دراساتدفاع

دراسات ما بعد الحرب الحلقة الأولى، حرب المدن . بقلم هشام العلي

اعداد : الباحث هشام العلي، باحث متخصص في الدفاع والتسلح

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

كنا قد تكلمنا عن خطة مارشال الأمريكية التي تم العمل بها أثناء وبعد الحرب الفيتنامية , والتي كان لها اثر كبير على وضع مفاهيم ودراسات ساهمت بشكل كبير على تطوير قدرات الجيش الأمريكي في الحرب النظامية وغير النظامية .. اليوم ونحن على وشك تحرير مدينة الموصل والبدء بمراحل تطهير مدن وصحراء غرب الانبار نحث القادة من جديد على عدم تفويت الفرصة لدراسة وتحليل ظروف ونتائج المعارك استنادا إلى الخطة أعلاه وبالاعتماد على إفادات المقاتلين ألذين شاركوا في المعارك الفعلية والاشتباكات القريبة , لتوضع تلك الإفادات على طاولة المختصين في العلم العسكري وعلم الاجتماع والعلوم الأخرى من اجل وضع دراساتهم ومقترحاتهم في هذا الشأن , حيث يتوجب علينا أن نضع مفاهيم جديدة للحرب استنادا على التجارب المريرة التي خاضتها قواتنا المشتركة خلال الثلاثة سنوات الماضية وما قبلها , والتي لا أبالغ إذا قلت أنها سوف تكون ثورة جديدة في العلم العسكري الحديث تلغي الكثير من المفاهيم السابقة للحرب , فيما لو تم اتخاذ الإجراءات اللازمة لدراسة واستنباط الدروس من قبل كلية الأركان المشتركة وباقي الأكاديميات والمؤسسات التدريبية العسكرية إضافة إلى الجامعات العراقية والعالمية ..

أما بالنسبة لسلسلة المقالات في هذا البحث فهي صورة مصغرة لخطة مارشال موضوع البحث , حيث بدأنا ومن خلال إمكانياتنا المتواضعة بأخذ الإفادات من بعض المقاتلين ضمن القوات المشتركة ومن ثم تحليلها ومقارنتها بالعلوم العسكرية التقليدية الحديثة السائدة , لنضعها أخيرا على طاولة المختصين للبت فيها كما نوهنا أعلاه .. ولنبدأ بحرب المدن ..

لا يمكن إنكار أن حرب المدن الحديثة هي المعركة الأعقد في أي صراع عسكري معاصر , كون المفاهيم العالمية السابقة للحرب لم تكن تولي للجانب الإنساني ومن ثم الإعلامي أي اهتمام , على عكس ما يحدث اليوم حيث يتحتم على القادة أن يضعوا نصب أعينهم مشكلة السكان والأزمات الإنسانية التي ترافق المعارك من هذا النوع .. كنا قد تحدثنا قبل اشهر عن حتمية الكارثة في حرب تحرير أية مدينة , خصوصا على غرار ما يحدث في مواجهة مدافعين من طراز المتشددين السلفيون , حيث يجب الاعتراف بأنه لا مجال للخروج بنتيجة تحرير المدينة إلا بعد تدمير البني التحتية بنسبة لا تقل ربما عن70 بالمائة وما يرافقها من مذابح بين صفوف المدنيين كما حدث في اغلب معارك الانبار وصلاح الدين ومن ثم الموصل ..

ولذلك كنا قد أكدنا حينها على ضرورة تجنب حرب المدن لاحقا من خلال وضع إستراتيجية دفاعية محكمة ومتكاملة تضمن عدم سقوط أية مدينة مرة أخرى وعدم تكرار ما حدث قبل وبعد 9حزيران 2014م .. لكن مع ذلك يلزمنا المنطق أن نقحم أنفسنا في هذا الموضوع المعقد كوننا نريد الوصول إلى مستوى تطوير العقيدة العسكرية للقوات المشتركة من خلال وضع دراسات شاملة تخص فنون الحرب ومفاهيمها العامة .. من خلال لقاءاتنا الأخيرة مع بعض الضباط وأفراد القوات المشتركة من الجيش والحشد استطعنا أن نضع أيدينا على بعض المفاهيم التي نرى أنها من الممكن أن تكون واحدة من المنطلقات اللازمة لأسس حرب المدن النوعية والتي يجب أن تطرح كعلم عسكري حديث .. ومن بين ما توصلنا إليه من استنتاجات على ضوء تلك اللقاءات ما يلي :

•    يؤكد الجميع على أن قتال المدن يتصف بالاشتباك القريب بما فيه من مخاطر وتأثيرات نفسية خطيرة , كما تتصف جبهات المدن بخاصية ساحات ومديات الرمي المحدودة مع ضعف القابلية على الحركة والمناورة ومشاكل السيطرة على الأفراد والمجموعات المقاتلة خصوصا أثناء الاشتباك .

•    تفشل دائما عمليات حصر وإحاطة المسلحين بسبب ما يمتلكوه من احتياطات كبيرة تمكنهم من مواصلة القتال بلا إمدادات .

•    في حرب المدن التقليدية ينظم المدافعون تحصينا تهم ونقاط مقاومتهم حول عوارض رئيسية يمكن كشفها من قبل المهاجمين , وبعد الاستيلاء عليها من الممكن استخدامها كموانع لأي هجوم مقابل .. أما في الحرب النوعية الدائرة نجد أن المسلحين يبنون دفاعاتهم في أماكن مموهة ما يجعل المهاجمين في خطر كبير بسبب مباغتتهم من قبل نقاط مقاومة غير متوقعة مع ما يرافق ذلك من أزمات نفسية يعاني منها الأفراد أثناء الترقب والاشتباك .

•    هناك حيرة بين نظريتين , ترى الأولى ضرورة قطع خطوط انسحاب العدو من خلال وضع قوات حصار على محاور الانسحاب المحتملة من الجهة البعيدة عن المنطقة المبنية , كما يؤيد ذلك قادة الحشد الشعبي والمؤسسات السياسية والفقهية .. أو ترك مجال للهروب حسب نظرية حذوة الحصان , هذه النظرية التي نؤيدها لما فيها من تأثير نفسي سلبي كبير على المدافعين من المسلحين الذين يقاتلون في ظروف صعبة في حال وضعنا لهم أمل بالتملص والانسحاب , والذي يؤدي بالتالي إلى انهيار نفسي كبير وإحباط يصيب زملاء المنسحبين ممن تبقوا في خطوط الدفاع وهم يشعرون بأن المجال مفتوح لانسحابهم وهروبهم من الموت والحصار والظروف القتالية الصعبة .. المشكلة أن السجال بين أصحاب النظريتين يصطدم دائما بمفاهيم عاطفية تخص الرأي العام في مجتمع متوتر طائفيا ما يفقد المهنية العسكرية تأثيرها المطلوب ..

•    حرب المدن تعيق حركة الدروع والمشاة الآلي وتجبرهم على السير حسب التخطيط الحضري للأزقة , ما يعني أن بإمكان المسلحين أن يرسموا خطوط عمليات المناورة والتقدم للقوات المهاجمة ويضعوا خطط المقاومة استنادا عليها , ما يجعل قواتنا في خطر اكبر من خطر الحرب الجبهوية .. أيضا الشوارع المستقيمة الطويلة تساعد إلى حد ما في عمليات استخدام أسلحة مقاومة الدروع وباقي الأسلحة المتوسطة بفعالية اكبر ومديات تكون شحيحة في حرب الشوارع الفرعية والأزقة بالنسبة للمهاجم والمدافع على حد سواء , ما يجعلها سلاح ذو حدين .

•    لعبة رد الفعل هي أكثر ألاعيب الحرب التي يستخدمها المدافعون في حرب الشوارع , حيث يستخدم المدافعون لعبة صمت النار والحركة لإغراء المهاجمين بالدخول إلى فخ منطقة التدمير , وهي إحدى أساليب الحرب التي اتخذتها القوات المصرية في حرب سيناء ضد الجيش الإسرائيلي ويتخذها المسلحون اليوم , والتي كلفت قواتنا الكثير كما كلفتها لعبة التفخيخ والتفجير عن بعد .

•    تعتبر الحركة خارج الأبنية في النهار خطرة جدا , وبالمقابل توجد اعتبارات إنسانية تلزمنا النظر بعين الاعتبار إلى الجانب النفسي للمقاتلين من كلا الطرفين والذين يعانون من أزمات نفسية ووضع نفسي خاص نتيجة الأصوات والنيران في الاشتباك والتقدم والقتال الليلي , علما أن القوات المشتركة قد خاضت مرارا لعبة القتال الليلي في أكثر من صفحة من صفحات القتال في الموصل ونجحت فيه إلى حد كبير .

•    بعد أن تدمر العجلات يهرب طواقمها إلى البنايات المجاورة , كما انه وحينما يدرك احد أطراف الصراع بأنه في فخ أو مأزق تم نصبه من قبل العدو يقوم بنشر قواته في الأزقة وبسرعة , ما يجعلها فريسة لأية خطة وضعت مسبقا من قبل الخصم لاصطياد الأفراد , وهو ما يلزمنا بالتثقيف وتجهيز الأفراد بالأسلحة والاعتدة الكافية لمواجهة مثل هذه المواقف التي تصيب طرفي المعارك .

•    تتم أعمال المخادعة على محاور جبهوية في حرب الجبهات لإيهام العدو عن اتجاه ومحور الهجوم , لكن هناك شكوك في فعالية ذلك في حرب المدن بسبب صعوبة القيادة والسيطرة وضرورات اللامركزية في أساليب القتال في هذا الشكل من الحرب .
•    عند اقتحام الأحياء والمناطق المستهدفة تكون هناك جيوب خطرة في أماكن لم تصلها القوات تقوم بأعمال القنص والتفخيخ على الأجنحة وخلف القوات المتوغلة , ما يدعوا إلى استخدام كثيف للقوات والمشاة الآلي وبصورة مستقيمة , مع ضرورة الاعتماد على الشكل المستقيم في التقدم وتامين القواعد الأمينة بصورة متوازية ومتسلسلة ومحاولة الالتحام الدائم بالمسلحين لتقليل تأثير نيرانهم وارباك قابليتهم على الرصد والمتابعة والمناورة .

•    طبيعة المنطقة المحيطة بالمدن واختلاف أشكال محيطها تجعل اقتحامها من عدت محاور أمر بالغ الصعوبة , ويحتاج إلى خطة مستقلة لكل محور , مع تقسيم المدينة إلى قطاعات يتم تطهيرها الواحدة تلو الأخرى , ولذلك فان إدارة الخطط والأولويات والتسلسلات تحتاج إلى صبر وحكمة وذكاء وحذر ومشاورات مستمرة بين القادة والضباط وأحيانا الدوائر السياسية .

•    تحتاج حرب المدن إلى تكاليف باهظة خصوصا في صرف العتاد , كما يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار مسالة الاحتياط الكافي لكون الخسائر بالأرواح تكون أعلى نسبة من حرب الجبهات .

•    تعتبر الساحات والشوارع والحدائق أفضل أماكن لاصطياد الخصم .. لذا يجب تجنبها قدر المستطاع أو استخدام قنابل الدخان لستر الاختراق وبأقصى سرعة .. كما تدعو الحاجة في بعض الصفحات الصعبة ربما إلى تزويد قوات الاقتحام من النخبة بأقنعة واقية من الغازات بغية السماح لها باستخدام العوامل المسيلة للدموع عند الضرورة في الأحياء الخالية تماما من السكان لتسهيل المرور والاختراق والتطهير.

•    في العقيدة المصرية يقوم المدافع أو المهاجم بتدمير البنايات التي تعيق الرصد والمتابعة والرمي وهو ما فعلته القوات المصرية في تهيئة مدينة السويس للدفاع في حرب تشرين 1973م وما نراه اليوم ضروريا في عمليات تطهير المدن .

•    في العقيدة البريطانية لقتال المدن يفضل أن يتم الهجوم على محاور متوازية لتحقيق جبهة عريضة للتقدم من اجل تامين اكبر عدد ممكن من نقاط التقدم إلى الأمام .. أما في العقيدة الإسرائيلية فيكون الهجوم من خلال تقدم الارتال من عدة محاور وفي اتجاهات معقدة , إلا اذا كان للمهاجم خط دفاعي متماسك يستخدمه في القتال ألتعويقي لصد الهجوم فيتم الهجوم عليه بشكل جبهوي على محيط المدينة لاختراق الموانع والتحصينات الخارجية , مع التخطيط في نفس الوقت لتسلل قوات تدخل المدينة بشكل مباغت لاحتلال بعض المباني العالية لأغراض الرصد والمتابعة البعيدة , أما المباني المحصنة فيتم نسفها واستخدام أنقاضها كموانع دون التورط في معارك لاحتلالها تؤدي إلى هدر المزيد من الوقت والخسائر .. كما يتم في العقيدة الإسرائيلية استغلال الليل لاختراق بعض الموانع والمباني للتهيؤ للهجمات وأعمال التطهير نهارا ..

أيضا في العقيدة الإسرائيلية يتم إحاطة المنطقة بالمشاة , فيما يتم الخرق جبهويا من خلال الدروع المسندة جويا وهو أمر يعتمد على الإمكانيات الجوية للطرف المهاجم .. في العقيدة السوفيتية يتم الهجوم من خلال اتجاه أو اتجاهين ومن محور واحد مع تامين قواعد أمينه للانطلاق لصعوبة الهجوم من اتجاهات متعددة .. اعتقد أن كل هذه الأساليب لبدئ انطلاق الهجوم نحو المدينة تحتاج إلى دراسة كونها جميعا تعتبر نظريات تستند على أسس صحيحة وفعالة في حرب المدن .

•    من أخطاء القوات الإسرائيلية في حرب السويس تقديم الدبابات مسبقا لاقتحام المدن وهو أسلوب اثبت فشله في محاولة احتلال مدينة السويس عام 1973م حيث كان من الأولى إجراء الهجوم الابتدائي بالمشاة الراجل والآلي , كون القتال في المدن يعتمد على القفزات القصيرة والأهداف القريبة الواضحة , كما يفترض أن يترصد المشاة الأزقة والشوارع الجانبية قبل مرور الدبابات , مع البحث عن نقاط الضعف لإحداث الخرق .

•    ضرورة تقليل فعالية المناطق المبنية بالنسبة للعصابات من خلال فتح الثغرات , وذلك يتم من خلال التدمير أو المناورة .. ومن المعروف أن المناورة في حرب المدن هي الحالة الأصعب والأعقد .

•    تعمل أسلحة الإسناد في المناطق المبنية بصورة لا مركزية لكون الظروف مربكة جدا والحركة محدودة , وفي نفس الوقت يجب الأخذ بنظر الاعتبار الاحتفاظ باحتياطي يؤمن مواجهة الأمور الغير متوقعة , لكن يجب الاعتراف بأن استخدام مدفعية الميدان والهاونات في حرب الشوارع وتطهير المدن له نتائج سياسية وإعلامية سيئة .

•    يجب تطهير المباني من الأعلى إلى الأسفل في حرب المدن التقليدية , كما لا توجد ضرورة لتطهير جميع المنازل وإنما فقط  التي تنتخب كنقاط للمقاومة وصد الهجوم المقابل .. أما في الحرب النوعية الدائرة فقد أثبتت التجارب أن التمشيط يجب أن يتم من خلال التطويق وفتح النار بكثافة ومن ثم الدخول إلى المبنى وتطهيره حسب تسلسل قرب محتوياته وأجزائه .

•    يجب تزويد الأفراد بأرزاق معركة وبكميات مناسبة تحسبا لخضوعهم لأعمال حصار أو تأثر المنظومة الإدارية بمشكلة تجعلها عاجزة عن التموين وسد النقص .
أخيرا حرب المدن هي حرب التحام واشتباك مباشر , وهو اعقد ما في هذا النوع من الحرب ما يدعوا إلى تدريب مكثف وتأسيس قوات مدربة على هذا النوع من المعارك .

hushamalali@yahoo.com

 الباحث هشام العلي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق