دراسات ما بعد المعركة ـ إستراتيجية ورد النيل والدفاع . بقلم هشام العلي

دراسات ما بعد المعركة ـ إستراتيجية ورد النيل والدفاع . بقلم هشام العلي

إعداد : هشام العلي ، باحث في شؤون الدفاع ـ بغداد

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

دراسات ما بعد المعركة ـ إستراتيجية ورد النيل والدفاع ـ الحلقة التاسعة

من اجل مسك الارض في جبهة ذات ديموغرافيا متوترة, يجب ملئ الفراغات في مساحة تلك الجبهة, بدلا من تكوين خطوط دفاعية وفق الاشكال الهندسية المعروفة, ولذلك نحتاج الى قوات بعديد وتسليح يناسب مساحة تلك الارض, وهي معادلة صعبة التحقيق في ظل الامكانيات المتاحة حاليا, وقد تناولنا هذه المشكلة في مقالتنا السابقة, والتي تحدثنا فيها عن مساحة الدفاع.

ورد النيل: قبل سنوات كان البنتاغون قد تحدث عن استراتيجية جديدة لملئ الفراغ في مساحة الجبهة في العراق, اسماها (استراتيجية ورد النيل) نسبة الى النبات الطبيعي المعروف, والذي ينموا على شكل بؤر تبدأ بالتوسع في كافة الاتجاهات, حيث اقترح البنتاغون ان يتم توزيع الوحدات العسكرية على شكل بؤر (نقاط حصينة), ومن ثم يتم التوسع في نشر القوات, وفي كافة الاتجاهات, من اجل السيطرة على مساحة الدفاع الواسعة.

وجهة النظر الامريكية: تدعو استراتيجية ورد النيل من وجهة نظر البنتاغون, الى زيادة في عدد المستشارين والمدربين الامريكان وتوسيع انتشارهم, مع محاولة تحسين اداء الضربات الجوية بالتنسيق مع القوات المشتركة العاملة على الارض, وقد لا يكون للاستراتيجية اعلاه اية عوامل حاسمة لتغيير سير العمليات الدفاعية الحالية, وذلك لاسباب كثيرة تخص اسلوب حرب العصابات المعروف, والذي تناولناه في بحث سابق, لكن يمكن لبغداد الاستفادة من تلك الاستراتيجية, من خلال وضع استراتيجية جديدة موازية لها, من شانها رفد خطوط المواجهة بقوات جديدة, وتفعيل مبدا الاسناد المتبادل بين الوحدات, والذي عجزت عن تحقيقه سابقا لاسباب كثيرة, من اهمها شحة القوات الماسكة للارض وامكانياتها المتاحة.

الاستراتيجية المكملة: استراتيجية بغداد يجب ان تبدأ بنقل الوحدات الثابتة والادارية والفنية وحتى التدريبية منها بما فيها الاكاديميات العسكرية من مقراتها الحالية في بغداد ومناطق الجنوب الى اماكن قريبة من الخطوط الخلفية للمواجهة, مثل محور (النخيب– الرزازة– الحبانية) لوقف تقدم المسلحين باتجاه كربلاء وبابل, اضافة الى محور(زوبع– خان ضاري – ذراع دجلة – النباعي) لدرئ الخطر عن شمال بغداد, والتركيز على سلسلة تلال حمرين الممتدة بين محافظات ديالى وحدود كركوك وصلاح الدين حتى جنوب الموصل على اعتبار انها تشكل (المنطقة الحيوية الكبرى في الدفاع), حيث يتم نقل ما يمكن من وحدات عسكرية يعتبر وجودها في تلك المناطق مسكا للارض وتعزيزا لنفوذ الدولة.

متطلبات الانتشار: قد لا يكون لتعزيز مساحة الدفاع بقوات ووحدات اضافية اية فوائد ذات تاثير حاسم, الا اذا تم العمل وفق استراتيجية تخص القيادة والسيطرة والتدريب ضمن سياقات العمل الثابتة, والتي يجب ان تستند على ما يلي:

التحصين: تحصين تلك الوحدات بالخنادق والحواجر الخرسانية, والتي يتم احاطتها بحواجز سلكية يتم التوسع فيها بالتدريج, حيث يفضي بالتالي الى تحول تلك الوحدات والمناطق المحيطه بها الى مناطق امنة.

التدريب: يتم وضع خطة لتنشيط عمليات التدريب المكثف للوحدات الفعالة القتالية, من اجل تهيئتها للقيام بفعاليات الدوريات والاسناد وتحت غطاء جوي مناسب, ليتم بعد ذلك نقل ما يمكن من وحدات مقاتلة الى خطوط المواجهة, واجراء المناورات الدفاعية, من اجل وقف تمدد المسلحين, ومحاصرة وتطويق نشاطاتهم ومناوراتهم, وقطع خطوط الامداد عنهم.

كوادر الدفاع والمقاومة: يمكن استخدام الاكاديميات والوحدات التدريبية ووحدات الاسناد الاداري كنقاط حصينة, حيث يجري انشاء مقرات لها في المناطق الحيوية للجبهات الدفاعية المذكورة, لتحويل الكادر الاداري لتلك الوحدات الى قوة فعالة لمسك الارض, بالاضافة الى طلاب الاكاديميات والمراكز التدريبية العسكرية, حيث يمكن الاستفادة منهم في مقاومة اية هجمات او تعرضات ضد وحداتهم, بعد تحصينها بالموانع الخرسانية والسلكية والخنادق ونقاط المقاومة المسنودة بالاسلحة المتوسطة والدروع, حيث يكون لكل وحدة ادارية سرية اسناد مدربة خاصة بها, وخطة دفاعية يتم التدريب عليها باستمرار, وخزين مناسب من الاسلحة والاعتدة ومواد التموين, كي لا تتكرر مذبحة سبايكر مرة اخرى.

مهام القوات: اثناء العمليات الدفاعية تعيش الوحدات القتالية الفعالة مازق الاولويات, بين مسك الارض او تعزيز القطعات التي تصاب بالانتكاسات, او اجراء المناورات الدفاعية وعمليات المتابعة والمطاردة والردع والاستباق, واعتقد ان نقل الوحدات الادارية والمؤسسات التدريبية الى المناطق الواقعة ضمن رقعة الدفاع, سيكون له اثر كبير في اعفاء تلك الوحدات الفعالة من ضرورة مسك الارض, حيث ستقوم الوحدات الادارية والتدريبية بهذه المهمة, في الوقت الذي سيكون بامكان الوحدات الفعالة التفرغ لفعاليات الاسناد والمناورة, كما ان الوحدات الفعالة سوف تترك قدماتها الادارية لمسك الارض ضمن الرقعة التي تحتلها اثناء قيامها بالفعاليات المكلفة بها, من خلال ذلك يمكن اجراء التنسيق المناسب لتحقيق التبادل في الادوار بين الوحدات, اضافة الى الاسناد المتبادل, على ان يكون ذلك ضمن الاستراتيجية الدفاعية التي يتم وضعها من قبل رئاسة الاركان بالتنسيق مع هيئات الركن المشتركة.

المناورات: بعد تدريب عناصر الوحدات القتالية جيدا, والتركيز على التدريب الدائم على اسلوب الدفاع والكمائن واجراء الدوريات, يمكن لتلك الوحدات ان تصل الى مستوى ملائم لاجراء المناورات الدفاعية باستمرار, ما يمنحها حرية العمل, وبالتالي كسب المبادئة والاحتفاظ بها, بما في ذلك من تاثير كبير على تحويل ميزات التفوق النفسي لصالح القوات المشتركة.

القوات الساندة: بسبب صعوبة السيطرة على بعض الوحدات ضمن قيادات الحشد الشعبي, والتي تخضع لسيطرة القرارات السياسية لقياداتها اكثر من خضوعها لمتطلبات المعركة والوضع في الميدان, نقترح ان تكون لوحدات الحشد الشعبي مهام مسك الارض والانتشار ضمن الاستراتيجية المنوه عنها اسوة بالوحدات التدريبية والادارية, حيث يتم التنسيق لاجراء عمليات الاسناد المتبادل, فيما يتم تكليف الوحدات الفعالة بمهام الاسناد والمناورة والاستباق والردع.

التحصين: قلنا سابقا وفي اكثر من مقالة ان الوضع الميداني يتطلب تحصين الوحدات في المناطق المفتوحة, من خلال نشر الحواجز الخرسانية مع مد حواجز سلكية يتم توسيع قطرها باستمرار, من اجل عدم السماح للمسلحين بممارسة اسلوب الكر والفر, والذي كلف القوات المشتركة كثيرا من الارواح والجهد, وهذا ما يمكن تحقيقه اليوم بالتزامن مع استراتيجية ورد النيل.

المخادعة: تعتبر (النقاط الوهمية) من بين اهم اساليب المخادعة العريقة, حيث كانت تستخدمها الجيوش المتحاربة لتشتيت نيران الطيران المعادي, كما نوهنا في بحث سابق, هذا الاسلوب لم يكن له جدوى على مجرى الاشتباكات البرية وخطوط الدفاع ألتقليديه لأسباب يطول شرحها, لكن اليوم وفي ظل عمليات الاختراق التي يشنها المسلحون, ولكون الاختراق عادة لا يهدف إلى احتلال الأرض, بقدر يهدف إلى القتل والتدمير من اجل إرباك القوات وتحطيمها نفسيا, تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء النقاط الوهمية التي تستدرج المسلحين لتوجيه حركاتهم ونيرانهم نحوها, ما يؤدي إلى تشتيت نيرانهم من جهة, ووقوعهم في فخ النقاط القوية من جهة أخرى, ونعني بالنقاط ألوهميه ما يلي:

• هياكل الآليات والمدرعات المستهلكة التي لا فائدة منها.

• أكداس العتاد ألوهميه حيث تستخدم صناديق العتاد الفارغة لهذا الغرض.

• المباني التي توهم المسلحين بأنها تأوي الضباط والجنود وقيادات الوحدات, حيث يتم استغلال كل ما متوفر من مواد البناء والصفائح والهياكل المعدنية والخيم لهذا الغرض.

• حفر ما أمكن من المواضع الوهمية, وتكديس أكياس الرمل على إطرافها.

• استخدام ما يتوفر من هياكل المدافع الكاذبة والأنابيب ضمن مواضع مدفعية وهميه.
أن إجراءات التمويه هذه كفيله بإغراء واستدراج المسلحين نحو أهداف لا وجود لها, ليتم اصطيادهم من قبل نقاط الدفاع القوية, بعد تشتيت اندفاعهم ونيرانهم, وهو اسلوب مخادعة ضروري جدا ضمن خطط تحقيق استراتيجية ورد النيل لانتشار القوات, حيث تؤمن مساحة دفاع اوسع, من ضمنها مساحة وهمية تصلح لتشتيت مناورات المسلحين ونيرانهم.

مناطق التدمير: عند انتشار الوحدات الفعالة والادارية, يمكن انتخاب مناطق التدمير المعروفة عسكريا, ضمن خطط تضعها هيئات الركن لانتخاب تلك المناطق, مع توفير متطلباتها في كافة المجالات, ومنها الاسناد والتعويق والخطة النارية.

قوات النخبة: بدلا من حصر وجود مقرات قوات النخبة في العاصمة بغداد, يمكن ايضا نقل جزء كبير منها لمسك الارض في مساحة الدفاع قرب ضواحي العاصمة, وعلى مسافة تقدر ما بين 40 الى 70كم, ما يؤمن ارسالها لتعزيز القطعات في خطوط الدفاع المتقدمة, او استدعائها الى العاصمة اذا تطلب الامر.
ان انتشار قوات النخبة في تلك المساحات, يؤهلها لاجراء الفعاليات المطلوبة, مع امكانية رد الفعل السريع, فيما تبقى قدماتها الادارية لتحتل مساحة الدفاع الخاصة بها اثناء الفعاليات التي تجريها تلك القوات خارج حدود الوحدة.

الاستراتيجية التي تحدثنا عنها يمكن من خلالها ملئ الفراغ ومسك الارض في مناطق واسعة, وبعمق اكثر من 160كم شمال وغرب بغداد, و100 كم شمال وغرب كربلاء, ما يمكن من خلالها الاستفادة من نسبة كبيرة من الوحدات الادارية والتدريبية, ونقلها لمسك الارض في مساحة الدفاع, وتوسيع انتشارها لملئ الفراغ في المناطق المفتوحة, من اجل دعم الوحدات الفعالة القتالية, بما يصب في مبدا الاسناد المتبادل, وبالتوازي مع استراتيجية ورد النيل الامريكية, حيث سيكون لتلك القوات فضلا في اسناد الوحدات المقاتلة في الانتشار ومسك الارض والاسناد .

رابط مختصر   https://wp.me/p8HDP0-bFH

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الباحث هشام العلي

شارك المقال
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
اخر المقالات