دراساتدفاع

دراسات ما بعد الحرب ـ الإستراتيجية الثلاثية. بقلم هشام العلي

اعداد : هشام العلي،  باحث متخصص في الدفاع والتسلح
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

دراسات ما بعد الحرب الحلقة الثالثة ـ الإستراتيجية الثلاثية

بعد كارثة الموصل وما تلاها من تساقط مدن كبرى واقضيه ونواحي بسبب انهيار المنظومة الأمنية العراقية , وقبل أن تستطيع القوات المشتركة العراقية التقاط الأنفاس ولملمة ما يمكن لانتزاع ألمبادئه , كنا قد تحدثنا عندها وفي أكثر من دراسة عن استحالة إعادة المدن المحتلة على المدى القريب آنذاك , وذلك لأسباب كثيرة منها ( حماس المسلحين وتفوقهم النفسي بسبب التقدم الميداني الهائل الذي حققوه , نسبة الدعم والتأييد للمسلحين من قبل السكان وبعض القوى السياسية المحلية والأطراف الإقليمية , حصول المسلحين على أسلحة متطورة من مخلفات القوات المنسحبة ومنها دروع حديثة , تحصن المسلحين في مدن ذات تركيبة حضرية تمنع مناورة الدروع , افتقار القوات المشتركة ومن ضمنها تشكيلات الحشد الشعبي للتسليح وشحة الاعتدة والأمور الإدارية واللوجستية الأخرى , الأزمة الاقتصادية التي رافقت تلك الأحداث بسبب انهيار أسعار النفط , انعدام فعالية الجهد الجوي للقوات العراقية ..الخ ) .

ما كان يصب في مجال التفوق النفسي للمسلحين على القوات العراقية المنهارة نفسيا في وقتها .. ولذلك كنا نرى أن على القيادات العسكرية والسياسية أن تتريث وتحاول تحصين الدفاعات وإعادة تنظيم القوات المسلحة وعدم التفكير باستعادة المدن الكبرى وعلى رأسها الموصل إلا بعد تطبيق الإستراتيجية الثلاثية المقترحة من قبلنا والتي أطلقنا عليها ( الاسترخاء , الترقب , فرض الفشل ) والتي تهدف إلى تحويل ميزان التفوق النفسي لصالح القوات المشتركة , حيث يتم بعدها تحرير المدن بجهد وخسائر اقل بكثير فيما لو لم تطبق تلك الإستراتيجية وفيما لو تم الاستعجال في تنفيذ محاولات التحرير قبل أن يتم تحويل ميزان التفوق النفسي على حساب المسلحين .

 

 

علما إننا كنا قد اقترحنا العمل بها منذ الأيام الأولى لانهيار الدفاعات العراقية في كارثة الموصل , وكررنا مقترحنا في أكثر من مناسبة , وتحدثنا عنها بإسهاب في دراستنا التي نشرت هنا على صفحة المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب والاستخبارات تحت عنوان ( مواجهة العصابات في الحرب النوعية الدائرة /الفصل الثالث / مفتاح الحلول ) والتي نشرت قبل عامين تقريبا .

اليوم ونحن على وشك تحرير آخر المدن الكبرى ( الموصل ) نود إعادة الحديث عن الإستراتيجية المنوه عنها وتقييمها بما فيها من مقومات ايجابية وما فيها من أخطاء ارتكبناها في مقترحنا , والتي أوضحتها طبيعة ونمط وتسلسلات المعارك التي دارت خلال السنوات الماضية .. ولنتناول الموضوع على شكل نقاط للتوضيح :

•    ( الاسترخاء ) قلنا حينها انه من الواجب منح فترة هدوء واسترخاء للمسلحين من خلال عدم مهاجمتهم في المدن الكبرى والاكتفاء بمبدأ الحرب المحيطية التي لا يكون الهدف منها تطويق المدن بصورة كاملة ما يحفز المسلحين على التحكيم العالي لدفاعاتهم , وإنما تتم من خلال المناورة على بعض الأقواس واحتلال مناطق حيوية تصلح للدفاع خارج المدن , مع ترك بعض خطوط الإمداد والانسحاب والتعرض المرصودة للمسلحين , أن هذا الأسلوب سوف يمنح المسلحين فترة هدوء تساهم كثيرا في خلق هوة وكراهية بينهم وبين سكان المدن المحتلة , كونهم أي المسلحين غير مؤهلين لإدارة المجتمعات والتخطيط السليم لإدامة الخدمات والحفاظ على البنية التحتية وتنميتها , كما أن هذا الأسلوب سوف يضعهم في بوتقة الإحباط كعادة المقاتلين العقائديون حينما يمرون في فترة هدنه بعد قتال عنيف , حيث تضمحل لديهم القيم العقائدية والروحية والحماس الجهادي , ويصبحون باحثين عن الأمن والراحة وبعض الامتيازات .

ولدينا شواهد كثيرة من التاريخ العسكري على هذه الحالة كنا قد ذكرناها حينها في مقالاتنا السابقة .. حينما ننظر إلى فترة الثلاثة سنوات الماضية نجد أن فترة الاسترخاء التي تمتع بها المسلحون بسبب عدم وصول القوات المشتركة إلى مستوى انتزاع المبادأة وقابلية التعرض , كانت فعلا قد خلقت هوة كبيرة بينهم وبين السكان حتى ممن كانوا يعلنون تأييدهم ودعمهم للمسلحين .. وللأسباب التي توقعناها حينها وذكرناها أعلاه , كما أدت إلى تناقص نسبة التفوق النفسي للمسلحين ولنفس الأسباب .. ما يعني أننا كنا محقين في هذا الجزء من الإستراتيجية …

•    ( الترقب ) اقترحنا أيضا ومن خلال هذه الإستراتيجية أن يتم إيهام المسلحين في أحيان متباعدة ومن خلال القنوات الإعلامية والمؤسسات السياسية والعسكرية بان الهجوم على المدن الكبرى أصبح وشيكا , ومن ثم يمر الوقت من غير أن يحدث ذلك الهجوم .. إن هذه العملية تستدعي قيام المسلحين بتحصين الدفاعات والاستنفار المزعج والعمل الدءوب لدرئ الخطر عن الهجوم ألذي يترقبوه , من غير أن يكون للهجوم المرتقب أي وجود , ما يعني ذهاب أعمالهم سدى .

هذا الوضع لو تم تكراره على المسلحين ومن خلال فترات متفاوتة فسوف يؤدي إلى زيادة نسبة الإحباط لديهم , وهو ما نسميه ( الترقب ) في الإستراتيجية التي تحدثنا عنها .. كانت بغداد قد مارست هذا المبدأ ضد المسلحين من حيث كانت تدري أو لا تدري , حيث كانت بعض القنوات السياسية والإعلامية والعسكرية تتحدث أحيانا عن قرب استعادة الموصل والفلوجه , ومن خلال مواعيد لم تجد لها مكانا على ارض الواقع .. وقد تكررت هذه الظاهرة منذ الأيام الأولى لسقوط المدينتين وحتى موعد تحريرهما الفعلي , ونعتقد أنها قد فعلت فعلها في تأثيرها النفسي على المسلحين وساهمت كثيرا في تحويل ميزان التفوق النفسي لصالح القوات المشتركة ..

•    ( فرض الفشل ) وهنا وقعنا في الخطأ الذي أثبتته وقائع ونمط المعارك التي حدثت .. حيث تحدثنا عن كيفية انتزاع ما تبقى من التفوق النفسي من المسلحين لصالح قواتنا , ما يزرع الثقة النفسية بين أفراد القوات المشتركة وعلى كافة مستوياتهم , وهو مبدأ تقع مسؤوليته الكاملة على رئاسة الأركان والقادة العسكريون والضباط في الجبهات , ويتلخص هذا المبدأ في سلسلة حركات دفاعية وهجومية تكتيكية تهدف إلى ( إدارة حرب الإنهاك ) حيث يتم جر المسلحين إلى معارك فاشلة من خلال تحفيزهم على شن الهجمات المتكررة على وحداتنا , بعد تحصين دفاعاتنا ووضع الخطط الكفيلة بإفشال الهجمات , ليؤدي بالتالي إلى تحطيم المسلحين بشريا وماديا وبالتالي نفسيا .. وقد أطلقنا على هذا المبدأ عنوان ( فرض الفشل ) .

حينما اقترحنا تنفيذ هذا المبدأ كنا نتوقع أن يقوم المسلحون بهجمات يستخدمون فيها ما يمكنهم من احتياطي متيسر , لكن الواقع اثبت أن هجماتهم على قطعاتنا اقتصرت على الصولات الفردية وزرع الكمائن المتالفة من أعداد قليلة والهجوم بالعجلات والمدرعات المفخخة , ما لم يكن يؤثر على احتياطهم الأساسي داخل المدن .

ولذلك نعترف بان حديثنا عن المعارك المحيطية التي تهدف إلى استنزاف المسلحين كان خاطئا وليس ذي جدوى .. حيث لم تنفع حرب الاستنزاف ضد المسلحين إلا من خلال مراقبة وقصف خطوط الإمداد والانسحاب من خلال الجهد الجوي الذي كان يستهدف ارتال المسلحين المتنقلة خارج المدن من قبل سلاح الجو العراقي وطيران التحالف الدولي .. أما إدارة حرب الإنهاك وخطة ( أقواس النار ) المقترحة من قبلنا فقد كانت عقيمة قياسا بنوع الهجمات والحركات التي كان المسلحون يقومون بتنفيذها بشكل روتيني ..

اليوم نود أن تكون هذه الإستراتيجية بما لها وما عليها تحت أنظار المختصين في العلم العسكري وعلوم الاجتماع , كوننا نؤمن بان العمل بها ضروري جدا بعد تحليلها وفق مفهوم ( تحليل ما بعد المعركة ) من اجل انتزاع التفوق النفسي لأي نوع من المسلحين ممن لديهم صبغة عقائدية تطغي على سلوكهم واندفاعهم وحركاتهم أثناء المعارك , حيث يجب تحطيمهم نفسيا قبل معالجتهم بسلاح المعركة التقليدي .. خصوصا عندما تكون في حوزتهم مدن آهلة بالسكان .

 

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

https://www.facebook.com/profile.php?id=100005403073455

الباحث هشام العلي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق