المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ إسطيفان يلدز
روسيا وأوكرانيا ـ حرب الطاقة وغياب الاختراق العسكري الحاسم ميدانياً
تدخل الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة تتسم بتداخل متزايد بين التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي والتحركات الدبلوماسية. فبينما تستمر العمليات القتالية على محاور رئيسية في شرق وجنوب أوكرانيا، تتوسع حرب المسيّرات والضربات بعيدة المدى لتشمل منشآت الطاقة والتكرير والبنية التحتية في عمق أراضي الطرفين.
وعادت الاتصالات السياسية إلى الواجهة مع تحرك أميركي لإعادة إطلاق مسار تفاوضي بين موسكو وكييف خلال شهر سبتمبر 2026، وسط حديث عن إمكانية عقد جولة جديدة من المفاوضات الثلاثية بمشاركة الولايات المتحدة، وطرح الإمارات العربية المتحدة مكاناً محتملاً لاستضافتها. إلا أن هذه التحركات لم تتحول بعد إلى وقف شامل لإطلاق النار أو اتفاق سياسي. وتبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الطرفين على المحافظة على قدراتهما العسكرية والاقتصادية، وبمدى قدرة الوسطاء على تحويل الاتصالات السياسية إلى إجراءات عملية، خصوصاً في ملف الطاقة، قبل دخول فصل الشتاء.
الموقف العسكري والميداني
لا تزال الجبهة البرية تشهد قتالاً مرتفع الكثافة خلال شهر سبتمبر 2026، مع تركيز روسي على محاور في إقليم دونيتسك، ولا سيما المناطق المحيطة ببوكروفسك وكونستانتينيفكا ودوبروبيليا. ووفق تقييم معهد دراسة الحرب الصادر في 25 سبتمبر، حققت القوات الروسية تقدماً محدوداً جنوب شرقي دوبروبيليا، بينما لم يسجل المعهد تقدماً روسياً مؤكداً في اتجاه كونستانتينيفكا. ويستمر القتال على محاور أخرى في دونباس دون تغيرات إقليمية واسعة النطاق. وتحاول القوات الأوكرانية تنفيذ عمليات مضادة في بعض القطاعات، خصوصاً في اتجاه ليمان، في محاولة لإعاقة جهود روسية تستهدف توسيع الضغط على الحزام الدفاعي الأوكراني في دونيتسك. وتؤكد هذه التطورات أن الجبهة لا تسير بوتيرة واحدة، وأن التقدم الميداني يختلف من محور إلى آخر. الناتو وروسيا بين التصعيد والتفاوض
حرب المسيّرات والضربات بعيدة المدى
أصبحت المسيّرات عنصراً مركزياً في العمليات العسكرية. فقد أعلنت أوكرانيا أن روسيا أطلقت خلال إحدى الهجمات الليلية الأخيرة 295 مسيّرة، قالت القوات الجوية الأوكرانية إنها اعترضت أو أسقطت 267 منها. وهذه الأرقام تعكس الرواية الأوكرانية الرسمية، ولا تعني بالضرورة إمكانية التحقق المستقل من جميع تفاصيلها. وسعت أوكرانيا نطاق هجماتها بعيدة المدى داخل روسيا. وأعلن الجانب الأوكراني يوم 26 سبتمبر 2026 استهداف مصافي نفط ومنشآت مرتبطة بالصناعة العسكرية الروسية، بينها مصفاة نوفوشاختينسك في مقاطعة روستوف ومصفاة بيرم، إضافة إلى منشآت صناعية أخرى. وأكدت السلطات الروسية وقوع أضرار في بعض المواقع، فيما تختلف الروايات بشأن حجم الأضرار وتأثيرها العملياتي.وبذلك أصبحت الحرب لا تدور فقط حول السيطرة على الأراضي، وإنما أيضاً حول إضعاف قدرة الخصم على إنتاج الطاقة والذخائر والحفاظ على خطوط الإمداد. الأمن والدفاع الأوروبي ـ نحو تعزيز الدفاعات الأوكرانية
الحرب على الطاقة
يمثل قطاع الطاقة أحد أهم محاور التصعيد الحالي.روسيا كثفت الضربات الجوية التي تطال البنية التحتية والطاقة الأوكرانية، فيما تستهدف أوكرانيا بصورة متزايدة مصافي النفط والمنشآت المرتبطة بالطاقة داخل روسيا. وقد حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن الشتاء المقبل قد يكون صعباً، داعياً إلى وقف استهداف منشآت الطاقة. كما أعلنت كييف استعدادها لوقف الهجمات على منشآت الطاقة الروسية إذا أوقفت موسكو الهجمات على قطاع الطاقة الأوكراني.ومن هنا ظهرت فكرة هدنة الطاقة التي تحاول الإدارة الأميركية الدفع باتجاهها باعتبارها خطوة محدودة يمكن أن تخلق مساحة لإعادة بناء الثقة وفتح مسار تفاوضي أوسع. إلا أن استمرار الضربات يجعل تحويل الفكرة إلى اتفاق قابل للتنفيذ أمراً معقداً.
المفاوضات الروسية ـ الأوكرانية
تتمثل التطورات السياسية الأبرز في محاولة الولايات المتحدة إعادة تنشيط مسار المفاوضات. فقد أكدت موسكو وكييف في 25 سبتمبر 2026 وجود خطط لإعادة إطلاق محادثات ثلاثية بمشاركة الولايات المتحدة. وجرى طرح الإمارات العربية المتحدة مكاناً محتملاً للاجتماع، فيما لم يكن موعد الاجتماع قد حُسم بصورة نهائية. وفي الجانب الروسي، قال الرئيس بوتين إن مقترحات التسوية لا تزال مطروحة، وإن موسكو كانت مستعدة لاستئناف المفاوضات بعد الانتخابات البرلمانية الروسية، مع تأكيده أن روسيا ستقيّم أي ترتيبات وفقاً لمصالحها. أما الجانب الأوكراني، فيؤكد استمرار الحاجة إلى الضغط على روسيا من أجل إنجاح المسار الدبلوماسي، مع تركيز كييف على الضمانات الأمنية والدعم الغربي والعقوبات.وعليه، فإن الوضع الحالي يمكن وصفه بأنه إعادة تنشيط للمسار التفاوضي، وليس بداية مفاوضات سلام مكتملة. الناتو وروسيا ـ تعزيز الاستجابة الأمنية في أوروبا
العقبات أمام التسوية
لا تزال هناك ملفات جوهرية يصعب تجاوزها في أي مفاوضات مستقبلية، أبرزها:
- الأراضي والمناطق التي تسيطر عليها روسيا.
- الضمانات الأمنية لأوكرانيا.
- مستقبل العلاقة بين أوكرانيا وحلف الناتو.
- العقوبات الغربية المفروضة على روسيا.
- مستقبل القوات والبنية العسكرية في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
- إعادة الإعمار والتعويضات.
- آليات مراقبة أي وقف لإطلاق النار وضمان الالتزام به.
وهذه الملفات تجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً من التوصل إلى تفاهمات جزئية، مثل وقف استهداف منشآت الطاقة أو ترتيبات محددة في البحر الأسود.
العامل الأميركي
تحتفظ الولايات المتحدة بموقع محوري في محاولة إعادة تشغيل المسار الدبلوماسي، سواء من خلال الاتصالات مع موسكو وكييف أو من خلال بحث إجراءات محدودة لخفض التصعيد. وتزامن ذلك مع استمرار الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا. وفي 25 سبتمبر أُعلن في الاتحاد الأوروبي عن تخصيص أموال إضافية مرتبطة بالمساعدات العسكرية لأوكرانيا، فيما تستمر النقاشات الغربية حول الدفاع الجوي الأوكراني وخصوصاً أنظمة Patriot . وفي هذا السياق، لا ينفصل المسار التفاوضي عن موازين القوة على الأرض؛ فكل طرف يحاول تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل أي مفاوضات جوهرية.
هل سيكون الشتاء في صالح روسيا؟
من الصعب اعتبار الشتاء عاملاً حاسماً لصالح أحد الطرفين بصورة تلقائية. فالظروف الجوية الصعبة قد تؤثر في حركة القوات والإمدادات واستخدام المسيّرات والاستطلاع، لكنها في الوقت نفسه قد توفر ظروفاً مختلفة للعمليات البرية والتسلل. العامل الأكثر حساسية يتمثل في الطاقة والبنية التحتية المدنية. فإذا تمكنت روسيا من إلحاق أضرار كبيرة بشبكات الكهرباء والتدفئة والدفاع الجوي الأوكراني، فقد يتحول الشتاء إلى عامل ضغط إضافي على كييف. تحاول أوكرانيا استخدام الضربات بعيدة المدى ضد مصافي النفط والمنشآت الصناعية الروسية لرفع كلفة الحرب داخل روسيا. وقد وثق معهد دراسة الحرب عدداً من الضربات الأوكرانية الأخيرة ضد منشآت الطاقة والصناعة العسكرية الروسية. لذلك فإن الشتاء سيكون اختباراً للقدرة على الصمود أكثر من كونه عاملاً عسكرياً يحسم الحرب لمصلحة طرف واحد. الأمن والدفاع الأوروبي ـ إلى أي مدى يعزز التمويل قدرات أوكرانيا؟
الاقتصاد والطاقة كأداة في الحرب
تزداد أهمية العامل الاقتصادي مع استمرار الحرب. فاستهداف المصافي الروسية يهدف، من وجهة النظر الأوكرانية، إلى التأثير في قدرة روسيا على إنتاج الوقود ودعم العمليات العسكرية، في حين تحاول موسكو إضعاف البنية التحتية الأوكرانية والقدرة الاقتصادية على الاستمرار في الحرب. أن الضربات الأوكرانية على قطاع الطاقة الروسي بدأت تفرض ضغوطاً على عمليات التكرير وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل قطاع النفط والطاقة جزءاً من الحسابات العسكرية والسياسية وليس مجرد ملف اقتصادي منفصل.
الدور الأوروبي في المفاوضات
شهد الدور الأوروبي في مسار المفاوضات الروسية–الأوكرانية تحولاً واضحاً؛ فبعد أن بدا هامشياً مقارنة بالدور الأميركي والروسي، باتت أوروبا تسعى إلى ترسيخ موقعها كطرف مؤثر في صياغة أي تسوية سياسية وأمنية للحرب. ولم يعد الاهتمام الأوروبي مقتصراً على دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً، وإنما امتد إلى تحديد شكل الضمانات الأمنية، وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، ومستقبل الأمن الأوروبي.وتتمثل أهمية الدور الأوروبي في امتلاكه مجموعة من أدوات التأثير، أبرزها الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، العقوبات المفروضة على روسيا، والمساهمة المحتملة في آليات مراقبة وقف إطلاق النار والضمانات الأمنية وقوة متعددة الجنسيات في مرحلة ما بعد الاتفاق. كما تؤكد المواقف الأوروبية أن أي ترتيبات تتعلق بالأمن الأوروبي أو بمصالح الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لا يمكن أن تُحسم من دون مشاركة الأوروبيين الأمن والدفاع الأوروبي ـ هل يعزز مجلس الأمن الأوروبي التنسيق الدفاعي؟.
وبذلك، لم تعد أوروبا مجرد داعم لأوكرانيا خارج غرفة التفاوض، بل أصبحت طرفاً معنياً بشكل مباشر بمخرجات التسوية، خصوصاً أن أي اتفاق لإنهاء الحرب سيعيد تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية لعقود مقبلة. ومع ذلك، يبقى الدور الأوروبي مرتبطاً بالدور الأميركي؛ إذ لا تزال واشنطن لاعباً مركزياً في جهود الوساطة، بينما تسعى العواصم الأوروبية إلى ضمان ألا تُصاغ تسوية مستقبلية بمعزل عن مصالحها الأمنية والاستراتيجية
النتائج
ـ إن التطورات الحالية لا تقدم دليلاً على حسم عسكري قريب. فروسيا تواصل الضغط على محاور رئيسية في دونباس، بينما تحاول أوكرانيا الدفاع عن خطوطها وإطلاق عمليات مضادة وضرب أهداف استراتيجية في العمق الروسي. وفي الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة إعادة تحريك المسار السياسي، فيما تبحث كييف وموسكو عن تحسين مواقعهما قبل أي مفاوضات حقيقية. وعليه، يمكن تصور المرحلة المقبلة باعتبارها تفاعلاً بين ثلاثة مسارات متوازية:
- ـ استمرار العمليات البرية والهجمات الجوية والمسيّرات.
- ـ حرب الاستنزاف الاقتصادي والطاقة، استهداف المصافي والمنشآت الصناعية وشبكات الكهرباء والطاقة.
- ـ المسار الدبلوماسي محاولة الوصول أولاً إلى تفاهمات محدودة يمكن البناء عليها، قبل الانتقال إلى القضايا الكبرى المرتبطة بالأراضي والضمانات الأمنية.
ـ تدخل الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة تتراجع فيها احتمالات الحسم السريع لصالح حرب استنزاف متعددة الأبعاد، تجمع بين الجبهة البرية، والهجمات بعيدة المدى، وحرب الطاقة، والضغط الاقتصادي، والتحرك الدبلوماسي. ولا يزال الميدان يمثل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد شروط أي تفاوض، لكن استمرار العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة غياب المسار السياسي. فالمساران العسكري والدبلوماسي يتحركان بالتوازي، وكل طرف يسعى إلى تحسين موقعه قبل الدخول في مفاوضات أكثر جدية.
ـ مستقبل مسار التفاوض: يتجه مسار التفاوض الروسي–الأوكراني نحو مرحلة أكثر تعقيداً، لن يكون فيها وقف إطلاق النار وحده كافياً لإنهاء الحرب، إذ ستتداخل قضايا الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل العقوبات وإعادة الإعمار وترتيبات الأمن الأوروبي. ومع تنامي الدور الأوروبي، ستصبح المفاوضات أقرب إلى مسار متعدد الأطراف تتقاطع فيه المصالح الأميركية والأوروبية والروسية والأوكرانية، ما قد يوسع هامش التفاوض، لكنه في الوقت نفسه يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية نهائية سريعة.
ـ أما محاولة التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة، فقد تمثل اختباراً أولياً لإمكانية خفض التصعيد، لكنها لا تعالج وحدها الخلافات الجوهرية المتعلقة بالأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل الترتيبات العسكرية.
ـ تدخل الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة اختبار مزدوج: اختبار القدرة على الأستمرار والاستنزاف في الميدان، واختبار قدرة الدبلوماسية على تحويل الاتصالات السياسية إلى خطوات عملية نحو وقف إطلاق النار.
ـ وتتجه المعادلة التفاوضية من صيغة روسية ـ أوكرانية مدعومة أميركياً إلى مسار أكثر تعدداً، تشارك فيه أوروبا بصورة أكبر في تحديد شروط السلام وضماناته، حتى وإن لم تصبح بعد الطرف الرئيسي في الوساطة المباشرة مع موسكو.
رابط نشر .. https://www.europarabct.com/?p=125032
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

