اختر صفحة

رفيق الحريري… وظاهرة الاغتيالات السياسيّة في لبنان . بقلم الدكتور جمال دملج

فبراير 14, 2021 | الإستخبارات, داعش والجهاديون, دراسات, محاربة التطرف, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
الدكتور جمال دملج ـ كاتب لبنانيّ

الدكتور جمال دملج ـ كاتب لبنانيّ

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

بقلم: الدكتور جمال دملج ـ كاتب لبنانيّ

 

اغتيال الرئيس  الحريري ـ اغتيال لبنان

على الرغم من أنّ جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الراحل رفيق الحريري يوم الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) عام 2005 جاءت في سياق سلسلة اغتيالات مماثِلة قُدّر لها أن تُزهِق أرواح العشرات من الشخصيّات والرموز السياسيّة والفكريّة والدينيّة أثناء مرحلة الوصاية السوريّة على لبنان.

وكان في مقدّمتهم رئيس الحركة الوطنيّة اللبنانيّة وزعيم الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ الراحل كمال جنبلاط الذي كان قد سقط شهيدًا بالرصاص يوم السادس عشر من شهر آذار (مارس) عام 1977 قرب مدينة بعقلين الشوفيّة ومن بعده رئيس تحرير مجلّة “الحوادث” الأسبوعيّة سليم اللوزي، ونقيب الصحافيّين رياض طه، ومفتي الجمهوريّة الشيخ حسن خالد، والداعية الإسلاميّ الشيخ صبحي الصالح، ورئيس إقليم زغرتا – الزاوية الكتائبيّ جود البايع، والنائب الزغرتاويّ طوني سليمان فرنجيّة مع زوجته فيرا قرداحي وابنتهما الصغيرة جيهان، ورئيس الجمهوريّة بشير الجميّل، والنائب البقاعيّ ناظم القادري، ورئيس الوزراء العروبيّ رشيد كرامي، ورئيس الجمهوريّة المنتخَب رينيه معوّض، ورئيس حزب الوطنيّين الأحرار داني شمعون مع زوجته أنغريد عبد النور وطفليهما طارق وجوليان.

 

 

ولكنّ الثقل السياسيّ والاقتصاديّ والماليّ الوازن الذي كان يتمتَّع به الشهيد الحريري على مختلف المستويات المحلّيّة والإقليميّة والدوليّة، فضلًا عن أسلوب إدارته المتمايِز لمؤسّسات الدولة في أعقاب التوقيع على “اتّفاق الطائف” عام 1989، أعطى جريمة اغتياله ما يكفي من أبعاد متشابِكة ومعقّدة لكي تصبح واحدةً من أهمّ المحطّات المفصليّة في تاريخ ظاهرة الاغتيالات السوداء التي غالبًا ما يتمّ اللجوء إلى استخدامها من قِبل دول وأحزاب ومنظَّمات وعصابات بغية التأثير على أشخاص وجماعات، أو لخلق وقائعَ جديدةٍ تستهدف تغيير مصائر بلدان وشعوب بأكملها.

“ثورة الأرز”

وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ مشروع إعادة إعمار لبنان والنهوض به الذي تبنّاه الرئيس الحريري في حياته ظلّ عُرضةً للتناتُش على الدوام جرّاء ازدياد أطماع المسؤولين الأمنيّين السوريّين فوق المائدة الوطنيّة اللبنانيّة، فإنّ اثنين لا يمكن أن يختلفا أيضًا على أنّ عمليّة الاغتيال، وإنْ كانت قد أصابت ما تبقّى وقتذاك من عنفوان وكبرياء اللبنانيّين في الصميم.

ولكنّها سرعان ما شكّلت في الموازاة الأرضيّة الصلبة لانطلاقةِ واحدةٍ من أرقى الانتفاضات الشعبيّة في العالم تحت مسمّى “ثورة الأرز”، ولا سيّما بعدما خرج مئات الآلاف منهم للاعتصام في “ساحة الشهداء” وسط بيروت تحت مظلّةِ شعارٍ واحدٍ يدعو السوريّين بشكل واضح وصريح، للمرّة الأولى خلال تسعة وعشرين عامًا، إلى الانسحاب بشكل مباشِر ونهائيّ من كافّة الأراضي اللبنانيّة، الأمر الذي لم تكد تمرُّ أسابيعُ قليلةٌ عليه حتّى استمَع العالم بأسره لصوت الرئيس السوريّ بشّار الأسد أثناء إعلانه من مجلس الشعب في دمشق أنّ بلاده قرّرت سحب قوّاتها من لبنان.

المعسكريْن المتنافسيْن

لا شكّ في أنّ هذه الانتفاضة السلميّة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى كانت قد شكّلت في حينه نواة تأسيس لبنان الجديد الموحَّدِ بين أبنائه والمستقلِّ عن توجيهات إدارة الأسديْن الأب والابن في دمشق، ولا سيّما بعدما ساهَم المنتفضون إلى حدّ كبير في رفْع ما لحَق بالعديد من الشخصيّات الوطنيّة اللبنانيّة من ظُلم خلال مرحلة الوصاية، الأمر الذي ما لبث أن تجلّى لدى عودة الجنرال ميشال عون من منفاه الباريسيّ في الـ”هوت ميزون” وإطلاق سراح رئيس “حزب القوّات اللبنانيّة” سمير جعجع من سجنه في منطقة اليرزة، علمًا أنّ الفرحة في بناء الوطن الموحَّد والمستقلّ لم يُقدَّر لها أن تكتمِل في نهاية المطاف، وذلك لأسباب جوهريّة عدّة.

كانت اهم الأسباب، الدعوة التي وجّهها الأمين العامّ لـ”حزب الله” حسن نصر الله لأنصاره من أجل تنظيم تجمُّع شعبيّ حاشِد في “ساحة رياض الصلح” وسط بيروت تحت شعار “الوفاء لسوريا”، وهي الدعوة التي جرَت رياحها بما لا تشتهيه سفن المنتفِضين في “ساحة الشهداء”، وعكسَت حجم الشرخ في التركيبة السياسيّة للمجتمع اللبنانيّ، وأدّت في المحصِّلة النهائيّة إلى انقسام البلد بين معسكريْن متنافسيْن أحدهما بات يُعرَف اعتبارًا من ذلك العام بـ”قوى الثامن من آذار” والآخَر بـ”قوى الرابع عشر من آذار”.

الترهيب بالتفجير

ومع الأخذ في الاعتبار مسبَّقًا أنّ النصف الملآن في كأس هذا الانقسام كان يمكن أن يُجسّد في بعض تجلّياته حالة صحّيّة من شأنها أن تُعيد للبلد عافيته وفقًا لمعايير العلاج التي تقتضيها عادة مركَّبات التنافُس الديموقراطيّ على قاعدة الموالاة للأكثريّة والمعارَضة للأقلّيّة المعمول بها في مختلف دول العالم الحرّ، فإنّ ظهور النصف الفارغ من هذا الكأس على شاكلة عُبوات ناسِفة وسيّارات مفخَّخة وعمليّات اغتيال، سرعان ما أعاد لبنان على الفور إلى الأجواء العصيبة التي رافقت “حرب السنتين” بين عاميْ 1975 و1976 وما تلاها من حروب على مدى السنوات التالية.

ولا سيّما أنّ الفصل الجديد من مسلسل العنف كان قد بدأ وقتذاك يوم التاسع عشر من شهر آذار (مارس) عام 2005، أيْ بعد مرور شهر ونيِّف فقط على عمليّة اغتيال رفيق الحريري، وذلك عندما أُصيب أحد عشر شخصًا بجروح جرّاء انفجار سيّارة مفخَّخة في منطقة الجديْدة شمال بيروت، قبل أن يأتي يوم الأوّل من شهر نيسان (أبريل) لتنفجر عبوة ناسفة في أحد المراكز التجاريّة في بلدة برمّانا الجبليّة شرق بيروت وتُسفر عن إصابة تسعة أشخاص بجروح، ومن ثمّ يوم الثالث والعشرين من الشهر نفسه ليتعرّض مركز تجاريّ آخَر في منطقة الكسليك شمال بيروت لاعتداء تفجيريّ أودى بحياة ثلاثة أشخاص وأسفر عن إصابة ثلاثة آخَرين بجروح، وبالتالي، لتتعرّض مدينة جونية شمال بيروت أيضًا لاعتداء تفجيريّ آخَر يوم السادس من شهر أيّار (مايو) أسفر عن إصابة اثنين وعشرين شخصًا بجروح.

هو الفصل الجديد الذي سرعان ما أدّى إلى ظهور قناعة مفادها أنّ إدارة الرئيس بشّار الأسد كانت ترغب في “الانتقام من لبنان ثأرًا لانسحاب قوّاتها غير المشرِّف ولاتّهام أجهزتها الأمنيّة بالضلوع في تنفيذ جريمة اغتيال رفيق الحريري”.

بين التفجيرات والاغتيالات

وربّما كانت جريمة اغتيال الزميل الصحافيّ سمير قصير يوم الثاني من شهر حزيران (يونيو) عام 2005 في منطقة الأشرفيّة شرق بيروت أُولى الدلالات إلى “النوايا الانتقاميّة السوريّة”، نظرًا لأنّ الزميل الراحل كان من بين أبرز المعارضين للدور الذي لعبته سوريا في لبنان، الأمر الذي ينطبق على جريمة اغتيال الأمين العامّ السابق للحزب الشيوعيّ اللبنانيّ جورج حاوي يوم الحادي والعشرين من الشهر نفسه التي جاءت لتقطع ما بين الشكّ وما بين اليقين بالنسبة إلى هذه النوايا.

ولا سيّما أنّ الراحل حاوي كان قد كشف قبل أيّام قليلة من اغتياله عن تفاصيلَ في غاية الأهمّيّة حول الوسائل الترهيبيّة التي كان المسؤولون الأمنيّون السوريّون يستخدمونها ضدّ القيادات اللبنانيّة خلال مرحلة الوصاية.

فضلًا عن أنّ الدلالات إلى شراسة تلك النوايا سرعان ما توالت الواحدة تلو الأخرى خلال ذلك العام، بدءًا من يوم الثاني عشر من شهر تمّوز (يوليو) عندما أُصيب وزير الدفاع اللبنانيّ الياس المرّ بجروح جرّاء انفجار سيّارة مفخَّخة استهدفت موكبه، الأمر الذي أودى بحياة شخص واحد وأسفر عن إصابة تسعة آخرين بجروح، مرورًا بيوم السادس عشر من الشهر نفسه عندما انفجرَت عبوة ناسِفة في منطقة الجعيتاوي وأسفرت عن سقوط شخص واحد وإصابة ثمانية وعشرين آخرين بجروح.

ومن ثمّ بيوم الثاني والعشرين من الشهر نفسه أيضًا عندما أدّى انفجار وقَع في أحد الشوارع السياحيّة في منطقة الأشرفيّة إلى إصابة اثنيْ عشر شخصًا بجروح، ووصولًا إلى يوم الثاني والعشرين من شهر آب (أغسطس) الذي سُجِّل فيه انفجار آخَر في سوق تجاريّ في منطقة الزلقا أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص بجروح، قبْل أن تُسجَّل محاولة الاغتيال الثانية التي استهدَفت أرواح الصحافيّين بعد سقوط الراحل سمير قصير ونجَت منها بأعجوبةٍ الزميلة (الوزيرة السابقة) مي شدياق بعد إصابتها بجروح بالغة جرّاء تفجيرِ عُبوة ناسِفة داخل سيّارتها يوم الخامس والعشرين من شهر أيلول (سبتمبر) عام 2005.

بينما لم يُقدَّر للنائب اللبنانيّ ورئيس مجلس إدارة صحيفة “النهار” العريقة جبران تويني أن ينجو من جريمة الاغتيال التالية بحقّ الصحافيّين، فسقَط ضحيّة جرّاء انفجار سيّارة مفخَّخة في منطقة المكلِّس شرق بيروت يوم الثاني عشر من شهر كانون الأوّل (ديسمبر) من العام نفسه، وهو اليوم الذي تسلَّم فيه مجلس الأمن الدوليّ التقرير الثاني لرئيس لجنة التحقيق الدوليّة في جريمة اغتيال رفيق الحريري المحقِّق ديتليف ميليس.

قائمة الشهداء

وفي أعقاب طيّ الورقة الأخيرة من روزنامة عام 2005 باغتيال الراحل جبران تويني، قضى نائب لبنانيّ آخَر اغتيالًا يوم العشرين من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2006 هو بيار أمين الجميل الذي كان يشغل منصب وزير الصناعة، كما قضى نائبان آخَران هما وليد عيدو الذي اغتيل يوم الثالث عشر من شهر حزيران (يونيو) عام 2007 عن طريق تفجير سيّارة مفخَّخة في منطقة الروشة غرب بيروت، والنائب أنطوان غانم الذي اغتيل بالطريقة نفسها في منطقة سنّ الفيل شرق بيروت يوم التاسع عشر من شهر أيلول (سبتمبر) من العام نفسه.

وهو العام الذي لم يكد يطوي آخِر صفحاته حتّى صحا اللبنانيّون على نبأ جريمة اغتيال مدير العمليّات في الجيش اللبنانيّ العميد الركن فرانسوا الحاج يوم الرابع عشر من شهر كانون الأوّل (ديسمبر)، قبْل أن يستهدِف مسلسل الاغتيالات لاحقًا كلًّا من مسؤول وحدة التنصُّت في فرع المعلومات في وزارة الداخليّة النقيب وسام عيد وخمسةٍ آخرين يوم الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) عام 2008، ورئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخليّ اللواء وسام الحسن يوم التاسع عشر من شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) عام 2012، ومن ثمّ وزير الماليّة الأسبق والمستشار السياسيّ والاقتصاديّ محمد شطح يوم السابع والعشرين من شهر كانون الأوّل (ديسمبر) عام 2013.

الخاتمة

ولعلّ هذا المسلسل الدمويّ إنْ دلّ في مختلف تجلّياته وإرهاصاته وأبعاده إلى شيء، فهو يدلّ إلى الانكشاف التامّ للساحة الداخليّة اللبنانيّة أمام آلة الموت التي ما زالت تفتّش بنهَمٍ شديدٍ عن المزيد من الضحايا، على غرار ما حدث في كارثة انفجار نيترات الأمونيوم داخل مرفأ بيروت يوم الرابع من شهر آب (أغسطس) عام 2020 أو ما حدث مؤخَّرًا لدى اغتيال الناشط السياسيّ المعارِض لـ”حزب الله” لقمان سليم يوم الرابع من شهر شباط (فبراير) عام 2021 الجاري، وهو الانكشاف الذي يترافق هذه المرّة مع واحدة من أكثر الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والوجوديّة مرارة وصعوبة وتعقيدًا في تاريخ لبنان.

رابط نشر مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=74236

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...