داعش والجهاديوندراسات

سقوط داعش هل يعني نهاية التنظيمات المتطرفة؟.. بقلم مصطفى عبدي

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

إعداد:مصطفى عبدي،كاتب ـ صحفي

تمكن التحالف الدولي بالتعاون مع شركائه المحليين في سوريا والعراق وبعد أربع سنوات من هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية” داعش”، كتنظيم متطرف كان يهدد الأمن العالمي بجرائم وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان، والقتل اليومي الذي يمارسه بحق المدنيين في أي مكان يصله، وكانت عاصمته الموصل والرقة مراكز لقيادة العمليات الارهابية حول العالم وتجنيد المزيد من الإرهابيين.

ولكن هل ستعني خسارة الأرض بالنسبة لهذا التنظيم زواله عن الوجود؟ رغم الهزيمة، وانحسار مسلحيه في جيوب ومساحات جغرافية ضيقة ما يزال التنظيم يتحرك في عدة دول، يهدد الأمن العام، في سوريا والعراق ما زالت الاختراق الامنية تظهر كل فترة، ويسقط المزيد من الضحايا المدنيين، ومايزال التنظيم يواصل بث دعايته، وينشر اصدارات مرئية لعمليات اعدام ميدانية بابشع الطرق والمشاهد.

هزيمته عسكريا بالمواجهة العسكرية، لن تعني توقف هذا التنظيم المتطرف عن مواصلة جرائمه اذا، خاصة وأنه مثل هذه التنظيمات لا تجد صعوبة في إعادة انتاج نفسها ولو تحت اسم آخر، واستراتيجية مواجهة متجددة.

صفحات جهادية نشرت في الاسبوع الاخير معلومات عن وصول قادة جهاديين الى سوريا، وأنه جرت ‏تعيينات جديدة في هيكلة داعش في سوريا توحي بتغيرات كبيرة في استراتيجية التنظيم الخارجية خاصة وأن مناطق واسعة من شمال سوريا تشكل بيئة خصبة، وامنة لهم وتوفر لهم المد البشري وسهولة التحرك.

ومؤكد أن الحرب الخارجية أصبحت الان تشكل هدفا لطالما هدد التنظيم به، ونفذه، من خلال الذئاب المنفردة والخلايا النائمة، فهم يشكلون قنابل موقوتة، يعيشون ويسكنون بين ضحاياهم، تنفجر بهم، بدون رادع.

داعش، والقاعدة:

يتميز تنظيم داعش عن القاعدة بأنه أشد قسوة، واجراماً على أعداءه، وانصاره، والمدنيين الذين يحكمهم، ولكنه رغم ذلك كان ملتزما بخط الجغرافيا التي يعيش ويحارب فيها، وقلما كان ينقل معاركه لخارج حدود “الدولة” التي يسعى لتوسعها في سباق مع الزمن، حيث اعتمد الانتشار بالاعتماد على ” المجتمع المحلي” ” وجذب المتطوعين الاجانب” بعكس القاعدة التي تبنت منذ البداية الاعتماد على ” الخلايا النائمة “بايديولوجية ” قتل المدنيين للانتقام من  حكوماتهم”.

تنظيم داعش عمل بأسلوب في غاية السرية وله هيكل تنظيمي لا مركزي الحرب، ومعقد، وإن صاحب القول الفصل فيه هو أبو بكر البغدادي الذي نصب نفسه خليفة على المسلمين. ويستشير البغدادي مجلس الشورى المؤلف من قيادات عسكرية ودينية وغيرها يقدم المشورة للبغدادي فيما يتعلق الاستراتيجية والخطط العسكرية.

التنظيم اجتذب آلاف الجهاديين من مختلف دول العالم، اعداد المجندين الاجانب مخيفة، غالبهم مقاتلون أشداء تلقوا تدريبات قاسية، واتخذو مواقع قيادية في الصفوف الاولى، ولديهم شبكة من العلاقات المعقدة، ورغم ان تشديد القيود الأمنية التي فرضتها عدة دول أوروبية حال دول سفر الراغبين في المشاركة في الجهاد للانضمام إلى صفوف التنظيم.

فإن التنظيم أنشأ قنوات للاتصال من قواعده في الشرق الأوسط بهؤلاء الجهاديين وشجعهم على العمل “كذئاب منفردة” أو من خلال خلايا صغيرة لتنفيذ هجمات داخل الدول التي يعيشون أو يعملون فيها عند ” الحاجة”، هؤلاء “الذئاب” ليس من المهم أن يكونوا على اتصال مع بعضهم البعض لكنها كلها على اتصال بجهاز خاص يتولى مسؤولية “العمليات الخارجية” ومنه تتلقى الخلايا أوامرها، والان اصبحوا بلا قيادة مركزية، ويتحركون لضرب الاهداف في اي وقت.

مرحلة التمدد العامودي:

التطور في طريقة “حرب داعش” جاء كرد فعل على خسارته دولته التي بلغت ذروتها سنة 2014 بحدود مفتوحة والسيطرة على نصف مساحة سوريا ونصف مساحة العراق، خسائره الكبيرة في سوريا  بدأت من ” معركة كوباني” حتى ” فك الحصار عن كويرس” و” خسارته في الحسكة”، وشنكال وما نتج عنه من قطع خطوط امداداته بين سوريا والعراق .

مما يعني صعوبة في التنقل بين عاصمتيه “الموصل والرقة” في وقت كان فيه التنظيم  يسيطر على مساحات شاسعة، ثم كانت الحملة الأكثر شدة وانتهت بالقضاء على التنظيم في عاصمته المزعومة في العراق، بخسارته معركة الموصل، وفي سوريا بخسارة معركة الرقة.

انتشار داعش الاول بدأ في محاكاة عواطف الناس، وحكم الجهاد ضد “بشار الاسد” وفظاعة جرائمه، فتوزعوا بداية في مجموعات على شكل ”هيئات تبشيرية” والايحاء بانهم هاجروا الى سورية، لتحرير شعبها من النظام العلوي، النصيري الكافر.

بدؤا بالتعشيش في العشرات من المدن، ومرافقة الكتائب العسكرية وشراء ذمم الكثيرين من القيادات او المجموعات ضمنها، حتى تهيئة الظروف على الارض والانتقال الى المرحلة الثانية ببناء شبكات أمنية، وتواصل ومنها الى بناء مجموعات عسكرية من تلك المجتمعات بقيادة “المهاجرين” والبدأ بـ ” العمل العسكري” ضد النظام بداية بالمشاركة مع الفصائل الاخرى.

التي سرعان ما انقلب عليها، معتمدا اساليب الانتقام والذبح كرسالة ترهيب موجهة، ترافقت مع بناء الة اعلامية متطورة تواكب تحركاته، بل وتسبقها باعتماد احدث طرق الملتميديا، ووسائل التواصل الاجتماعي وفق منهجية اعلامية مدروسة بعناية فائقة.

ذات الأمر جرى في العراق حيث استغل الفتنة الطائفية، وممارسات حكومة المالكي لاثارة عواطف الناس في تظاهرات أفضت بالسيطرة على الموصل والتمدد نحو المحافظات الاخرى، حتى ازالة الحدود بين سوريا والعراق، بعد مجازر نفذها مسلحوه في شنكال.

المرحلة الثالثة ترسخت بقيامه بترسيخ أركان الحكم، وادارة شؤون “الخلافة” بتصعيد العمليات العسكرية للحصول على المزيد من المدن الكبيرة ودخولها كالفاتحين، وترافق ذلك مع سن شرائعه الفظيعة بحق المدنيين، وفتح العشرات من الجبهات المختلفة لكسب المزيد من الجغرافية بشعار” باقية، وتتمدد”.

انكساره الاول، والكبير تم في حرب كوباني، التي استنفذت التنظيم خيرة مقاتليه ومعداته الثقيلة واسلحته، لتتحول بالنسبة له الى حرب مقدسة، ومع خسارتها تتالت هزائم جنود الخلافة، وامتدت لتشمل اهم معاقله في تل ابيض، ومسقط رأسه في سلوك، وقواعده في‫‏ صرين، والحسكة، والهول وترقب معركة الرقة التي ستشهد ايضا انسحابا وليس اشتباكات.

لا عودة:

غير تنظيم داعش استراتيجته بعد هزيمته في معركة كوباني، وتجنب المواجهة مع التحالف الدولي والقوات المحلية الشريكة له على الأرض، فكان يستخدم في كل المدن التي اضطر لتسليمها الى اتخاذ المدنيين كدروع بشرية، وورقة تفاوض للخروج الآمن، لكنه كان يلجأ إلى الاعتماد بدل المواجهة المباشرة على حرب العصابات، وهنا كانت مرحلة التطور الرابعة، بـ ” التمدد الافقي”  لمراوغة القصف الجوي، والانتقال من معارك ” الهجوم” الى “الدفاع” و” تكتيك الانسحاب”.

داعش قبل أن يكون تنظيم عسكري بهداف تشكيل دولة، هو فكر وممارسات له خلفيات ومرجعيات دينية، قد تغذيها بالتطرف او تعدلها بالحكمة. هو امتداد لفكر قديم يتناسخ وحلم بدولة اسلامية، فداعش اتخذت من ابو مصعب الزرقاوي قدوة ومن تنظيم «التوحيد والجهاد» منهجا وعقيدة، من خلال تكفير لكل من ليس معهم وقتل من يخالف عقائدهم والوصول إلى السلطة.

وهي موجودة منذ انتشار أفكار ابن تيمية ثم جرى إحياؤها مع محمد بن عبدالوهاب وأتباعه، ليجري اعادة انتاجها، لجعل الناس يتعلقون بها على أساس أنها المعيدة لأمجاد الخلافة الإسلامية.

المجتمعات المحررة للتو من سيطرة التظيم ستعاني طويلا من الآثار النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية المدمرة، بعد ثلاث سنوات من حكم بالسيف والترهيب والنار، سيجد التنظيم فيهم وقودا دائما بالعودة وخاصة انه ينظر لكل ضحاياه من منطق انهم كفرة، وعملاء يجب قتلهم. وايضا هو ترك أفكارا قد تنمو في أي ازمة مستجدة، خاصة وأن المشكلات منتشرة.

ولن يتوانى التنظيم بأي شكل كان عن اعادة استغلالها بالعودة مجددا. الاف من المنتمين الى صفوفه، او المتعاونين معه اعتقلو زج بهم في السجون، وهي مكان خطير لاعادة الاتصال فيما بينهم ، كما وان عوائلهم زوجاتهم وأطفالهم، وحتى الأطفال الذين قتل وادلهم كمسلح داعشي سيكونون بحاجة للكثير لتجاوز ما حدث، وعدم التفكير في انتقام.

المناطق المحررة ستظل مهددة وهي بحاجة الى برامج علاج نفسية، وبرامج تنموية، ومكافحة البطالة، وتنشيط قطاع التعليم والثقافة والتربية والاعمار لتجاوز تبعات واثار حرب مدمرة، للإنسان والمدن الى جانب دعم الادارات والحكم المحلي والمساعدة في تحقيق التوافق بين الشعوب وحثهم على التعايش وتوزيع عادل للثروات..كلها تفاصيل مهمة ومهمة لإغلاق الطريق أمام عودة المنظمات المتطرفة، وتحويلها لبؤرة تهدد الأمن العالمي.

رابط مختصر :https://wp.me/p8HDP0-c3v

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الكاتب مصطفى عبدي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق