دراسات ما بعد المعركة , تجنب الاشتباك والدفاع. بقلم هشام العلي

دراسات ما بعد المعركة , تجنب الاشتباك والدفاع. بقلم هشام العلي

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

إعداد : هشام العلي ـ خبير مختص بالعلوم العسكرية وشؤون الدفاع ـ بغداد

الحلقة الحادية عشر, تجنب الاشتباك والدفاع

تجنب الاشتباك هو المبدأ الاساسي الاهم في علوم السياسة والحرب والاعلام, حيث لا يمكن استيعاب واحتراف هذه العلوم الا من خلاله, هذا المبدأ الذي يسمى احيانا (المعركة الغير مباشرة) ويعتمد على نظرية (قرون الثور)…

مصدر النظرية: في حلبة صراع الثيران, يرى المصارع ان القوة الحقيقية العظمى لخصمه ترتكز اساسا في قرونه, ولذلك فهو يتجنبها طيلة فترة المصارعة, وذلك من خلال الاستفزاز المصحوب بالمناورة وضرب الاماكن الضعيفة.

بعد ان يصل الثور الى مرحلة الانهاك, كمحصلة لسلسلة الهجمات التي شنها, تحت تاثير الاستفزازات المتكررة التي اجراها المصارع, اضافة الى الطعنات التي اصيب بها الثور في جوانبه, بعدها لن تشكل قرونه اية خطورة, ولن يبقى لها اي معنى, على الرغم من انها لا زالت موجودة, ولم تصب باذى, وهذا يعني انه في اية مواجهة من الافضل (انهاك الخصم حتى يفقد القابلية على استخدام قوته الحقيقية, بدلا من مواجهة تلك القوة ومحاولة قهرها, لما في تلك المواجهة من مخاطر واستنفاذ للجهد) هذا ملخص لمبدأ تجنب الاشتباك او المعركة الغير مباشرة او نظرية (قرون الثور)..

الاسس الاهم للمبدأ: من خلال الاستعراض اعلاه, يمكننا القول ان الاسس الاهم لمبدأ تجنب الاشتباك هي (الاستفزاز والاستدراج, المناورة, الانهاك), والتي سنتناول تطبيقاتها في مجال الحرب, بعيدا عن المجالات السياسية والاعلامية, كونها ليست ضمن موضوع البحث الحالي.

كنا قد شرحنا اسس هذا المبدأ في مقالة سابقة بعنوان (تجنب الاشتباك بين مفاهيم السياسة والحرب) كانت قد نشرت على صفحة المركز الاوربي لمكافحة الارهاب والاستخبارات بتاريخ 7/1/2017م, اما اليوم فسنحاول القاء نظرة عامة على بعض خواص الحرب الحالية وطبيعة العدو, ونسبة تطبيق هذا المبدأ من قبل القوات المشتركة, واستنادا على افادات المقاتلين المتيسرة, ضمن مشروع (دراسات ما بعد المعركة)..

الاشتباك المدبر: في رحلة البحث عن الاهداف الاساسية لعملياتهم, يعتمد المسلحون في الحرب النوعية الدائرة, على تكوين مجموعات عنقودية, تتفرع الى افراد حال شروعهم بالهجوم, مستهدفين عادة ايقاع اكبر نسبة من الخسائر البشرية بالمدافعين, كاولوية تسبق تدمير الاسلحة والمعدات, وذلك لاسباب تتعلق باستراتيجية الحرب النفسية والفقه الخاص بالعصابات, ما يعني ان المسلحين يستهدفون في هجماتهم نقاط المقاومة الضعيفة والقوية على حد سواء, وهو ما يجعل قواتنا مضطرة للنزول الى اشتباك مدبر من قبل العدو, وفي اكثر من نقطة مقاومة, وهذا اسوأ ما يمكن تصوره في عمليات الدفاع, اذا آمنا بان من يفرض الاشتباك المدبر على الطرف الآخر هو صاحب المبادئة الفعلي, ونعني بالاشتباك المدبر (الاشتباك الذي يخطط له احد اطراف الحرب, من خلال مناورة او سلسلة مناورات, لتحقيق اهداف قد رسمت مسبقا ضمن الخطة العامة).

استراتيجية المسلحين: يتبين مما ذكرنا اعلاه, ان المسلحين يتعمدون مواجهة نقاط المقاومة ومراكز الدفاع الرئيسية, بدلا من ضرب المناطق الضعيفة, اي بدل العمل وفق مبدأ الاقتصاد في القوة, ذلك المبدأ العريق, والمعمول به في الحرب النظامية, ما يعني انهم بدلا من العمل بمبدأ تجنب الاشتباك, يحاولون جر انفسهم والمدافعين الى الاشتباك المباشر (مواجهة قرون الثور).

من خلال الافادات المتيسرة, وجدنا ان وضوح نقاط المقاومة الخاصة بدفاعاتنا, بسبب اعتمادها اسلوب الابراج, جعل تلك الدفاعات تتعرض الى نيران وهجمات مباشرة, ما يعني ان دفاعاتنا مضطرة لمواجهة قرون الثور دائما, وفي كل عملية يقوم بها المسلحون, وهذا من اهم الاسباب التي فرضت على قواتنا خسائر وانتكاسات, ترافق كل تعرض او هجوم يقوم به المسلحون, وعلى مختلف المستويات.

ان عجز دفاعاتنا عن تجنب الاشتباك في العمليات الدفاعية, هو ما يمنح المسلحين تفوقا نفسيا وتعبويا على حساب قواتنا دائما, وهو السبب الاهم للانتكاسات السابقة, وهشاشة الدفاع في بعض القواطع, وعلى المعنيين ان يعينوا مواطن الخلل والوهن في هذا الجانب.

المخادعة: تعتبر المخادعة من اهم اسس تجنب الاشتباك اثناء العمليات الدفاعية, وتعتمد اساسا على الغش والاختفاء والتمويه, وذلك من خلال تصنيف النفاط الضعيفة والقوية والرئيسية, والتدريب على تناوب الادوار بينهما.

جميع افادات المقاتلين, تثبت ان اسلوب المخادعة معدوم في عمليات القوات المشتركة, ما يمنح المسلحين الحرية الكاملة في تحديد الاهداف والاولويات, ومن ثم تحديد وجهة الهجوم والنار, حيث يصبح الضغط حقيقيا على جميع نقاط المقاومة, اثناء كل تعرض او هجوم يقوم به المسلحين, اما القيادات فهي دائما تترك النتيجة للصدف, بعد ان تفقد نسبة كبيرة من السيطرة, ما يجعل الوحدة في مواجهة حقيقية لاشتباك مدبر, ومخطط له من قبل العدو.

بعض الافادات تدل على ان افراد من الحشد الشعبي اصبحوا بارعين في اساليب الاستدراج والمخادعة اثناء المناورات وعمليات المقاومة, لكن على المستوى الفردي فقط, وليس على مستوى الحركات التعبوية.

الاشتباك التصادفي: تدل اغلب الافادات, على انه اثناء الاشتباكات التصادفية, يتمكن المسلحون خلال لحظات من امتصاص المفاجئة, وتوجيه وتكثيف النار نحو الاهداف, وكانهم لم يتعرضوا لاية مفاجئة اطلاقا, وذلك لسبب بسيط, كونهم غير مقيدين باجراءات القيادة والسيطرة والتعاون, بسبب اسلوب القتال المنفرد الذي يتبعوه كما نوهنا اعلاه, على عكس القوات المشتركة المقيدة باجراءات القيادة والسيطرة, ان هذه الخاصية تجعل الاشتباك التصادفي يصبح اشبه بالاشتباك المدبر من قبل العدو, في الوقت الذي تصبح نقاطنا للمقاومة في مواجهة مباشرة ومفاجئة مع قرون الثور, لكن هناك افادات كثيرة, تدل على انه وفي المعارك الاخيرة لتحرير الفلوجة والموصل, والحركات التي رافقتها, كانت قوات النخبة والحشد ذات قابلية نسبية على امتصاص مفاجئات الاشتباكات التصادفية, واجراء ردود الافعال السريعة والفعالة وعلى المستوى الفردي والتعبوي.

نعني بالاشتباك التصادفي (الاشتباك الغير مخطط له من قبل اي طرف من طرفي المعركة, حيث يجد الطرفين انهم في مواجهة بعضهم البعض فجأة, كما ان الاشتباك المدبر من قبل اي طرف يصبح تصادفيا على الطرف الاخر).

الاستفزاز او الاستدراج: يتطلب استفزاز واستدراج العدو الى المصيدة, وجود خطة تعتمد بالاساس على تناوب الادوار بين النقاط الضعيفة والقوية كما نوهنا اعلاه, كما يتطلب نشر ما يمكن من الاهداف الكاذبة, اضافة الى القيام ببعض المناورات التي يكون الهدف منها اغراء المسلحين للقيام بعمل ما, حيث توضع خطط مسبقة للمناورة والاستدراج ومتابعة الاهداف وتوجيه النار.

من خلال جميع الافادات, لم نجد مثل هذه القابلية اطلاقا في عمليات القوات المشتركة.

اثناء الهجوم:من الممكن تنفيذ خطط الاستفزاز والاستدراج لتجنب الاشتباك اثناء قيام قواتنا بعمليات هجومية ايضا, حيث يتم اتباع طريقة المحاصرة والتطويق الغير كامل (حذوة الحصان), لاستفزاز المسلحين واجبار هم على القيام بسلسلة هجمات انفرادية, تتم مقاومتها وفق خطط مدروسة, فتكون محصلتها النهائية استنفاذ الجهد الاحتياطي الخاص بالمسلحين, وانهاكهم ماديا ونفسيا, وهو المطلوب اساسا من مبدأ تجنب الاشتباك, والذي عملت بموجبه القوات المشتركة اثناء عمليات تحرير (الرمادي, الفلوجة, الموصل) وفي بعض معارك مدن صلاح الدين.

تدل الافادات المتيسرة على وجود مشكلة تكمن في ان المسلحين يحتفظون دائما باحتياطي مناسب للدفاع, ينتشر على شكل نقاط مقاومة في مساحة العمق, رغم كل عمليات الاستفزاز والاستدراج التي تقوم بها وحداتنا, ورغم انهم يشنون هجمات ازعاج متكررة ضد قوات الحصار, كما تدل الافادات على وجود معارضة قوية من قبل بعض المؤسسات السياسية والفقهية لمبدأ الحصار على شكل حذوة الحصان, لكون الكثير يعتبرها فرصة لافلات المسلحين من قبضة قواتنا, في الحين الذي نراه نحن فرصة كبيرة لتجنب الاشتباك, كونها تسمح لبعض المسلحين بالفرار ما يؤدي الى تراخي واحباط كبير بين صفوف زملائهم الذين يفضلون البقاء في نقاط المقاومة. كما يؤدي الى هروب جزء من القوة العظمى, اي التخلص منها, وبالتالي تجنب الاشتباك.

اعتقد ان الامر يحتاج الى دراسة مهنية, بعيدا عن السياسة والفقه.

الاهداف: في الحرب, لا يتم استهداف الافراد والمعدات, بقدر ما يتم استهداف المراكز العصبية للطرف الاخر, لزعزعة توازنه وجعله ينهار نفسيا, اما ضرب الافراد والمعدات فهو مجرد وسيلة لتحقيق هذه الغاية,  وفي الحرب الحالية, وجدنا ان كلا الطرفين يحاولان ايقاع اكبر نسبة من الخسائر, خصوصا في الارواح, لتحقيق مكاسب سوقية, تدرج ضمن استراتيجية الحرب النفسية للطرفين, ما يجعل تجنب الاشتباك غير وارد في المفاهيم العامة لطرفي المعارك, وهنا نرى ان على رئاسة الاركان وقيادات الفرق, ان تعيد تقييم الاثار والنتائج والمهام السوقية والتعبوية للقوات المشتركة, لاعادة صياغة اسلوب آخر في ادراة العمليات, يكون تجنب الاشتباك احد اهم عناصره الرئيسية.

المبادئة: يعتمد تجنب الاشتباك ايضا على عنصر المبادئة, وذلك عبر سلسلة من أعمال الإزعاج والاستنزاف, من خلال الاقتراب من العدو من اتجاهات لا يتوقعها, أو استدراجه إلى مقتله, بعد تهيئة ظروف المعركة مسبقا, حيث يهدف بالنهاية إلى جعل العدو يشعر بأنه فريسة مطاردة, ما يؤدي إلى انهياره نفسيا, ومن الممكن أن يسبقه أعمال تحير العدو, وتجعله لا يكتشف حقيقة الغرض منها إلا في اللحظة الأخيرة, ما يجعله يشعر انه في الفخ, وما يعني ايضا انه سيفقد المبادئة, ويفقد التفوق النفسي الذي يمثل قوته الحقيقية.

هذه الاساليب من الممكن تنفيذها اثناء عمليات التعرض والدفاع على حد سواء, لكنها تحتاج الى انضباط عالي وتدريب مكثف واستراتيجية عامة, توضع من خلالها خطط واضحة, تفسر المواقف وتتنبأ بالاحتمالات وتضع الاولويات, علما ان اغلب الافادات تدل على تفوق المسلحين على القوات المشتركة في هذا الجانب.

الارض: تعتبر الارض من الوسائل الاساسية لتجنب الاشتباك, حيث يتطلب الموقف الدفاعي دائما انتخاب الارض الحيوية وتحصينها, ووضع خطط لاستدراج العدو الى ارض التدمير, ما يعني اننا يجب ان نعي ان الارض هي الوسيلة. وتدمير العدو هي الغاية الاساسية للحرب, علما ان المدن غير مشمولة بهذه الفقرة, كونها تشكل اساس الاستراتيجية الدفاعية العامة, على خلاف الارض المفتوحة, والتي تعتبر وسيلة لتحصين الدفاعات واجراء العمليات.

حقائق عن الحرب: تقوم الحرب على اساس النظريات والصدف, ولا مجال للحقائق خلالها, كما ان سلسلة المفاجئات تثير الغموض اثناء المعركة بشكل خطير, خصوصا المعركة الدفاعية, ولذلك يصبح تجنب الاشتباك امرا صعبا للغاية, ما يدعوا الى العمل بسلسلة اجراءات لتاهيل القادة وتدريب الوحدات, للوصول الى نسبة معقولة من التناغم والتعاون والسيطرة اثناء الاشتباكات وعمليات المقاومة.

في الحرب, في السياسة, في الاعلام, وفي كافة جوانب الحياة, ليس من المنطقي مواجهة قرون الثور… لذلك نرى ان من اهم عوامل الوهن والخلل في السياسة وفنون الحرب والاعلام في العراق, هو عدم العمل وفق مبدأ (تجنب الاشتباك)…

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر :https://wp.me/p8HDP0-bNx

الكاتب هشام العلي

اخر المقالات