الإستخباراتدراساتمكافحة الإرهاب

خمسة دروس في إستراتيجية مكافحة الإرهاب تجاهلتها إدارة ترامب. ترجمة محمد الصالح جمال

اقرأ في هذا المقال

  • المشكلة أنه على الرغم من أن البرامج تحظى بشعبية كبيرة ، بما في ذلك في كابيتول هيل ، إلا أنه لا يوجد دليل يذكر على أن الخطابات المضادة فعالة في الحد من خطر التطرف العنيف. الواقع أن البحوث المتاحة لا توحي بأن الدعاية الإرهابية على الإنترنت هي العامل المسبب للعنف المتطرف. و قد خلصت دراسة أجراها البرلمان الأوروبي مؤخرا عن الخطابات المضادة إلى أن " المفهوم نفسه متأخر إلى حد ما و يفتقر إلى أسس شاملة في البحوث الإمبريقية ". علاوة على ذلك ، تعتمد البرامج الحالية القائمة على مقاييس مشكوك فيها و أسس تجريبية محدودة ، و تفتقر إلى نظرية واضحة تماما لدعم تأثيرها ، وكثيرا ما تفشل في التفريق بين التطرف والتجنيد والعنف. نتيجة لذلك ، خلصت الدراسة المذكورة إلى أنه " ثمة حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث في هذا المجال و إلى رصد و تقييم فعال للمشاريع الحالية المتعلقة بالخطابات المضاد لكي يتسنى ضمان استخلاص الدروس". مع ذلك ، و بدلا من كسر دواسة " الخطاب المضاد " ، يبدو أن البيت الأبيض قد داس على الفراغ.

ترجمة : محمد الصالح جمال ـ أستاذ العلوم السياسية – جامعة 8 ماي 1945 – الجزائر

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

By Eric Rosand -Brookings

في أكتوبر 2018 أبان البيت الأبيض عن الإستراتيجية القومية لمكافحة الإرهاب ، و هي الأولى منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر. كان التعليق الأولي مجاملا إلى حد كبير ، أو محايدا في أسوا الأحوال ، حيث إطمأنّ البعض بأن الوثيقة لم تتضمن خطابا شعبويا مناهضا للمسلمين و المهاجرين من طرف ترامب . بدلا من ذلك ، فإنه يعكس المزيد من الإستمرارية مع الإدارات السابقة أكثر مما كان متوقعا.

من بين الجوانب المذكورة ، إدراج مسألة الإرهاب المحلي ، التركيز على تعزيز شراكات مكافحة الإرهاب مع مختلف دول العالم ، التركيز على برامج التدخل و إعادة التاهيل و إعادة الإدماج ، التعهد بالعمل مع المجتمع المدني والجهات المحلية الفاعلة الأخرى.

مع ذلك ، فإن الإستراتيجية ألقت الضوء على مسألة “كيف”-أنه لا توجد إشارة عن فكرة ، مثلا ، تقسيم العمل بين العشرات من الوحدات و الوكالات الحكومية الأمريكية ذات الصلة بقضية مكافحة الإرهاب ، و تورِد القليل عن المزايا النسبية للحكومات الأجنبية المحتملة والشركاء متعددي الأطراف في قضية مكافحة الإرهاب.

على الرغم من أن الإستراتيجية تعكس أحد الدروس الهامة المستفادة من السنوات السبعة عشر الماضية من العمل على مكافحة الإرهاب ، إلا أن العمليات العسكرية والإستخباراتية ، بمعزل عن غيرها ، لا تنهي الحركات الإرهابية ، و أن الجهود التكميلية (والمعززة) التي يقودها المدنيون مطلوبة-فانها تعطي حلا قصيرا لعدد منها بنفس القدر.

الدرس الأول : إن أنجع إستراتيجية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف هي تلك التي تتجنب الرد العنيف ، التراجع عنه ، وغيرها من العواقب غير المقصودة من خلال السياسات و الممارسات التي تحمي الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.

على مدى العقدين الماضيين تقريبا-سواءا في مصر أو كينيا أو نيجيريا أو الفلببين أو اليمن أو في أي مكان آخر-و كما أكدت الدراسات المتتالية ، أن التكتيكات العنيفة في مكافحة الإرهاب خلقت مظالم جدّية ضد الدولة وقواتها الأمنية ، ما يؤدي إلى تقويض الجهود المستقبلية وتقليص قدرة المجتمع على الصمود ضد التطرف العنيف. في الواقع أن البيانات المتعلقة بدوافع دعم الإرهاب والتطرف العنيف واضحة : يشكل العنف الممارس من طرف الدولة ضد مواطنيها واحدا من أكثر العوامل التي تدعم فكرة المنظمات الإرهابية أو المتطرفة العنيفة. و تعد وحشية الشرطة المفرطة و الروتينية من بين المصادر الرئيسية لخلق المظالم داخل المجتمعات المحلية التي تستغلها الدعاية المتطرفة العنيفة.

أضافة إلى العنف نفسه ، فإن التعريفات الفضفاضة للإرهاب أو التطرف العنيف-لا سيما في الشرق الأوسط وشمال افريقيا و افريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، ولكن بصوره متزايدة في الفضاء الشمالي من خريطة العالم- كثيرا ما تستخدم لتجريم الأنسطة المشروعة لجماعات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان. مرة أخرى ، يمكن أن يولّد ذلك مظالم ضد الحكومة يستغلها المجندّون الإرهابيون. كما أنه يولّد تحديات في بناء الشراكات مع الجهات الفاعلة على مستوى المجتمع المحلي التي تعترف الإستراتيجية بأنه بالغ الأهمية لمنع التجنيد المحلي والتطرف و التصدي للإرهاب.

علاوة على ذلك ، فإن الاستراتيجية الجديدة لا تشير إلى مسألة حقوق الإنسان: الأبعد من ذلك هو الدعوة إلى ضمان قيام البلدان الشريكة بتنفيذ عملياتها لمكافحة الإرهاب “بصورة فعالة وعادلة”. وهذا يمثل إبتعادا حادا عن سياسات و خطابات الإداره السابقة والنهج الذي يبدو أكثر ملاءمة لموسكو من واشنطن.

الدرس الثاني : تجنب عدسة الأمان الضيقة وقصيرة الأجل لوصف الدول بأنها “جيدة” كشركاء في مكافحة الإرهاب ، بينما يتم التغاضي عن إنتهاكات حقوق الإنسان وسوء الإدارة ، أو علي الأقل الاعتراف بالتوترات القائمة في التنمية ، ناهيك عن الحفاظ على الشراكات الامنية مع دول مثل مصر وباكستان والفلبين و المملكة العربية السعودية.

يبدو أن الأولوية في الإستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب تقوم على الكمّ ، مقارنة بنوعية الشركاء ، و هو أمر لا يثير الإستغراب بالنظر إلى أن من بين الأهداف هو الحد من الإعتماد على الساعدات التي دأبت الولايات المتحدة الأمريكية على تقديمها.

يتضح أن دعوة ” شركائنا القادرين والمزودين بموارد جيدة لزيادة دعمهم للبلدان التي تفتقر إلى الموارد والقدرات ” تشير إلى البلدان الغنية في الخليج لتحمل المزيد من أعباء مكافحة الإرهاب-وهي إشارة تنذر بالخطر الذي يحوم حول مناصري مسألة حقوق الإنسان.

الدرس الثالث : أهمية معالجة الظروف أو المظالم الاساسية التي يمكن أن تؤدي إلى الإرهاب و التطرف العنيف في المقام الأول. ذلك يشمل التحديات المتعلقة بالحوكمة مثل الإغتراب و تهميش العديد من السكان في مختلف أنحاء العالم ، وقضايا عدم المساواة ، بما في ذلك قضايا نوع الجنس ، التي تسببت في هجمات في أماكن متنوعة مثل بلجيكا وفرنسا والعراق ومالي نيجيريا وتونس.

على الرغم من أن الوثيقة تذكر الحاجة إلى تخفيف الظروف في حالات قليلة ، إلا أنها لا تقدم أي نظرة ثاقبة على ما قد تكون عليه تلك المظالم ، و تشير إلى أن الولايات المتحدة لن تعمل إلا ” مع المعنيين المحليين والمجتمع المدني للتخفيف من حدتها “. هذا ، بطبيعة الحال ، يترك الدور الحاسم الذي تؤديه الحكومات الوطنية أحيانا في توليد المظالم ( الهيكلية بصفه خاصة )-مثل عدم المساواة أمام القانون ، و الإقصاء الإقتصادي والسياسي ، والتهميش ، و مسألة الحوكمة وغياب الثقة ، والفساد ، وعدم التكافؤ في تخصيص الموارد وتقديم الخدمات- تسببت في إرتفاع مستويات التطرف العنيف.

الدرس الرابع : إن التدخلات الرامية إلى منع التطرف العنيف ومكافحته-أو ماهية الإستراتيجية التي يبدو أنها تعادل “مكافحة تطرف الإرهابيين وتجنيدهم” أو “الوقاية من الإرهاب”- كثيرا ما تحددها الإعتبارات السياسية وغيرها ، مما يؤدي إلى تفضيل التدابير و الإجراءات القصيرة الأجل لتفادي المخاطر ، إستنادا إلى إفتراضات بدلا من الأدلة. الخطابات المضادة ، التي مثلت أولوية بالنسبة للإستراتيجية الجديدة ، تعتبر مثالا واضحا عن هذه المقاربة المعيبة.

بالنظر خاصة إلى الإمكانيات الإعلامية المتطورة لتنظيم “الدولة الإسلامية” و نشر المحتوى الرقمي السّلس للتعجيل بالتجنيد ، إستثمرت الولايات المتحدة وغيرها من الجهات المانحة بشكل كبير في تحليل الخطابات المضادة و غيرها من البرامج التواصلية. ينطوي ذلك عادة على تحديد منظمات المجتمع المدني المحلية-وغالبا ما يكونون من الشباب أو النساء أو الزعماء الدينيون الذين يتمتعون “بمصداقية” في المجتمع المعني- و تزويد هذه الجهات الشعبية الفاعلة بالمعلومات و المهارات التقنية اللازمة لتطوير حملات التواصل التي غالبا ما تركز على تطوير وتقديم “خطاب مضاد” أو “رواية بديلة”. لذلك ، الإستراتيجية الجديدة تعيق هذه الجهود.

المشكلة أنه على الرغم من أن البرامج تحظى بشعبية كبيرة ، بما في ذلك في كابيتول هيل ، إلا أنه لا يوجد دليل يذكر على أن الخطابات المضادة فعالة في الحد من خطر التطرف العنيف. الواقع أن البحوث المتاحة لا توحي بأن الدعاية الإرهابية على الإنترنت هي العامل المسبب للعنف المتطرف. و قد خلصت دراسة أجراها البرلمان الأوروبي مؤخرا عن الخطابات المضادة إلى أن ” المفهوم نفسه متأخر إلى حد ما و يفتقر إلى أسس شاملة في البحوث الإمبريقية “. علاوة على ذلك ، تعتمد البرامج الحالية القائمة على مقاييس مشكوك فيها و أسس تجريبية محدودة ، و تفتقر إلى نظرية واضحة تماما لدعم تأثيرها ، وكثيرا ما تفشل في التفريق بين التطرف والتجنيد والعنف. نتيجة لذلك ، خلصت الدراسة المذكورة إلى أنه ” ثمة حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث في هذا المجال و إلى رصد و تقييم فعال للمشاريع الحالية المتعلقة بالخطابات المضاد لكي يتسنى ضمان استخلاص الدروس”. مع ذلك ، و بدلا من كسر دواسة ” الخطاب المضاد ” ، يبدو أن البيت الأبيض قد داس على الفراغ.

من بين أسباب إستمرار شعبية هذه المبادرات على الصعيد العالمي أنها تسمح بالتركيز على سلوك و إيديولوجية المتطرفين العنيفين-نقطه تركيز في الإستراتيجية الجديدة- و ليس على سلوك الحكومات تجاه مواطنيها والقضايا الهيكلية المولدة للمظالم في المجتمع. هذا من بين الأسباب التي تدعو إلى التركيز بشدة على الدور الذي تؤديه الايديولوجيا القادمة من خارج البلد أو المجتمع في التطرف العنيف ، مما يؤدي إلى إهمال العوامل الهيكلية و المادية و السيكولوجية. الإستراتيجية الأمريكية الجديدة تعزز ببساطة هذة المقاربة.

الدرس الخامس : الذي لا يظهر في الإستراتيجية الجديدة هو أن الجهود الرامية إلى منع و مكافحة التطرف العنيف تعمل بشكل أفضل عندما تقودها الجهات المحلية الفاعلة ، مثل البلديات والمدارس والمجتمع المدني لأنهم ” يعرفون السياق المحلي وما يحفز بعض الأشخاص على إرتكاب اعمال مروعة ” ، و أن إستعداد هذه الجهات المحلية الفاعلة للإنخراط في هذا المجال-و عمق مشاركتها- يرتبط إرتباطا وثيقا بكيفية صياغة المسألة و المصطلحات المستخدمة. و ينبغي إيلاء إهتمام دقيق لتجنب التلاعب بالجهات المحلية الفاعلة لأغراض أجندة عالمية لمكافحة الإرهاب.

إستراتيجية أمريكية جديدة جريئة تدعو الولايات المتحدة- دون ذكر الحكومات الأخرى (سواء كانت وطنية أو محلية) ، ناهيك عن الأمم المتحدة- لقيادة الجهود الرامية إلى إنشاء ” هيكل للوقاية من الإرهاب على الصعيد العالمي بمساعدة المجتمع المدني والشركاء من القطاع الخاص ، و قطاع الصناعات التكنولوجية ” الذي من غير المرجح ان يتردد صداه دون وجود الفاعلين المحليين الضروريين لخلقه ، ناهيك عن الحفاظ على مثل هذا الهيكل.

في النهاية ، فإن الإستراتيجية الجديدة أفضل كثيرا مما خشاه البعض – هناك إستمرار من الإدارتين السابقتين بالترحيب- و خبراء مهنة مكافحة الإرهاب على مستوى الحكومة الأميركية يستحقون بدون شك الكثير من الإمكانيات للتقليل من الضرر. مع ذلك ، و مع الفشل في تعلم خمية دروس هامة من السنوات السبعة عشر الماضية من ممارسة مكافحة الإرهاب ، فإن الاستراتيجية تبقي على القصور في عدد من الأساليب ، مما يقوّض فعاليتها.

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الإستخبارات

رابط المقال باللغة الانكليزية  https://en.europarabct.com/?p=46782

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=51700

اضغط على الرابط لقراءة التقرير الاصلي بالانكليزية

الدكتور محمد الصالح جمال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى