اختر صفحة

دراسات ما بعد المعركة ـ الحلقة السادسة،مناورات الدفاع. بقلم هشام العلي

فبراير 16, 2018 | دفاع

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

اعداد : هشام العلي، باحث متخصص في الدفاع والتسلح
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

ان المعركة المثالية هي التي تُربح قبل خوضها.. وذلك من خلال الاعمال التمهيدية التي ترجح الميزان لصالح القوات من خلال استغلال اخطاء العدو او تحفيزه لارتكبها حيث تاتي اهمية (المناورة) والتي هي في ابسط تعاريفها عبارة عن (حركة ممزوجة بالنار ومحكومة بالوقت تهدف بالاساس الى تجنب الاشتباك مع العدو لكنها تؤدي اخيرا الى اشتباك حاسم في صالح القوات القائمة بها).. وفي (دورة العمليات) تكون كل مناورة ناجحة هي مصدر لخلق الظروف لمناورة اخرى تكون الغاية الاساسية منها هي عدم استهداف النقاط القوية, حيث يتم التقرب الغير مباشر منها من خلال تهديدها وتدمير النقاط الضعيفة وخطوط الدفاع ونقاط المقاومة الاقل توقعا وبالتتابع..

وهنا تاتي اهمية (مناورات الدفاع) والتي يكون واجبها تهيئة ظروف المعركة الدفاعية وتفويت الفرصة على العدو للعمل بحرية مع تحفيزه على ارتكاب الاخطاء والسير وفق الخطة التي تم رسمها له والتحكم فيها قبل واثناء عمليات العدو التعرضية اضافة الى افشال خططه للمناورة..

ان المعركة التي تاخذ شكل الاشتباك المستمر تتحول الى مبارات مستعصية سجالية تشكل اختبارا للقوى وتؤدي الى الاستنزاف من دون نتائج حاسمة.. اضافة الى انها تكون مليئة بالمفاجئات التي تؤدي احيانا الى انتكاسات او كوارث.. ولذلك فان القائد المحترف هو من لا يورط نفسه في الصدام او الاشتباك الا بعد ان يهيء له الظروف التمهيدية الملائمة من خلال وضع خطط دفاعية تجعل الاشتباك ياخذ صفة (التصادف) وليس (الفرض).. وهنا ايضا تاتي اهمية (مناورات الدفاع) والتي هي عبارة عن معارك تعرضية يقوم بها المدافعون تهدف الى الاختراق والحصول على فسحة مناسبة للمناورة ليتم بعدها استثمار النجاح بهدف البدئ بعملية مناورات لتدمير تحشدات العدو وخططه للهجوم او التهديد ومن خلال مبدأ (تجنب الاشتباك) حيث تسمى مجموعة المناورات هنا بـ (دورة العمليات) كما نوهنا اعلاه..

حينما ننظر اليوم الى اساليب قتال القوات المشتركة نجد ان قوات النخبة المعروفة والتابعة لوزارتي الدفاع والداخلية هي وحدها من تستطيع العمل وفق مبادئ (دورة العميات, المناورات الدفاعية).. اما القوات الساندة وخصوصا تشكيلات الحشد فهي غير مؤهلة لخوض مثل هذه الفعاليات نظر لاسباب كثيرة من بينها (المهنية, التدريب, الانضباط..الخ) ما يجعل مناورات الدفاع تاخذ مستويات محدودة, وهو من اهم اسباب الوهن في الدفاعات العراقية والذي ينذر بالخطر في صفحة الدفاع الحالية.. وذلك ما يجعلنا نحاول ان نتناول الموضوع من خلال طرح بعض النقاط التوضيحية المتبوعة باسئلة ملحة يجب ان يجيب عليها القادة والمختصون.. ولنبدأ بالنقاط التالية والتي توضح اهمية المناورة في الدفاع:

1. ان تصميم المعركة الدفاعية يعتمد على عدت صفحات من اهمها (الاعاقة, التدمير, كسب الوقت) لكن يجب ان يسبقها انتهاز الفرص لاتنزاع المبادئة من خلال اجبار العدو على الاستجابة وفقا لخطة المدافعين اضافة الى ازعاجه الدائم, وهو امر مرهون بمناورات الدفاع .. لكن تكوين قرار المناورة حال بدئ هجوم العدو وعند الاشتباك معه ومحاولة تغيير واعادة توزيع القوات نسبة الى المعطيات الطارئة يعتبر مضيعة للوقت بما فيه من خطورة.. وهنا تاتي مناورات الدفاع الاستباقية والتي تعني القيام بهجمات ومناورات من قبل القوات الماسكة للارض والمكلفة بالدفاع وضمن الاستراتيجية الدفاعية لغرض الاحتفاظ بالمبادئة وازعاج العدو وجره الى حرب استنزاف تنهك قواته وتمتص اي زخم وتجهض اي قابلية للتحشد, ما يجعل الاستراتيجية الدفاعية فعالة ويوقف هجمات العدو وبالتالي يحقق مبدأ (وقف التهديد المعادي)..

من الملاحظ ان القوات المشتركة لم تكن تعمل بهذا الاسلوب قبل كارثة منتصف عام 2014م ما افقدها المبادئة لصالح العدو واعتقد ان هذا الوهن في الدفاعات العراقية كان السبب الرئيسي للكارثة والتي يتحمل مسئوليتها بالاساس رئاسة الاركان المشتركة ..

2. من مميزات المناورة في الهجوم والدفاع انها تساعد في عدم اظهار القوة الحقيقية والاحتفاظ بها لحين اجراء الاشتباك الحاسم, حيث يتم تكليف جزء من القوات الساترة لاجراء المناورة فيما يبقى القسم الضارب (وخصوصا المدرع) خارج اطار المعركة حتى سنوح الفرصة المناسبة او وقوع الاشتباك التصادفي او المدبر.. لكن المشكة التي تمثل التهديد الجدي لقواتنا المدافعة في الحرب النوعية الدائرة هي عدم تحدد العدو بقواعد الحركات التقليدية بسبب طريقة حرب العصابات وخواصها العامة والتي نوهنا اليها في بحث سابق, ما يجعل العدو اكثر قدرة وقابلية على المناورات الدفاعية والهجومية.. وهو التحدي الاكبر لقواتنا المشتركة التي تفقد القابلية على جمع المعلومات او التعرف على القوة الحقيقية للعدو اثناء عمليات التعرض والدفاع مهما بلغ تطور اجهزة المراقبة والتفوق الجوي.. وهنا يبقى السؤال الملح عن (البديل) والذي لم نجد له اجابة غير (مناورات الدفاع الاستباقية) كحل امثل لهذه المشكلة ..

3. تعتمد مناورات الدفاع اثناء هجمات العدو على مبدأ (دفاع القوة الموجهة) والذي يعني انسحاب او تحرك القوات الساترة في خطوط الطول والعرض لجر العدو من منطقة استنزاف الى اخرى حتى الوصول الى مرحلة (الاشتباك المدبر الحاسم) والذي يكون عادة في منطقة التدمير التي تحدثنا عنها في بحث سابق.. مشكة الجبهة الحالية انها تأخذ شكل العمق والتداخل وفي جبهة تتناثر فيها التجمعات السكانية بطبيعتها الديموغرافية المعروفة, ما يعني ان اي خطأ في تنفيذ هذا المبدأ قد يؤدي الى كارثة حقيقية.. وهنا نتسائل ما هو البديل؟..

4. حينما يطغي الاشتباك على المناورة تكون النتيجة عملية استنزاف كبيرة تنتهي دائما بالانهاك او الانهاك المتبادل مع ما يحمل من مفاجئات حاسمة تتسبب في انهيار الدفاعات, ولذلك يعطى للمناورة الدور الاكبر للمشاغلة والالتفاف ومراقبة الاهداف ومعالجتها بفعالية اكبر من الفعالية التي يوفرها الاشتباك وبوقت وجهد اقل.. لكن المشكلة ان العدو الحالي وبسبب صبغته العقائدية يصر على الاشتباك في احيان كثيرة بعد مناورات للمخادعة والمباغته ما يجعل محاولة التملص من الاشتباك معه تحتاج الى مستوى عالي من التخطيط والتدريب والانضباط..

5. يعتمد عمل العصابات على المناورة في الهجوم لصعوبة الاختراق الجبهوي فتتعرض قواتنا الى اعمال مناورة الاحاطة من الجانب.. وفي مراحل معينة تصبح المناورة مترافقة مع الاشتباك حيث يتعاقبان او يتوحدان.. وفي كل الاحوال تبقى لمناورة الاحاطة فعالية حاسمة ضد قواتنا اذا تم تنفيذها بشكل اسرع من رد فعل القيادات او استيعابها للاحداث..

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة للمرونة وقابلية المناورة للتملص من مثل هكذا هجمات ومن ثم افشالها, والتي تعتمد بالاساس على الكفائة والمهنية والصلاحيات المتاحة..

6. في الحرب النوعية الدائرة وقبل كارثة منتصف عام 2014م اخذ الدفاع شكل العمق الانفتاحي الذي تتخلله التحصينات القوية للعدو وامكانياته في اجراء المناورات المتكررة والعنيفة.. حيث اخذت الحرب اسلوب الحصار والكمائن ومعارك الاختراق والتطويق والهجمات المقابلة والاشتباكات المدبرة والتصادفية.. وعند تحليل هذه العمليات ظهرت حالات فشل لقيادات القوات المشتركة في التمييز بين المناورة والاختراق والتدمير ما جعل دفاعاتنا تاخذ الشكل القنفذي ضمن مفهوم المقاومة الطويلة الامد..

حيث كانت ردود افعال المدافعين انية لصد هجمات العدو فحسب, ثم اصبحت تتوقف بسبب الارهاق او الاحباط فتنتهي باعادة تاسيس جبهة دفاعية جديدة اضطرارية لا تلبث ان تنهار بعد مدة قصيرة في مواجهة هجوم جديد.. هذا ما حدث قبل كارثة منتصف عام 2014م والذي لا يمكن القبول بحدوثه مجددا..

7. تعتمد المبادئة والاحتفاظ بها على المناورة من خلال السعي لتحقيق الهدف وجعل ردود افعال العدو مرتبطة بها .. وهنا يجب التنويه الى انه مجرد السماح للعدو ببدئ الاعمال التعرضية ضدنا هو تخلي عن المبادئة, حيث يكون من الصعب جدا استعادتها لكون العدو سوف يحاول الاحتفاظ بها بكل ما يمتلكه من قوة.. وعليه ففي الدفاع يمكن الاحتفاظ بالمبادئة من خلال العمليات التعرضية للقطعات الساترة بشرط ان تكون قد اختارت احتلال مناطق حيوية تصلح للمناورة والرصد والمتابعة..

لكن هل يمكن للقطعات الساترة من غير قوات النخبة الحالية ان تقوم بمهمة مناورات الدفاع ؟..لكي نجيب على هذا السؤال يجب ان ننظر الى (تاليف القطعات الساترة, طبيعة الارض التي تقاتل عليها العدو, اساليب قتال العدو, نوع الاسلحة, القابلية على الاستطلاع, الاحتياط, التدريب, القوة النارية, القيادة الكفوءة) علما ان الواجب الاساسي للقطعات الساترة هو التعويق وجمع المعلومات ومسك الارض فحسب, لكن من الممكن الاعتماد عليها في مناورات الدفاع من خلال تحقيق نتائج مرضية في المجالات اعلاه.

8. تعتمد حرب المناورات على التركيز على تدمير اكبر ما يمكن من المدرعات والاليات بين الطرفين, واعتقد ان القوات المشتركة اصبحت متفوقه في مجال الغطاء الجوي واسلحة مقاومة الدروع بما لها من تاثيرات تصب في صالح المدافعين في الحرب ما يمنحها احد عناصر التفوق في مجال المناورة..

9. عادة تكون المناورة من قبل وحدات صغيرة فيما يبقى القسم الاكبر للدروع في العمق تحسبا لاسوأ النتائج, وهنا تتعرض تلك القوات الصغيرة دائما الى التطويق من قبل العدو الذي يتفوق علينا في مجال المناورة بسبب خواص حرب العصابات المعروفة.. كما انه حينما تصطدم قوات المناورة في اشتباك تصادفي او مدبر من قبل العدو من المرجح ان يقوم العدو بزيادة وتيرة التقدم نحو المواضع الدفاعية تاركا قسما من قواته لمشاغلة القوات المشتبكة ما يؤدي في احيان كثيرة الى التطويق من قبل العدو, وهو ما يجعل قواتنا بحاجة الى اتقان (قتال المنعزلين) كونه ضروري جدا في اجراء مناورات الدفاع..

10. ان الاصرار على التشبث الدائم بالارض ومنع الحركة للخلف تشل (فن العمليات) والذي يعتمد اساسا على الحركة.. فيما ان الانسحاب بلا خطة للعودة يعتبر هزيمة.. وهنا تاتي ايضا اهمية المناورة وخطورتها..

بعد هذا العرض يجب ان نسأل انفسنا دائما عن عوامل الوهن في الدفاعات العراقية وفعاليات المناورة قبل الكارثة, واستنادا على افادات المقاتلين ممن عايشوا تلك الفترة ومن مختلف الرتب والاختصاصات وضمن دراسات ما بعد المعركة والتي نحن بصددها الان.. هل كانت صفحة المناورة منفصلة عن المعركة ام انهما متلازمتين؟ هل كان يجب ان تسبق المناورة الاشتباك او تسبق المعركة برمتها او بالعكس؟ هل كان الهدف من المناورة هو جلب قوة متفوقة الى الاشتباك او نقل القوات الى الارض الملائمة؟ هل كان بامكان المناورة تثبيت العدو في حدود معينة من اجل تسهيل المعركة التعبوية ام كان دورها اكبر؟

هل ادت المناورة الى حث العدو على التفرق او التخلي عن خططه؟ هل نجحنا من خلال المناورة في احاطة العدو او جعله يخوض المعركة بجبهة عكسية؟ هل تنجم احيانا حالة من التوتر بين الوحدات المكلفة بالمناورة وكيف يتم امتصاصها وهل يضع القادة هذه المشكلة والحلول اللازمة لها نصب اعينهم عند وضع خطة المناورة؟ هل القادة على استعداد دائم للموازنة بين متطلبات المناورة من الامور الادارية واللوجستية وسرعة رد الفعل والحركات؟

حينما يتعرض تشكيل مكلف بالمناورة الى اشتباك تصادفي هل هو على استعداد لاكمال صفحة المناورة المكلف بها من خلال اعادة التنظيم فور انتهاء الاشتبك مع ضرورة تعديل الخطة استنادا على المعطيات الجديدة التي فرضها الاشتباك؟ ام ان خطة المناورة المكلف بها سوف تتوقف برمتها ما يدعو الى اعدة التنظيم لكافة القطعات المكلفة بدورة العمليات؟

وفي نفس الوقت حينما يحصل اشتباك تصادفي بين قوة مكلفة بالمناورة وقوة متفوقة عليها من العدو كيف كان يتم تعديل الخطة العامة لباقي القطعات في زمن مناسب لامتصاص الزخم واسناد تلك القوة بما لا يؤثر على الخطة الرئيسية للدفاع والتعرض, وكيف كانت القوة المتصادمة تهيء الظروف الملائمة للانفتاح والاسناد المطلوب من قبل القوات الساندة؟ كيف كان يمكن للقطعات المدافعة منع العدو في مثل هذه الظروف من تاسيس خطوط دفاعية محصنة وفعالة وتحطيم قدراته ونظام المعركة لديه؟

كيف كانت توضع خطة للاسناد المتبادل بين التشكيلات القائمة بمناورات الدفاع؟..كيف يمكن تقليل سرعة العدو اثناء اجراءه المناورت الهجومية والدفاعية؟ واخيرا هل تعلمنا الدرس؟ وما هو وجه الاختلاف بين قابلية القوات المشتركة في (مناورات الدفاع) بين الامس واليوم؟

تهدف مناورات الدفاع الاستباقية والانية الى توحيد الجهود لانهاك العدو وتكبيده خسائر مستمرة مع الاحتلال المتعاقب لمواضعه الدفاعية بما يساهم في تحطيمه نفسيا ما يساعد على (وقف التهديد المعادي)… علما ان قيمة احتلال الارض ومسكها لا تعني شيئا اذا لم نكن قادرين على الاحتفاظ بها من خلال مناورات الدفاع والتي تهدف اصلا الى اجهاض قدرة العدو على العمل التعرضي او التهديد المعادي..

 

رابط مختصر   https://wp.me/p8HDP0-bll

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الباحث هشام العلي

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...