المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
روسيا والناتو ـ رهان أوروبي جديد على خط الدفاع الشرقي
تعكس الدعوة المتصاعدة من دول الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي لإعطاء الأولوية لمشروع مراقبة الجناح الشرقي تحولًا لافتًا في مقاربة الأمن والدفاع داخل الاتحاد، في ظل تصاعد المخاوف من روسيا بوصفها التهديد الأبرز والمباشر للأمن الأوروبي خلال العقد المقبل. فالدول الواقعة على الحدود الشرقية للاتحاد وفي مقدمتها فنلندا، بولندا، ودول البلطيق، لم تعد تنظر إلى نفسها كأطراف هامشية في معادلة الأمن الأوروبي، بل باعتبارها خط الدفاع الأول عن الاتحاد بأكمله، وهو ما تسعى اليوم إلى ترجمته سياسيًا وماليًا عبر انتزاع أولوية في التمويل والدعم الأوروبي.
من الدفاع التقليدي إلى التهديدات الهجينة
يمثل مشروع مراقبة الجناح الشرقي أحد أبرز المشاريع الدفاعية التي طرحتها المفوضية الأوروبية ضمن خارطة طريق الجاهزية الدفاعية 2030، إلى جانب مبادرات أخرى في مجالي الفضاء والطائرات المسيّرة. ورغم غموض تفاصيله حتى الآن، فإن ملامحه العامة تشير إلى مقاربة شاملة تتجاوز الدفاع العسكري التقليدي، لتشمل:
ـ مواجهة العمليات الهجينة والتخريب غير المباشر.
ـ التصدي لاختراقات الطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية.
ـ حماية الحدود والبنى التحتية الحيوية.
ـ تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي.
ـ تحسين التنقل العسكري داخل أراضي الاتحاد.
ـ ورفع الجاهزية لمواجهة سيناريوهات عدوان مسلح محتمل.
ويكشف هذا التوسع في المفهوم الدفاعي عن إدراك أوروبي متزايد بأن التهديد الروسي لم يعد مقتصرا على سيناريو الحرب التقليدية، بل يمتد إلى ساحات رمادية تشمل الفضاء السيبراني، والضغط الاقتصادي، والتلاعب السياسي والأمني.
صراع الأولويات داخل الاتحاد الأوروبي
على الرغم من الزخم السياسي الذي يحظى به المشروع من دول الجناح الشرقي، فإن طريقه لا يزال محفوفًا بالتحديات، في مقدمتها غياب الإجماع الأوروبي حول تفاصيل المشروع وتكلفته، فضلًا عن التنافس المتوقع على موارد الميزانية الأوروبية المقبلة. تطالب دول الشرق بحصة معتبرة من ميزانية الدفاع متعددة السنوات التي قد تصل إلى 131 مليار يورو اعتبارًا من 2028، لا تزال بعض دول أوروبا الغربية تنظر بحذر إلى توسيع الالتزامات الدفاعية، خشية التورط في سباق تسلح طويل الأمد أو استفزاز موسكو بشكل مباشر. غير أن الخطاب الذي تقوده وارسو وهلسنكي، والمدعوم بتحذيرات متكررة من احتمال اختبار روسيا للمادة الخامسة من ميثاق الناتو خلال السنوات المقبلة، يعزز من فرص تمرير المشروع بوصفه استثمارا وقائيا لا خيارا تصعيديا.
فنلندا وبولندا: قيادة مزدوجة ورسائل سياسية
إن إعلان فنلندا استعدادها لتولي دور الدولة القائدة للمشروع، بالشراكة مع بولندا، يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة. فنلندا، المنضمة حديثا إلى الناتو، تسعى إلى تثبيت موقعها كلاعب محوري في أمن شمال وشرق أوروبا، بينما تكرّس بولندا نفسها كقوة إقليمية صاعدة في المجالين العسكري والسياسي داخل الاتحاد. وتشير هذه القيادة المزدوجة إلى محاولة إعادة رسم موازين النفوذ داخل البنية الدفاعية الأوروبية، بما يقلل من هيمنة العواصم التقليدية، مثل باريس وبرلين، ويفتح المجال أمام دول الخط الأمامي لفرض أجندتها الأمنية.
ماذا عن ردود فعل موسكو المحتملة؟
من زاوية موسكو، لا ينظر إلى مشروع مراقبة الجناح الشرقي باعتباره مبادرة دفاعية تقنية، بل كحلقة جديدة في سلسلة ما تصفه روسيا بـ الزحف العسكري الغربي نحو حدودها. حتى وإن جرى تسويق المشروع أوروبيا بوصفه مكملا للناتو وليس بديلا عنه، فإن القراءة الروسية تميل إلى الدمج بين المسارين الأوروبي والأطلسي، واعتبارهما وجهين لاستراتيجية احتواء واحدة.اللافت أن الكرملين قد لا يسارع إلى رد فعل صاخب، على غرار ما حدث عند توسع الناتو أو انضمام فنلندا والسويد. فروسيا باتت تعتمد في السنوات الأخيرة سياسة الرد التراكمي بدل التصعيد الفوري، أي امتصاص المبادرات الغربية ثم تفريغها لاحقًا عبر خطوات محسوبة ومتعددة المستويات.
من المتوقع أن تستخدم موسكو المشروع في خطابها الداخلي والخارجي لتأكيد سرديتها القائلة إن أوروبا لم تعد فاعلا مستقلا، بل جزءا من بنية أمنية معادية تقودها واشنطن. هذا الخطاب سيوظف لتبرير استمرار عسكرة المجتمع الروسي، وتعزيز الإنفاق الدفاعي، وإطالة أمد التعبئة الاستراتيجية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. فالأرجح أن تتخذ روسيا إجراءات احترازية غير مباشرة بدل نشر قوات تقليدية واسعة على الحدود. وتشمل هذه الإجراءات: تعزيز القدرات الصاروخية قصيرة ومتوسطة المدى في مناطق قريبة من البلطيق وكالينينغراد، تكثيف المناورات العسكرية المفاجئة قرب حدود دول الجناح الشرقي، توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي والبحري وربما إعادة تفعيل سيناريوهات نشر أسلحة غير استراتيجية كأداة ردع رمزية.
في المقابل، ستعطي موسكو أولوية متزايدة للأدوات الرمادية. فالهجمات السيبرانية، والضغط على البنى التحتية للطاقة، وحملات التضليل الإعلامي، ستبقى وسائل مفضلة لتوجيه رسائل ردع دون تجاوز عتبة المواجهة العسكرية المباشرة. ومن المرجح أن تستخدم دول الجناح الشرقي تحديدا كساحات اختبار لهذه الأدوات، نظرا لحساسيتها السياسية والأمنية داخل الاتحاد الأوروبي. لكن المفارقة أن المشروع الأوروبي، بدل أن يردع روسيا بالكامل، قد يدفعها إلى تعميق الشراكة العسكرية مع أطراف غير غربية، مثل الصين وإيران وكوريا الشمالية، في إطار استراتيجية موازنة طويلة الأمد مع الغرب، لا تستهدف الجناح الشرقي فقط، بل النظام الدولي ككل.
سوف لن يكون رد الفعل الروسي على مشروع مراقبة الجناح الشرقي دراماتيكيا، بل تدريجيا ومتعدد الأبعاد. فموسكو لا ترى في المشروع تهديدا قائما بحد ذاته، بل مؤشرا إضافيا على مسار استراتيجي تعتبره معاديا، وستتعامل معه بالمنطق نفسه: الاحتواء، والمضايقة، واستنزاف الخصم، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
قراءة مستقبلية
ـ من المرجح أن يحظى مشروع مراقبة الجناح الشرقي بموافقة مبدئية من قادة الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الأمنية واستمرار الحرب الأوكرانية دون أفق تسوية واضحة. غير أن التحدي الحقيقي سيكمن في تحويل المشروع من إطار سياسي فضفاض إلى منظومة عملياتية واضحة المعالم. وقد يشكل المشروع نواة لما يمكن وصفه بـعقيدة دفاعية أوروبية جديدة، تقوم على: تركيز الموارد في مناطق التهديد المباشر،تقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء وتعزيز التكامل بين قدرات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وفي حال نجاحه، قد يتحول مراقبة الجناح الشرقي إلى نموذج يُحتذى به في مناطق أخرى، مثل جنوب أوروبا أو المجال البحري للاتحاد، ما يعزز من استقلالية القرار الدفاعي الأوروبي، دون فك الارتباط الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
ـ يعكس مشروع مراقبة الجناح الشرقي انتقال الاتحاد الأوروبي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة الاستعداد المسبق للمخاطر وبينما لا تزال تفاصيله قيد التشكل، فإن رسالته السياسية واضحة: أمن أوروبا يبدأ من حدودها الشرقية، وأي مقاربة دفاعية أوروبية مستقبلية لن تكون مكتملة دون منح دول الخط الأمامي الدور والموارد التي تطالب بها.
ـ يثير مشروع مراقبة الجناح الشرقي سؤالًا حساسا ظل يرافق كل نقاش أوروبي حول الدفاع المشترك: هل نحن أمام تكامل حقيقي مع حلف الناتو، أم خطوة أخرى على طريق ازدواجية القرار وتضارب الأولويات؟
ـ تصر بروكسل ودول الخط الأمامي على أن المشروع لا يتعارض مع الناتو، بل يكمله. لكن هذا الخطاب لا يخفي قلقًا كامنا داخل الحلف، مفاده أن تتحول المبادرة إلى مسار أوروبي مواز، لا سيما إذا ما اقترنت بتمويل مستقل وهياكل قيادة خاصة.
ـ الناتو، الذي يضع الجناح الشرقي في صلب عقيدته الردعية منذ عام 2014، يرى نفسه الإطار الطبيعي للدفاع عن هذه الحدود. ومن هذا المنظور، فإن أي مشروع أوروبي لا يربط عمليا بسلاسل القيادة والتخطيط الأطلسية قد ينظر إليه كازدواج غير ضروري، وربما مكلف سياسيا. غير أن دول الشرق ترد بحجة مضادة: الناتو يوفر الردع العسكري، لكن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات أوسع لمواجهة التهديدات الهجينة، وحماية البنى التحتية، وتأمين الحدود، وهي مجالات لا يغطيها الحلف بشكل كاف.
ـ تبدو المقاربة في غرب أوروبا أكثر حذرا، ألمانيا، التي لا تزال تمسك بعصا التوازن بين الردع والانفتاح، تنظر إلى المشروع من زاوية تقنية لا سياسية. برلين لا تعارض تعزيز الجناح الشرقي، لكنها تتحفظ على أي مبادرة قد تضعف مبدأ الدفاع الجماعي الموحد داخل الناتو أو تفرض عليها التزامات مالية إضافية خارج إطار التخطيط المشترك. كما أن هاجس الإدارة الرشيدة للموارد، في ظل ضغوط داخلية متزايدة، يجعلها أقل حماسة لمشاريع غير مكتملة المعالم. فرنسا، من جهتها، تقرأ المشروع من منظور مختلف. فهي ترى فيه فرصة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، لكنها في الوقت ذاته تخشى أن يُختزل هذا الطموح في أجندة أمنية تفرضها مخاوف الشرق وحده. باريس تفضل مقاربة شاملة تشمل الجنوب والبحر المتوسط، ولا ترغب في أن يتحول الدفاع الأوروبي إلى رد فعل دائم على روسيا، على حساب ملفات أخرى لا تقل أهمية.
يبدو إن مشروع مراقبة الجناح الشرقي أكثر من مجرد مبادرة دفاعية؛ إنه اختبار سياسي دقيق لتوازن العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والناتو، وبين شرق أوروبا وغربها. فإذا نجح في التموضع كمكمّل ذكي للمنظومة الأطلسية، فقد يعزز مناعة القارة. أما إذا انزلق نحو التنافس الصامت أو إعادة توزيع المخاوف بدل إدارتها جماعيا، فقد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد أمني أوروبي هش بطبيعته.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=112885

