دراسات ما بعد المعركة، المبادئة في الدفاع . بقلم هشام العلي

مايو 3, 2018 | دراسات, دفاع

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

إعداد : هشام العلي ـ باحث في شؤون الدفاع ـ بغداد
الحلقة العاشرة/ المبادئة في الدفاع

من المؤكد ان الاستسلام للاحلام هو المتنفس الوحيد الذي يجده الفرد والمجتمع اثناء فترات الاحباط, ولذلك نرى ان الاوساط السياسية والاعلامية وبعض قنوات الاعلام العسكري, تستخدم لفظة (المبادئة) كثيرا اثناء الانتكاسات والهزائم ومواجهة التعرضات الواسعة, كونها تصبح في مثل تلك الظروف العصيبة, حلما يراود القادة والمؤسسات السياسية والفقهية والراي العام..

لقد واجهتنا ظاهرة استهلاك لفظة (المبادئة) اثناء انتكاسة منتصف 2014م بشكل لا يخلوا من تناقضات فضيعة, حيث كنا نرى القادة والناطقون الرسميون يتحدثون في جلسة واحدة من جلسات المؤتمرات الصحفية عن ما يسموه (انسحاب تكتيكي من مدينة ما) وفي نفس الجلسة يتحدثون عن (استعادة المبادئة في جبهات القتال الملتهبة حينها) وبشكل لم يكن يقتنع به حتى من لم يكن يعرف معنى المبادئة الحقيقي..

ابسط تعريف للمبادئة: لتسليط الضوء على مفهوم المبادئة يمكن القول ان المبادئة هي الهجوم, اما الدفاع فهو وسيلة لامتصاصها واجهاضها حتى تسنح الفرصة لانتزاعها من الطرف المهاجم لصالح المدافعين, يمكن القول ايضا اننا كمدافعين نحتاج الى اجتياز عدت مراحل قبل ان ننتزع المبادئة من المهاجم, وهي (تعويق الهجوم, امتصاص الزخم, الاجهاض, الردع, وقف القابلية على الهجوم) بعدها يمكن ان يكون باستطاعتنا ان نختار زمان ومكان العمليات, ونمنع العدو من فرضها على قواتنا, ما يعني اننا سوف ننتزع المبادئة حينما نقيد قابلية العدو على اختيار زمان ومكان العمليات او حرية العمل ضدنا..

المبادئة في الدفاع: قد يرى القارى اننا وقعنا في تناقض, حيث قلنا ان المبادئة هي الهجوم, وفي نفس الوقت نريد تطبيقها في وضع الدفاع الحالي, وهنا يمكننا القول اننا نعني بالدفاع في الحرب النوعية الدائرة (هو محصلة العمليات والنشاطات العسكرية لدرئ الخطر عن المدن الشمالية والغربية, ضمن الاستراتيجية العامة للدفاع, بغض النظر عن نوع العمليات التي تجريها قواتنا, سواء كانت هجمات اجهاض واستباق وردع, او كانت مسكا للارض ومناورات كشف ومتابعة ومعالجة) وعليه فالهجوم هو احدى وسائل الدفاع الحالية ان لم يكن افضلها..

واجبات الدفاع: اثناء ظواهر الترهل التي تجتاح المؤسسات العسكرية لاسباب كثيرة, يتم الاكتفاء بالنظر الى القوات المنتشرة في جبهات الدفاع على انها قوات مكلفة بواجب الحراسة, حيث يتم التحصين وتعيين كم مناسب من الاحتياط, كي تتمكن تلك القوات من فرض الخسائر والتعويق على العدو, وذلك من خلال الاستفادة من طبيعة الارض الملائمة التي تحتلها, حيث يستسلم القادة حينها الى القناعة بعدم جدوى توقع اي عمل او نشاط تقوم به تلك القطعات خارج نطاق الحراسة, وهي واحدة من الظواهر المهمة التي اصابت القوات المسلحة العراقية سابقا, وادت الى انتكاسة منتصف عام 2014م..

الوضع الحالي: استطاعت قوات النخبة والشرطة الاتحادية حتى الان ان تحتفظ بنسبة من المبادئة, وذلك من خلال بعض عمليات الردع والاستباق هنا وهناك, المشكلة ان ردود فعل هذه القوات وعملياتها العامة ترتبط برئاسة الاركان, واحيانا بمؤسسات القرار السياسي, ما يجعل عملياتها بطيئة نسبيا, ولا تحقق مفهوم المبادئة الا بنسبة معينة, اما باقي القوات فقد بدأت تستسلم بالتدريج الى ظاهرة (الحراسة), اي مسك الارض وانشاء نقاط مقاومة, من دون القابلية على فعاليات المناورة, وبالتالي من دون امكانية الردع والاستباق..

القوات الساندة: بعد قيام المسلحين باختطاف او قتل مجموعة من افراد الحشد الشعبي, تقوم قوات الحشد باجراء سلسلة مناورات للردع, تتحول دائما الى مناورات كشف ومتابعة ومعالجة واجهاض وبالتالي استباق, ولذلك يمكننا القول ان الحشد قد انتزع المبادئة في الاونة الاخيرة, وبنسبة لا يستهان بها, لكن المشكلة ان الحشد يسقط في فخ اثارة الراي العام دائما, وهي مسألة خطيرة جدا, خصوصا وان نسبة كبيرة من العمليات تجري حاليا في المناطق المتنازع عليها..

قوات مسك الارض: يخطئ جدا من يرى ان مسك الارض عبارة عن عملية حراسة, خصوصا في حرب العصابات, وفي حرب المساحات المفتوحة, ان مسك الارض يعتمد اساسا على حرمان العدو من حرية العمل, مع فرض زمان ومكان المعارك عليه, من قبل القوات الماسكة للارض, وهو ما تحتاج قواتنا العاملة والمنتشرة في مساحة الجبهة الحالية الى العمل به, حيث يتم تهيئة تلك الوحدات وتاهيلها لاجراء عمليات الكمائن والدوريات والاستباق واختيار مناطق التدمير, ما يعني تاهيلها لانتزاع المبادئة في الدفاع, وهو ما يستند على عدت اسس من اهمها:

الارض: لا يمكن للمدافع ان يمتص الزخم ويجهض الهجوم اذا لم يكن يقاوم في ارض ملائمة, حيث ان على القائد ان يدرك جيدا ان اختيار الارض الملائمة التي تصلح للتحصن الطبيعي والهندسي, مع تعيين اكثر من ارض للتدمير, وحرمان العدو من استخدام هذه الخاصية, هي مبادئة بحد ذاتها, كما ان اختيار الارض من الممكن ان يكون بديلا لنقص عديد القوات والاسلحة والاعتدة والدروع, اضافة الى كونه افضل بديل للخلل في مبدأ الاسناد المتبادل..

تصميم عمليات المقاومة: من اهم مقومات الدفاع الناجح هو المخادعة, حيث يتم تصنيف نقاط المقاومة الى نقاط ضعيفة تستخدم للمشاغلة وتشتيت النار والاتجاه للمهاجم, اضافة الى نقاط المقاومة الرئيسية, والتي تهدف الى تقنين كثافة واتجاه نيران المدافعين, بهدف انزال اكبر ما يمكن من خسائر بالمهاجمين في الوقت المناسب, ما يجعل نتائج الهجوم سيئة جدا على الطرف المهاجم, كما ان جميع نقاط المقاومة (الرئيسية والضعيفة) يجب ان تصمم بطريقة تجعلها بعيدة عن امكانية كشفها مبكرا من قبل المهاجمين, سواء قبل الهجوم او اثناءه, ان مجرد وقوع المهاجمين في فخ النقاط الرئيسية, وتحولهم الى اهداف, هو شكل من اشكال انتزاع المبادئة في عمليات الدفاع, كون المهاجم يفقد القابلية على التقدم والمتابعة, ويتحول الى هدف واهن..

ابراج الحماية: بدلا من العمل باسلوب المخادعة لاخفاء نقاط المقاومة من قبل وحدات مسك الارض الحالية, نرى ان تلك الوحدات تنتهج اسلوب نشر نقاط المقاومة على ابراج الحماية, وبارتفاع لا يقل عن ثلاثة امتار, وهو امر كارثي في مفاهيم الدفاع العامة, حيث ان تلك الابراج تتيح للمسلحين تعيين جميع نقاط المقاومة للوحدة الماسكة للارض, ما يمنح المسلحين حرية تامة في اختيار اتجاه الهجوم وتكثيف النار, وهو ما يعني منح المبادئة للمسلحين على طبق من ذهب, ان تمسك القادة لحد الان باسلوب نشر ابراج الحماية هو امر غريب لا يمكن تفسيره..

تاليف الوحدات: قد لا يكون بامكان وحدات مسك الارض ان تقوم باجراءات الكمائن والدوريات التي تؤهلها لانتزاع المبادئة, اذا لم تكن مزودة بدروع واليات استطلاع وكميات كافية من الاسلحة المتوسطة, اضافة الى الكم المناسب من الاعتدة, مع قابلية الاستفادة من اسلحة الاسناد..
اساليب قتال العدو: كنا قد شرحنا في سلسلة مقالات سابقة اساليب قتال المسلحين في الحرب النوعية الدائرة, وقابليتهم على اجراء الكمائن المحكمة, والدوريات المكثفة والمتسلسلة, اضافة الى قابليتهم على مواجهة الدروع من خلال الاسلحة المتوسطة, وامكانية تكثيف النار ضد الاهداف عند الاقتراب منها, اذا لم تكن قياداتنا في صفحة الدفاع الحالية مستعدة لمعالجة مثل هذه الخواص, وفق استراتيجيات وخطط متطورة, فان هذا يعني ان انتزاع المبادئة من المسلحين في الدفاع, سيكون مجرد حلم صعب التحقيق..

الاسناد المتبادل: من الظروري وضع خطط للاسناد المتبادل بين الوحدات, مع التدريب المكثف والمستمر على العمل بها, ضمن سياقات العمل الثابتة, كون الاسناد المتبادل حينما يحقق الهدف في اجهاض وتدمير الهجوم, يصبح نوعا من انواع المبادئة, كونه سوف يجبر المهاجمين على التخلي عن الخطة الاساسية, والبحث عن خطط اخرى للانسحاب, او الانتحار في مناطق التدمير المنتخبة, من قبل وحدات مسك الارض..

مناورات الدفاع: كنا قد تحدثنا عن مناورات الدفاع في الحلقة السادسة من هذه السلسلة, والتي تعتبر من اهم اسس المبادئة في الدفاع, كما ان القابلية على اجراء المناورات السريعة لحصر وتطويق ومخادعة العدو اثناء عمليات المقاومة, يمكن اعتبارها مبادئة بحد ذاتها, يجري ذلك عادة بمساعدة الاهداف الكاذبة, والتي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة..

القيادة: ان مجرد قابلية القائد على اجبار العدو على تغيير خطته للهجوم, والتفكير بخطط بديلة بعد فشل خطة الهجوم الرئيسية, هو انتزاع للمبادئة في عمليات الدفاع, وهو ما يحتاج الى قادة متهيئين ذهنيا لكافة الاحتمالات, كما يحتاج الى وحدات مدربة ومنضبطة, مع خطط مبسطة ومحكمة..

الارتباك: اثناء الاشتباكات التصادفية في الدفاع يفقد الكثير من الضباط والافراد السيطرة والقابلية على التعاون والتنسيق, في الحين ان المسلحين يشنون الهجمات وفق مجموعات عنقودية تستغني عن ضرورة العمل الجماعي, ما يجعل المسلحين اكثر قابلية على الاحتفاظ بالمبادئة من قواتنا اثناء تلك الاشتباكات, وهو ما يدعو الى ضرورة تجنب الاشتباك التصادفي, من خلال سلسلة اجراءات مخادعة ومناورة, مع جر العدو الى اشتباكات مدبرة من قبل قياداتنا, (نعني بالاشتباك التصادفي, المواجهة التي تحدث فجأة, من خلال تلاقي طرفي المعركة بصورة خارجة عن ارادتهم وتخطيطهم, في الحين ان الاشتباك المدبر, هو المواجهة التي يتم التخطيط لها من قبل احد الاطراف, لجر الطرف الاخر اليها)..

من الضروري تحقيق المبادئة في الدفاع بنسبة كبيرة, تعتمد على الارض وكثافة القوات والتسليح وكفاءة القيادات, وهي عنصر ضروري وحاسم في الدفاع, ويجب ان لا ننسى ان السبب الرئيسي لانتكاسة منتصف عام 2014م انتزاع المبادئة من قبل المسلحين لسنوات طويلة, بسبب ترهل المنظومة الامنية والمؤسسة العسكرية انذاك, كما يجب ان لا ننسى ان المبادئة في الدفاع هي من العناصر المهمة لتحقيق العمق الاستراتيجي للبلد, والذي سنتناوله لاحقا..

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...