنجليز الرامية إلى الوصول إلى الوسط عن طريق البحر الأحمر.

والبجا يتكونون من عدة قبائل تتوزع في الإقليم، ففي الشمال نجد قبائل البشاريين وبعض بطون العبابده وهم قبائل حدودية لها امتدادات داخل جمهورية مصر، ويتركز البني عامر والحباب علي الحدود الجنوبية وهم جماعات لها امتدادات في إريتريا وأثيوبيا، ونجد قبائل الأتمن والأمارأر في  الجزء الشمالي الأوسط من الإقليم، والهدندو في الجزء الجنوبي الأوسط، ونجد الأرتيقه والشئياياب والكميلاب والأشراف يتوزعون في منطقة تبدأ من سواكن، حيث نجد السواكنيه، وجنوبا حتى خور بركه، ونجد الحلنقه والملهيتكناب في كسلا وما حولها.

ومن قبائل الإقليم قبائل الشكرية التي تستقر في المنطقة الجنوبية الغربية من الإقليم. وقد نتج عن بعض الهجرات الخارجية استقرار بعض القبائل في الإقليم وعلي رأسهم جاءت قبيلة الرشايده الذين قدموا من الجزيرة العربية في أربعينيات القرن التاسع عشر وقد استقروا في جنوب وشرق الإقليم. كما نتج عن تلك الهجرات استقرار بعض القبائل الإفريقية في الإقليم أظهرها قبائل الفلاته “الفولان” والهوسا التي قدمت من نيجيريا وتركزت في المناطق التي أقام فيها الحكم الثنائي مشاريعه الزراعية. كما نتج عن إعادة توطين سكان منطقة حلفا في منطقة خشم القربه في ستينيات هذا القرن ان استقرت مجموعات سكانية جديدة في الإقليم كلهم من النوبيين.

هذا إلى جانب مجموعات أخرى نزحت للمنطقة من مختلف مناطق السودان واستقرت في مدن الإقليم.[2]

خريطة توضح إقليم شرق السودان بولاياته الثلاث – قبائله وإصولها وفروعها وحدودها.

الإطار العملي للنزاعات

في التاريخ الحديث إستعاض الإنجليز عن البجا وقاموا بجلب عمالة من خارج الأقليم بأعداد كبيرة؛ وذلك لتغطية الفراغ الذي خلفه عزوف البجا ورفضهم الإنخراط في النشاطات الإقتصادية للمستعمر، خاصة بعد إفتتاح “ميناء بورتسودان”. وهو شئ جعل البجا في قاع التراتبية الإجتماعية الجديدة، ولم يكن أمام البجا لمواجهة هذا الوضع؛ خاصة بعد ان ساءت أحوالهم- سيما الشباب – إلا اللجوء إلى المدن الكبيرة التي إزدهرت بسكانها القادمين من خارج المنطقة بغرض القيام بالأعمال القليلة التي كانوا يقدرون عليها، وللأسف لم يجدوا غير الشحن والتفريغ “العتالة” وقليل من المناصب العامة.[3]

ولكن بالرغم من ذلك لم يبرز- لو صراعا على السلطة او الثروة – أدى الي  صداما هوياتيا ملحوظا في التاريخ الحديث بين البجا والمكونات الاخرى؛ إلا مؤخرا. بينما نشأت وبدون أسباب موضوعية تذكر صراعات عنيفة على أساس الهوية بين مكوني النوبه والبني عامر ,وعدد آخر من الصراعات بين عدة كيانات إجتماعية مختلفة. وينصب تركيزنا على النزاعات التي حدثت بين البجا والبني عامر والنوبة بإعتبار إتساع حجمها.

وقد بذرت حملات انتخابية ببورتسودان في شتاء عام 1986 بذرة الصراع بين النوبة والبني عامر، الذي خبا لنحو 35 سنة، لتستدعيه ذاكرة العنف مؤخرا على امتداد كل شرق السودان.

ليتعقد المشهد الإجتماعي والسياسي  مؤخرا بإندلاع سلسلة من الصراعات العنيفة  بين النوبة والبني عامر وبين البني عامر والبجا وبين عدد من  الكيانات الأخرى على إمتداد الإقليم أيضا. وقد بدأت في ولاية القضارف بين المكونين الأولين في مايو / 2019. والمهم أنه لم يكن واسعا وخلف عدد سبعة قتلى و22 من الجرحى. وذلك نتيجة لبذل الفئات الإجتماعية والسياسية جهودا مقدرة في إحتواء الإشكال عبر عقد مجالس صلح تقليدية توجت بإتفاق المكونين على المصالحة.

بينما وفي تاريخ 26 / أغسطس /2019 إنبعث النزاع القديم بين المكونين في مدينة بورتسودان؛ مقرونا بعنف أقوى ومخلفا عددا  كبيرا من الضحايا ونسبة عالية من الخسائر المادية جراء أعمال النهب والحرق المتبادل للأملاك. ففي ظل السيولة الأمنية ووجود محفزات مثل خطاب الكراهية ونفي الآخر تضخمت النزعة والرغبة في الإنتقام المتبادل وإزداد إستعداد الطرفين لللإقتتال  بشكل عالي وغير معقول. وإنتهى ذلك بتكرار المواجهة وتوسع نطاقاتها ووتيرة العنف المقرون بها. وبالتالي إرتفعت الخسائر بشكل قد يحول العنف اللا موضوعي الي عنف هيكلي وله مبرراته.

إن الإفلات من العقاب و”هو الأمر الماثل” يغذي العنف بينما التساهل في حسم الأمر قد جعل المكونات الإجتماعية أكثر حدة في التعامل مع الأجهزة والمؤسسات الأمنية – لا وبل تتمرد عليها وتوصمها بالإنحياز. وما جعلها أيضا تبرر إستخدامها للعنف في سياق الدفاع عن النفس وحماية الممتلكات.

وكذلك كان للمكونات المذكورة آنفا: البجا والبني عامر والنوبة جولة من النزاع العنيف في الضلع الثالث للإقليم؛ اي مدينة كسلا.

فحتى وإن كانت بمسوغات مختلفة: لكنها كانت ذات نفس الملمح؛ نزاع قبلي يسبقه خطاب كراهية وحشد وإصطفاف ومن ثم مواجهة عنيفة في ظل وقوف المؤسسات الأمنية موقف المتفرج.

 

التاريخ المدينة الكيانات المتنازعة
1986 مدينة بورتسودان/ ولاية البحر الأحمر النوبه والبني عامر
2003 مدينة بورتسودان / ولاية البحر الأحمر البني عامر والبجا
2019 مدينة القضارف / ولاية القضارف البني عامر والنوبه
2019 مدينة بورتسودان / ولاية البحر الأحمر البني عامر والنوبه
2019 مدينة بورتسودان / ولاية البحر الاحمر البني عامر والنوبه
22020 مدينة بورتسودان / ولاية البحر الاحمر البني عامر والنوبه
2020 مدينة بورتسودان / ولاية البحر الاحمر  البني عامر والنوبة
2020 مدينة حلفا الجديدة / ولاية كسلا البني عامر والنوبة
2020 مدينة كسلا / ولاية كسلا البني عامر والنوبة
2020 مدينة كسلا / ولاية كسلا البني عامر والبجا
2019 مدينة القضارف / ولاية القضارف الحلاويين والهوسا
2019 مدينة بورتسودان / ولاية البحرالاحمر البني عامر والبجا
2020 مدينة حلفا / ولاية كسلا. الحلفاويين “النوبيين” والزغاوة

 

  • * جدول يوضح تاريخ النزاعات بين المكونات الإجتماعية في مختلف ولايات إقليم شرق السودان.

 

عوامل النزاعات

بلا شك أن ثمة عوامل تمحرك النزاعات المتكررة بين المكونات الإجتماعية في الشرق السودان؛ ولكن تبقى مسألة تحديد طبيعة تلك العوامل مهمة وضرورية. إذ أنه من الواضح أن عواملا إجتماعية تلعب أدوارا أكبر في نزاع البني عامر والنوبه. بينما تلعب عواملا سياسية وتاريخية تتعلق بمفاهيم معقدة كأحقية الأرض والتمثيل السياسي أدوارا متشابكة في نزاع البجا والبني عامر. وقد توصلت الدراسة على أن أبرز العوامل المؤثرة في النزاعات الأخيرة هي :

 

1 ذاكرة العنف

الذاكرة الإجتماعية هي منظومة أو مجموعة من الأنساق والظواهر الاجتماعية؛ التي تشكل ثوابت في حياة الإنسان. ومن خلال الاتصال والتبادل تظهر لنا سردياتها التي تحيلنا الى اماكن وأزمنة ترتبط بالماضي المستعاد في الرؤية الاسطورية او النص المقدس او الحوليات والأحداث التاريخية للجماعة. لكن يبقى هناك بالمقابل لدى الفرد – وهو يتعامل مع سلطة الجماعة وسرودها في التذكر من اجل استيعابه واستيعاب افراد الجماعة – النسيان والتذكر الحر. بتمهيد الطريق للانفلات من الجماعة والبقاء خارجها، وهما آليتان مهمتان في مقاربة ضروب الاختزال. وتعتبر الذاكرة الجماعية عصية على النسيان خاصة إذا تعلق الأمر بأحداث جسام او قضايا مفصلية. ومن أشكال الذاكرة الإجتماعية تبرز ذاكرة العنف الجماعية؛ وهي تتعلق بتجارب الجماعة ايا كانوا مع العنف بكل أشكاله.

وقد إتصلت ذاكرة العنف لدى مكوني النوبه والبني عامر بوعي زمني مخضب بالدماء ومليئ بمشاهد الحرب وحاشد بالموت. وفي ظل الشعور بالغضب النابع من إدراك إفلات الجناة من العقاب وعدم الإقتصاص العادل يصبح لدى ضحايا العنف إستعدادا قويا للإنتقام أكثر من أية وقت مضى. ما يعني إستدعاء الرغبة في القتل وممارسة العنف عند اللحظة المواتية؛ أو في حال بروز محفز حتى وإن كان غير موضوعي.

وتكمن لا موضوعية وغرائبية القتال والعنف الهوياتي بين مكوني النوبه والبني عامر؛ في عدم وجود سبب محوري للصراع – موردا كان أو مكانة سياسية. وبالتالي فإن العنف المتبادل بين المكونين لا يعد عنفا هيكليا بشكل كبير؛ الا أن إزدياد الخسائر لدى الطرفين يرفع من وتيرة تحول هذا الصراع والعنف الناتج عنه ليحيلهما الي ظاهرة لها ما لها من أسبابها التاريخية المتعلقة بالثأر والغبن التاريخي المزدوج كأبسط مثال. وبذلك يتحول المجتمعان اللذان يتنازعان دون أسبوع موضوعية الي عدوّان متخيلان لبعضهما البعض.

والإشكال هو أن المبدأ الأخير يفتح الباب على مصراعيه أمام أية سياسات تسعى الي إثارة البلبلة أو الي أي أهداف أخرى.

فالكيانين يبقيان كمجتمعين رهينين للعداوة المتخيلة؛ سهلي الإنسياق وراء دعاوى العنف والعنف المضاد تجاه بعضيهما؛ لما يحملانه من ذاكرة عنف تشكل لهما إدراك قطعي بإن نفي الآخر هي الوسيلة الأنجع للبقاء وأضمن للإستمرارية والوجود. وهو ما حدث بشكل متكرر في جل الأحداث الأخيرة؛ إذا إندلعت معظم الأحداث من أسباب أقل ما توصف بأنها واهية. ومع ذلك كانت ذاكرة العنف تزيف للجماعتين منطقية سلوك كل منهما تجاه الآخر.

2 هشاشة بنية المجتمعات المتنازعة

تتسم بنية جل هذه المجتمعات المتنازعة بالهشاشة على مستوى القاعدة؛ إذ ترتفع نسب الأمية فيها الي حد كبير مقارنة بدرجة كثافتها. وتعاني إيضا من قلة الخدمات الأساسية على مستوى الأحياء التي تقطنها؛ والتي لم تتغير كثرا عن شكلها العشوائي القديم. وبالتالي تشعر هذه المجتمعات الكبيرة بالقهر الإجتماعي الذي ينتج أفرادا عنيفين في العادة وعلى إستعداد للإنخراط في صراعات على شاكلة النزاعات الأخيرة.

3 بنية الوعي القبائلي: ديناميات القبيلة والدولة وتسييس الإثنية

 

لقد اعادت مشاهد إتخاذ مواقف سياسية لإعتبارات قبلية؛ مثل رفض تنصيب الأستاذ صالح عمار واليا لولاية كسلا؛ ضرو رة وضع أفضل وسيلة لفهم “ديناميات” الدولة والقبيلة”. والتي تتلخص في اعتبارهما نموذجيين مختلفين في البنية الفكرية أو اعتبار كل منهما كيان منفصل بذاته، فبينما تقوم القبيلة بالأساس على علاقات القرابة ويكون ولاءهم السياسي وهويتهم وانتماءهم لقبيلتهم لا للدولة، تُشدد الدولة على أهمية أن يتجه الأفراد بولائهم إليها. وبينما تشدد القبيلة على القيم الشخصية والأخلاقية، تُعلي الدولة من قيمة الصفقات والسياسات ولا تعبأ كثيرًا بالعلاقات بين الأفراد.[4]

والقبيلة وحدة إجتماعية متأسسة في الغالب على أسطورة الجد الواحد, وهي في الأساس خلية بشرية تقف على منظومة علائق قرابية ووعي رمزي مشترك. بما ان الفرد يوجد دائما في وضعية اجتماعية وثقافية معينة ، ويخضع دائما لتجربة ثقافية تمنح معنى لوجوده ، وأن الفرد بقدر ما هو كائن ذاتي يتمتع بقدرات شخصيه، فإنه في الوقت نفسه كائن موضوعي؛ لأنه عضو وعنصر في جماعة معينة؛ تساعده على تشكيل هويته في الوقت نفسه.

المهم أنه وفي خضم هذه الاحداث الأخيرة تبرز القبيلة كما لو أنها داء “عالمثالثي” ؛ وهو إطلاق لا يصح إلا في اللحظة التي يتم فيها تعريفها كمعادل موضوعي لأيدولوجيتها “القبلية”

وتُعرف القَبَليَّة عمومًا على أنها: ولاء الفرد لمجموعته الإثنية بوصف ذلك رمزاً لهويَّته، ولها مستوياتٌ متدرِّجة قد تصلُ إلى التَّعصُّب المفرط . إذ أن  بنية الوعي القبائلي تزيف للأفراد بداخل القبيلة  أن نصرتهم لبعضهم البعض في كل المواقف هو عمل من شأنه أن يحافظ على هويتهم وبقائهم بشكل كبير وتدعم التماسك الاجتماعي فيما بينهم. ما ينتج عنه ظاهرة “العصبية”.

وثمة منطق في الطرح المنادي بتجريف الأرضية التي يقف عليها خطاب القبائلية؛ ولكن وقبل كل ذلك فثمة حاجة أيضا الي الغوص عميقا بحثا عن علة إنبعاثاتها ومن ثم تقطيع الجذور التي تتغذى عليها.

وفي تقديرينا “الخاص” تنبع النزعة القبلية, وتتكون الغيرية؛ في اللحظة التي تتحدد فيها مكانة الفرد او الجماعات بناءا على خصائص مشتركة بينهم كالعرق واللون.

مع ارتباطها جدليا بعلاقات السلطة ومفاهيم مثل العدالة الاجتماعية واعادة توزيع الموارد الاقتصادية.

فالتهديد او مواجهة ممارسات كالتمييز السلبي, هي عوامل من شأنها ان تدفع بالفرد او الجماعة نحو التمركز حول الذات والهوية الإثنية؛ “القبيلة”

ومن ثم يغدو بروز النزعة القومية والاثنية أمرا لا يمكن  الحؤول دون قيامه إذا واجهت الجماعة المتمركزة “هوياتيا” او إقيليميا ما يمكن إن تفهمه على انه ظلم أو إضطهاد ممارس تجاهها من قبل جهة ما “حتى لو كانت الدولة”.

والشرق الذي لم يكن إستثناءا؛ ظهرت فيه التمردات والصرخات الهوياتية: منذ آماد بعيدة. وقد تبلورت في الغالب على إحساس الظلم او عدم الرضا عن عمل جهاز الدولة؛ وسياسات توزيع السلطة والثروة.

وبالتالي لم يكن من قبيل الصدفة أن عنيت المادتين (14) و (15) من الفصل الاول لإتفاقية الشرق: بمشاركة مواطني الإقليم في الخدمة المدنية والقوات المسلحة والشرطة والامن والبعثات الدبلوماسية والجهاز القضائي وكافة المؤسسات والهيئات القومية والسيادية.[5]

والمادتين أعلاه؛ تعكسان ما تعرف ب”سياسات التباين” او “سياسات الهوية”. وهي إجراءات ضرورية لمعالجة تشوهات ناتجة عن إبعاد مجموعات هوياتية؛ قبائل أو مجموعات ثقافية او دينية او أقليات عن هيكلية السلطة. وهذه السياسات ترتبط بصورة وثيقة بمبادئ وسياسة أقدم عهدا وأوسع إنتشارا؛ وهي المتعلقة بالعدالة الإجتماعية وإعادة توزيع الموارد الإقتصادية وتقاسم السلطة. ولكن ثمة أمر مهم؛ وهو أن منطقة التمردات والصرخات الهوياتية تتأسس على حواف أيدولوجياتها “كالعصيية القومية والإثنية والدينية” وقد ينزلق فيها البعض بقصد او بغير قصد.

وهو ما يبدو واضحا الآن في شكلية التحرك السياسي ضمن إطار القبيلة او الكيان الإثني. وبيان تسييس الهويات الإثنية  وتأثيراتها على النزاعات في الشرق؛ يزداد وضوحا الآن من خلال حدة الإستقطابات الإثنية لدعم البرامج الحزبية أو الكسب السياسي والحشد السياسي والحشد السياسي المضاد.

وأيضا من خلال إنطلاق معظم الساسة الباحثين عن مناصب وحظوة سياسية من أسس قبلية. والنتيجة هي : بروز مبارزين ومنافسين من مجموعات إثنية أخرى بطموحات مشابهة.

 

4 الإنغلاق: تأثير مقاربة الإنعزال في تشكيل خطاب الكراهية

ثمة أثر إجتماعي يعتبر بنيوي بجانب ذاكرة العنف؛ إذ يظل إتسام تركيبة مجتمع الهويتين الثقافيتين او الكيانين المعنيين بالإنغلاق النسبي مقارنة ببقية مجتمعات الإقليم بشكل عام؛ أيضا سببا من اسباب طابع هذا الصراع المستمر والذي قد ينشأ بينهما وبين مكونات أخرى ، إذ يتساكن معظمهم في أحياء شبه مقفولة في معظم مدن الإقليم.

وبالتالي ينعكس ذلك سلبا على إستعدادهم في التعامل مع الأغيار. إذ يتقوقع كل مجتمع في إطاره الهوياتي ويحمل تصورا أحاديا لكل الأشياء. ما يعني بروز مقاربة الإنعزال أو الهوياتية الضيقة.  ومن خلال رصد دقيق وقراءة في مجمل أشكال النزاعات القبلية وعنف الهويات في الإقليم بكل ولاياته وعبر مختلف السياقات الزمانية المتتابعة: نستطيع القول أن كل نزاع قبلي وعنف هوياتي تأثر بالأساس ب”مقاربة الإنعزال” التي تعمق إحساس الأفراد والجماعات بهوية يزعم أنها فريدة او عروة او طبقة او ثقافة أو دين أعلى شأنا. وهي مقاربة دائما ما تنتج ما يمكن أن نسميها “النظرة الهابطة” – لأن المنتميين لهويات “المقاربة الإنعزالية” غالبا ما ينظروا لإصحاب الهويات الأخرى من عل متخيل.

وهذا بلا شك مدخل أساسي لنزاع وعنف هوياتي محتوم. أن مبادئ المغرة والمعرة وجدال – السيد والعبد – الأبيض الأعلى شأنا والأسود المنحط “والعكس” – المؤمنين والكفار – الثقافة الأعلى مكانة والثقافات الأخرى؛ او مقولات النحن والهم, ومن ثم مواجهة تهديد وممارسات كالعنف والاضطهاد ، والتمييز السلبي بناء على هذه الأساسات؛ هي عوامل من شأنها ان تدفع بالفرد او الجماعة نحو التمركز حول الذات والهوية. وفي خضم النزاع القبلي المتكرر بين المكونات الإجتماعية في الإقليم ، كانت الانحيازات الهوياتية العنيفة، أكثر حضورا من كل أشكال الإنحيازات الأخرى. وهذه الفرضية، ليست على اطلاقها، ولكن بشكل تقريري أمكننا ان نثبت ، ان الأمر كان دوما على هذا النحو – بل ولعلنا الآن عالقون في زمكانات حافلة بصراعات من على هذه الشاكلة.

وإشكالية مقاربة الإنعزال في الشرق؛ صنعتها سياسات الدولة في التوزيع السكاني المنبثق من العشوائيات.

5 السيولة الأمنية وضعف القانون

ليس من المفارقة والغرابة بمكان؛ إن معظم النزاعات القبلية في الشرق قد حدثت في ظل أزمنة إتسمت بالسيولة الأمنية. وكذلك حدثت في فترات إنتقالية؛ وهي فترات غالبا ما تتميز فيها أجهزة ومؤسسات الدولة بالضعف.

إن ظاهرتي السيولة الأمنية وضعف القانون غالبا ما تشجعان المجتمعات المغبونة تجاه بعضها البعض على الإنتقام.

 

التحديات

إزالة إدراك الصورة المرآة

الي حدود عشرينيات القرن الماضي كان ينظر الي موضوع الذاكرة بإعتبارها عملية داخلية ترتبط بالفرد المتذكر. إالي أن جاء السيوسولوجي موريس هالبفاكس وشدد على أن الذاكرة هي أيضا ظاهرة مجتمعية. وتتأكد هذه الفرضية الآن عبر طرائق إستدعاء المجتمعات المتنازعة لجراحات الماضي وصورها المأساوية التي تحفزهم للإنتقام. وفي هذا الصدد يقول هالبفاكس: “تأتي الذكريات الجمعية لتضاف الي الذكريات الفردية ولتعطينا هذه الأخيرة ممسكا مناسبا وأكيد أكثر”. وتوجه الآليات التي تشتغل على الذاكرة الجمعية تصوراتنا وتساعدنا على تنظيم المعلومات التي نتلقاها. والبشر مصنفون يطابقون ما يرونه من الأحداث مع نماذج الصور التي في ذاكرتهم.[6]  .

فالقبيلة العدوة وأفرادها غير المقبولين هي أمثلة على الصور المخزنة التي تخلقها مجموعة ما حول مجموعة أخرى. وتنتظم الكيانات المتنازعة بنية الإدراك المذكور؛ وبالتالي بينها وبعضها الكثير من عدم الثقة والشكوك التي تبرز عندما تنظر الأطراف المتنازعة الي بعضها بنفس السلبية. وبالتالي يرى كل طرف أفعاله مبررة بينما أفعال غريمه عدائية. وتقف الفرضية الأخيرة عقبة الآن أمام الأصوات الداعية الي التعايش بإعتبار أن كل طرف يفترض سوء نية الطرف الآخر.

 

الهجرة والتداخل الحدودي وقضايا المواطنة

في عصر العولمة السريعة وصلت الهجرة البشرية الي مستويات لم يسبق لها مثيل؛ وهي سمة مميزة في عصرنا. وطوال تاريخها شهدت إفريقيا حركات هجرة، طوعية وقسرية على حد سواء، أسهمت في مشهدها الديمغرافي المعاصر. وفي أجزاء كثيرة من القارة، تنتشر المجتمعات في دولتين أو ثلاث دول، وغالبا ما تقتصر الحركة على الحدود السياسية. وتعتبر الهجرة عبر الحدود في أفريقيا استراتيجية هامة لكسب الرزق والتكيف في أوقات الإنكماش الإيكولوجي والإقتصادي، كما أنها أساسية لفهم ، وكذلك التنبؤ، ببداية الكوارث الإنسانية وتطورها. وعلى مدى العقود الماضية، كانت الأحوال السياسية والإجتماعية والإقتصادية والبيئية المتدهورة، فضلا عن الصراعات المسلحة وانعدام الأمن والتدهور البيئي والفقر، أسبابا جذرية هامة للهجرة الجماعية والتشريد القسري في أفريقيا.

يسرت عملية العولمة حركة الناس عبر مختلف مناطق أفريقيا، وإلى مناطق أخرى خارج القارة، مع استمرار ازدياد عدد المهاجرين. وبسبب هذه الإتجاهات، تشكل الهجرة قضية رئيسية في القرن الحادي والعشرين، وتطرح تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية لصانعي السياسات العاملين في إدارة الهجرة من أجل تحسين القارة. [7]وتاريخيا إرتبط شرق السودان الكبير بالهجرة والتجارة الحدودية. أما عن الحدود؛ فيتميز الشرق بطول وإتساع حدوده, حيث يجاور الإقليم مباشرة دول إثيوبيا وإريتريا ومصر. إضافة لمحازاة الإقليم لساحل عريض وممتد عبر البحر البحر الأحمر تقابله دول المملكة العربية السعودية واليمن. وكشأن المناطق الحدودية الأخرى في السودان وغيره من بلاد, يشهد إقليم الشرق الكبير تداخلا إجتماعيا وثقافا كبيرا على المستوى الإثني واللغوي والعادات والتقاليد مع مواطني إثيوبيا وإريتريا المستقرين في الحدود المتاخمة لشرق السودان. هو ما ينبغي التعامل معه بمرونة في ظل إرتفاع حدة خطاب الكراهية المتزايد خلال النزاعات الجارية؛ ونزع المواطنة عن مجموعات كاملة.

والسودان عموما يعاني كمعظم دول إفريقية مع الحدود السياسية والطبيعية: كمشكلة شائكة وبالغة التعقيد؛ ظهرت بظهور الدولة القطرية في إفريقيا.

لأن المستعمرين عندما إقتسموا الأراضي الإفريقية؛ جزؤها تجزئة كيفية – فجعلوها مربعات ومستطيلات ومثلثات غير حافلين بالسكان وطبيعة الارض ومجاري الأنهار والحدود الطبيعية.

فإذا بالشعب او الكيان او القبيلة الواحدة تنقسم الي قسمين: جزء موجود في تشاد وجزء آخر موجود في السودان وهكذا.

 

الهجرة في شرق أفريقيا – الأسباب والنتائج – مركز فاروس للإستشارات والدراسات الإستراتيجية

الراهن السياسي ومسار الشرق في منبر جوبا

في أعقاب سقوط البشير وتشكيل حكومة إنتقالية إرتفع الامل بتحقيق الوئام مع معظم الفصائل المسلحة؛ وبالتالي تحقيق السلام الشامل. فوضع نموذج تخلله مسارات تتعلق بترتيبات خاصة بكل إقليم من أقاليم السودان وفق تقديرات الحكومة الإنتقالية. وكان مسار الشرق ضمن منبر جوبا أحد أكثر المسارات التي أثارت جدلا – بإعتبار الإشكالات التي تتعلق بشرعية ممثلي الإقليم عبر ذلك المسار. فبعد الزيارة التاريخية للأمين داؤود رئيس الجبهة الشعبية – الجبهة الثورية – والذي إستقبل كأقرب ما يكون الي زعيم قبلي بدلا من زعيم سياسي؛ ظهرت الشقاقات والإشكالات المتعلقة بأحقية تمثيل الإقليم ضمن المنبر وعملية السلام الشامل. وتتجلى المأساة في أن النخب المتصارعة على شرعية تمثيل الإقليم عبر المسار تلعب على وتر حشد القبيلة لإيجاد السند والدعم. وبالتالي تتخلق العداوة بين الكيانات الإجتماعية من واقع تسييس مخاوفها ومخاطبة عواطفها فتظهر دوافع للنزاعات العنيفة كالتي حدثت في مدينة كسلا مؤخرا.

موقع الإقليم والأطماع الخارجية

ينفرد الإقليم بين أقاليم السودان المتعددة بإطلالته على البحر الأحمر الممر الإستراتيجي للملاحة الدولية. كما توجد بالإقليم كافة منافذ موانئ السودان البحرية التي تعبر من خلالها كافة الصادرات والواردات إضافة الي الترانزيت لكل من إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد وإفريقيا الوسطى.[8] وفي ظل حروب الموانئ الأخيرة يعتبر تشكيل واقع الإقليم السياسي وفرض سيطرة قوى معينة على المشهد مسألة حيوية بالنسبة لسياسات عدد من الدول التي تنخرط في حروب من تلك الشاكلة؛ غض النظر عن الوسائل والكلفة.

فثمة حراك سياسي واقتصادي وسياحي وعسكري تشهده منطقة البحر الأحمر، يؤدي إلى إعادة رسم خارطة السيادة والتحالفات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.

وتكتسب تلك التغيرات أهميتها من الموقع الاستراتيجي الهام والحيوي للبحر الأحمر الذي تطل عليه السعودية واليمن (شرقاً)، وإريتريا (غرباً وجنوباً)، والسودان (غرباً)، ومصر(شمالاً وغرباً)، والأردن وإسرائيل (شمالاً)، وجيبوتي والصومال (جنوباً)، ويقع شماله قناة السويس وجنوبه مضيق باب المندب.

ويعد البحر الأحمر أقصر وأسرع ممر بحري بين الشرق والغرب، وذلك بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م، وزادت أهميته بشكل أكبر بعد اكتشاف نفط الخليج، حيث تحول إلى ممر استراتيجي لنفط الخليج المتوجه لأوروبا وأميركا. كما يعد الشريان الاقتصادي الأبرز، الذي تمرُّ عبْره قرابة 10% من حركة التجارة العالمية، سواء من أوروبا وأميركا إلى آسيا وإفريقيا، أو من اليابان والصين لإفريقيا والدول الغربية. كما أضحى أيضاً ممراً عسكرياً هاماً تسلكه القوى الدولية لتحريك قواتها بين قواعدها المختلفة والمنتشرة حول العالم ونقلها إلى مناطق النزاع. ونتيجة لتلك الأسباب، أصبح هو ذاته هدفاً للقوى الكبرى لمحاولة استثمار موقعه عسكرياً وسياسياً، وخصوصاً عبر إقامة قواعد عسكرية لحماية سفن بلادها من أعمال القرصنة، وحماية التجارة الدولية وناقلات النفط، أو لاستخدامها في الحرب على الإرهاب أومراقبة بؤر التوتر بإفريقيا والشرق الأوسط.[9]

إتساع نطاق وحدة العنف

على مدى عام كامل كانت الجهود الرامية الي ترتيق النسيج الإجتماعي تسير ببطء لم يساعد كثيرا في تصفير حدة النزاعات العنيفة بين المكونات الإجتماعية. وتكمن إشكالية إتساع هذه النزاعات وإزدياد حدة العنف المقرون بها؛ في حجم التداعيات التي تخلفه الخسائر المتعلقة بالأملاك والأرواح. والملاحظ أنه كلما إستمر النزاع وإتسع في الشرق؛ كلما تعقدت مهمة إنهاء القتال ومعالجة المخاوف وإعادة بناء المجتمعات والحياة. فكمعظم النزاعات الأهلية تتمثل مسألة إتساع نطاق العنف بين المكونات الإجتماعية في الشرق مقدمات موضوعية لنزاعات أعنف وأشمل في حال تم التعامل معها بتراخي مستمر. إن إتساع حدة العنف ورقعته وإمتداده على طول جغرافية الإقليم وتطور أدوات المواجهة من اسلحة بيضاء الي أسلحة نارية؛ يجعل تحول العنف بين المكونات الي عنف هيكلي. ففي كل منعطف يتم إختيار خيار القتال والتخطيط وإعداد الموارد اللازمة له وإغفال البدائل الأخرى غير العنف يعطينا مؤشرا الي تحول العنف الي ظاهرة لها مبرراتها. حتى وإن كانت عداوة متخيلة. وهذا نتاج توسع العنف وإزديادة نسبة الخسائر المقرونة بها.

الوفيات عدد الإصابات تاريخ الحدث
34 126 22 /أغسطس 2019
6 28 18/ نوفمبر 2019
15 116 2/ يناير 2020
35 124 9/ أغسطس 2020

 

عينة منتقاة من أحداث النزاعات القبلية توضح إرتفاع حدة العنف بين المكونات.

الفرص

لا هيكلية العنف بين معظم الكيانات المتنازعة: إذ لا يبدو أن ثمة سببا موضوعيا لمعظم الصراعات التي تحدث.

كيف نصنع سلام إجتماعي؟

 

1 يتعين على الدولة الإهتمام بتنوع مجتمعها وإعادة تقييم طرق تفاعلها بإستمرار مع مختلف الأنظمة التي تشكله مع الإحتفاظ بشرعيته كضامن للمصلحة العامة.[10]

2 معالجة التفاوتات الإجتماعية والإقتصادية التي يمكن أن تؤدي الي مزيد من الصراعات؛ ففي الشرق مثلا يجب دعم المشروعات التعليمية والتنموية في المناطق التي جرت فيها معظم النزاعات بحيث يتحول المجتمع الي مجتمع منتج ومنفتح.  3 جبر الضرر؛ أو تنفيذ خطة سلام تنموي: فالسلام من خلال التنمية أشمل وأكثر إستمرارية. وإنفاذ القانون على أن تشمل هذين العمليتين جميع التدابير المرتبطة مباشرة بهاتين الهدفين ضمن إطار زمني محدد.

4 إنشاء قسم إنذار مبكر قادر على جمع المعلومات الأولية وتحليلها والتنبوء بالأحداث المماثلة.

5 محاربة وتجريم خطاب الكراهية؛ وذلك عبر تفعيل قانون جرائم المعلوماتية.

6 تلافي التوزيع السكاني المغلق مستقبلا.

7 فرض هيبة الدولة.

8 معالجة التشوهات الإجتماعية كالعنصرية والكراهية عبر كل الوسائل.

9 تشجيع ثقافة الحوار وإدارة التعارضات بالشكل السلمي.

 

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط نشر مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=72169

هوامش

[1] المجموعة السودانية للديمقراطية اولا, الإقليم المنسي, نيروبي, 2017 ص26

[2] مقترح ورقة (باحثين), مؤتمر الشرق التداولي, البحر الأحمر, 2019

[3] مرجع سابق, ص3

[4] سهير محمود الشربيني, قومية الأورومو الإسلامية والصراع من أجل الإنفصال عن إثيوبيا: جدلية الدولة والقبيلة, مركز الدراسات الإفريقية, القاهرة, 2016.

[5] مرجع سابق ص19

[6] زهير سوكاح, مراجعة كتاب الذاكرة الجمعية لموريس هالبفاكس, المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2020

[7]  الإتحاد الإفريقي, الإطار المنقح لسياسة الهجرة في إفريقيا (خطة العمل 2018-2027) الموقع الرسمي https://au.int/

[8] مرجع سابق ص20

[9],

يني شفق (الموقع) https://www.yenisafak.com/ar/world/2989635

تقرير صحفي, خريطة الصراع على البحر الأحمر ما لا نعرفه عن

حشد القوى.

[10] صفية عبد الرحمن أبه, بناء السلام والسياسات العامة لإدارة التنوع الثقافي في إفريقيا الوسطى: كيف يدار التنوع الثقافي للدول؟, قراءات إفريقية (الموقع), 2020.

 

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك