داعش والجهاديوندراسات

دور شبكة الانترنت بالترويج للجماعات الإرهابية

كتب، الدكتور نصيف جاسم

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الجزء الأول 

بظهور ظاهرة العولمة أو الكونية ، والتي تعني جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدودية إلى اللامحدودية ، وتوسيع دائرته لكي يشمل العالم ، أدى انتشار شبكة الانترنيت إلى انفتاح اعلامي ومعلوماتي عالمي، متجاوزًا حدود الزمان والمكان التي تقلصت اعلاميًا في وقت تداخلت فيه المصالح السياسية والايديولوجية والاقتصادية، وتعذر معه منع تلك التدخلات ، فزاد بذلك الانفتاح على العالم .

وأحدث الانترنت تغييرًا في العمل الاعلامي حينما شرعت الصحف والمحطات الاعلامية العالمية بأنشاء المواقع على الشبكة العالمية، فسعت بذلك إلى نقل الاخبار والمعلومات بعمق إلى الجماهير، ولا يقتصر نشر الخبر في الانترنت على إعادة تقديم المحتوى المقدم في الصحف ، بل زاد الأمر إلى استغلال خصائص الانترنت السمعية والبصرية بشكل واسع .

الشبكات الاجتماعية هي مصطلح يشير إلى تلك المواقع على شبكة الانترنت، والتي ظهرت مع ما يعرف بالجيل الثاني للويب (web2) ، حيث تتيح التواصل بين مستخدميها في بيئة مجتمع افتراضي يجمعهم وفقًا لاهتماماتهم أو انتماءاتهم، يتم ذلك عن طريق خدمات التواصل المباشر كأرسال الرسائل أو المشاركة في الملفات الشخصية للأخرين ، والتعرف على اخبارهم ومعلوماتهم، التي ينتجونها للعرض، وتتنوع اشكال وأهداف تلك الشبكات الاجتماعية فبعضها عام يهدف إلى التواصل العام، وتكوين الصداقات حول العالم، وبعضها الأخر يتمحور حول تكوين شبكات اجتماعية في نطاق محدود ومنحصر، في مجال معين .

لم يكن الهدف من شبكة الانترنت في البداية اعلاميًا، بل كانت ذات مقاصد عسكرية- استخباراتية، ثم تحولت إلى المعلومات أكاديميًا ثم اقتصاديًا، الهادفة إلى الخدمة العامة، حتى اصبحت أنموذجًا في تاريخ البشرية كتقنية اتصالات حديثة لملايين من المستخدمين وفي مجالات متعددة .

تعتبر شبكات التواصل الاجتماعي ، هي الاكثر انتشارًا على شبكة الانترنت، لما تمتلكه من خصائص تميزها عن المواقع الالكترونية، مما شجع متصفحي الانترنت من كافة انحاء العالم للاقبال المتزايد عليها، في الوقت الذي تراجع فيه الاقبال على المواقع الإلكترونية ، وبسبب غريزة الاجتماع لدى الفرد جعلته يسعى دائمًا إلى التعرف إلى الاخرين، من خلال الحديث اليهم ومحاولة التعرف عليهم، حيث أن الاستمالة بالدردشة بالكمبيوتر تساهم في خلق السلوك القبلي عبر الانترنت لدى الفرد، كما يسميها (جانيسب بليدل(launisplecdel))  فشبكات التواصل الاجتماعي الرقمية، كما يقول بليدل: (( ليست تجاور مجموعة أفراد معزولين، وإنما هي هيكل اجتماعي حقيقي يستند إلى تماسك اعضائه عبر مستوين:

 الأول: داخل الجماعة من خلال المشاركة في استخدام اللغة والرموز، الحالات العاطفية.

الثاني: بالمقابل مع العالم الخارجي ، من خلال المنطق المانوي (Manichenne) حيث يتواجه النقيضان((هم)) و ((نحن)) .

فشبكات التواصل الاجتماعية ، قد اتاحت مجال واسعًا ، أمام الإنسان للتعبير عن نفسه ومشاركة مشاعره وأفكاره مع الآخرين، خاصة وأن هناك حقيقة علمية ، وهي أن الإنسان اجتماعي بطبعه وبفطرته يتواصل مع الآخرين ولا يمكن أن يعيش في عزلة عن أخيه الإنسان، فهي ليست بمعزل عن الواقع ، كما كان الاعتقاد السائد عنها، كونها عالمك الافتراضي تحكمه أطر وقوانين بعيدة عن الواقع المعاش، بل أنها على العكس من ذلك اصبحت تعكس واقعنا بشكل كبير وواقعي، حتى أوضحت انعكاسًا للمجتمع بكل تفاصيله اليومية وتلعب دورًا مهمًا في كافة المجالات، الاقتصادية ، السياسية، الاجتماعية ، الاعلامية…الخ، وبات تأثيرها واضحًا على الفرد والمجتمع على حد سواء.

ويوجد حاليًا على الانترنت أكثر من (400) موقع شبكات اجتماعية، التي أحدثت تغيرًا كبيرًا على قواعد حرية النشر والتعبير، وتدعيم الفكر الديمقراطي، حقوق الإنسان ، وغيرها من المفاهيم ، حتى أصبح ثلثي سكان العالم يستخدم الانترنت.

تظهر المضامين التي ينتجها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي، على المواقع الاعلامية وغيرها في عدة اشكال، منها: مقاطع الفيديو، وقصاصات الصور، والقصص الاخبارية ، والتنبيهات الاخبارية، والملفات والصور، والافلام التي يتم تبادلها فيما بينهم، والتعقيب على المقالات والصور والافلام والمدونات والبودكاست والمواقع العامة التي تقوم على مشاركات جماعية والويكيز (wikis) ، والتويترز (Twilters)، والمصادر ذات المساهمات المفتوحة مثل الويكبيديا، واليوتيوب، وحجرات النقاش، وجماعات الاخبار…الخ.

وللمضامين التي ينتجها المستخدمون، أهمية كبيرة في العمل الاعلامي،فهي تزود المؤسسات الإعلامية بمصدر ثري من المعلومات والأخبار ، يقوم بإنتاجها فريق عمل جماعي تطوعي ، ومشاركة المعلومة والخبر والصورة مع الآخرين ، كما تفيد هذه المضامين في  تشكيل رأي عام جماعي فاعل ونشط .

وتبرز أهمية هذه النوعية من المضامين في أوقات الأزمات والكوارث والأحداث الكبرى، وكذلك في الحالات التي تفرض فيها السلطات حظرًا على وسائل الأعلام التقليدية ، بالإضافة لذلك فهي توفر مضامين صادرة عن مصادر مستقلة لا تنتمي غالبًا لجهات تجارية أو سياسية أو متحيزة لجهة معينة دون غيرها، فضلاً عن قلة الجهد المبذول في إنتاجها بفعل مساعدة أجهزة الكومبيوتر في جمع مادتها وتحريرها وإرسالها وتخزينها واسترجاعها بسرعة وسهولة وبتكلفة يسيرة.

تميز أعلام وسائل التواصل الاجتماعي ، بأنه أعلام متعدد الوسائط المعلومات يتم عرضها في شكل مزيج من النص والصورة والفيديو ، مما يجعل المعلومة أكثر قوة وتأثيرًا، هذه المعلومات هي معلومات رقمية يتم أعدادها على منصة الكومبيوتر وشبكاته ، وما ينتج عن ذلك الاندماج من تغير انقلابي للنموذج الاتصال التقليدي ، بما يسمح للفرد العادي إيصال رسالته عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، إلى من يريد في الوقت نفسه وبكل الاتجاهات ، وهذا ما أعطى للفرد والجماعة وعبر شبكات التواصل الاجتماعي مواقع ، الفرصة للتعبئة السريعة حول قضايا محددة وتجاوز حدود الزمان والمكان.

شكل دخول الانترنت وإنشاء مواقع التواصل الاجتماعي ، وسهولة التعامل بها من قبل جميع المواطنين، دون رقابة أو فرض سيطرة محدودة، أو حكر على جهة دون أخرى ، أو شخص دون آخر ، سهولة التخفي لإجراء الاتصال وجمهور مستهدف كبير، إمكانية نقل النصوص والصوتيات والمرئيات بسهولة من خلالها، هذه الخصائص التي ميزت التواصل الاجتماعي، أدت إلى الإقبال عليها واعتبارها وسيلة اتصال أكثر شعبية وتأثيرًا على الفرد والمجتمع ، فأصبحت المواجهات الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، تأخذ حيزًا كبيرًا بهدف إحداث التأثير من خلال الإرهاب والتخويف والتهويل والتضليل المعلوماتي.

لقد أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي إلى حد كبير وفعال ، في تغيير أنساق الحروب النفسية التقليدية، والخروج بها إلى الفضاء الافتراضي لتحقيق أهداف أوسع وأكثر عمقًا، في أطار تغير هذه المفاهيم التي جعلت القناة المعلوماتية آلة فاعلة في هذه الحروب وسخرت لخدمتها مفاهيم علم النفس والاجتماع وتقنيات المعلومات والاتصالات لبلوغ أهدافها والتأثير في الوعي الإنساني.

أولى الحروب النفسية الالكترونية ، كانت في حرب(كوسوفو) ، والتي لجأت إليها الأطراف المتصارعة كنوع من الأسلحة المكملة هدفها التأثير في العدو ، وبث البلبلة في صفوفه، واختراقه نفسيًا، حيث كانت هذه الحرب الأولى في هذا المجال، وأطلق عليها الحرب السيكولوجية الالكترونية، أو الحرب النفسية الالكترونية، التي  أثبتت فعالية الانترنت كسلاح دعائي في الحرب النفسية كما هو في السلم ، وأعطت للطرح بُعدًا آخر.

فالحرب النفسية هي نشاط اتصالي تمارسه الدول المستعمرة ، وذات السلطة ضد الدول والجماهير المستضعفة باستخدام تكنولوجيا الاتصال الحديثة من بث فضائي وانترنت بخدماته المتنوعة ، بهدف التأثير وإثارة الخوف بالجمهور المستهدف ، من خلال ما تبثه من معلومات مضخمة أو بث سيل ضخم من المعلومات تؤدي إلى أرباك الآخر وتشويشه.

وهذا ما شجع الحركات الإسلامية من استخدام الانترنت ليس باعتباره فضاء افتراضيًا يتجاوز كل الحدود ويتحايل على تضييق الحكومات ، بل وسيطًا واقعيًا يمكنها من نشر معلوماتها ومعطياتها ، ومن نشر بياناتها ومواقعها ، ومن ترويج أفكارها ، بكل حرية دون رقابة، ومنبرًا حقيقيًا للتحايل على المنبر الحقيقي الذي تمنعه الدول والحكومات على هذه الحركات ، وأن تلك الحركات الإسلامية استطاعت أن تخلق خطاب حول ((أمة إسلامية موحدة)) على أنقاض خطاب((الاسلام الرسمي)) ، مما جعل لها مد جماهيري واسع.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق