دراساتدفاع

دراسات ما بعد الحرب، الاشتباك ـ الجزء الثاني

اعداد : هشام العلي، باحث في شؤون الدفاع والتسلح ـ العراق ـ بغداد
المركز الإوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

نود التذكير بأن دراستنا هذه التي تعتمد على النظريات العسكرية السائدة بعد تحليلها ومقارنتها بإفادات ألمقاتلين ممن مارسوا الاشتباكات الفعلية ومروا بتجارب حقيقة في المعارك الدائرة , لن تكون نهائية بقدر ما سوف تكون بداية لسلسلة نقاشات جادة من قبل المختصين في العلوم العسكرية وعلوم الاجتماع وباقي العلوم من اجل الوصول بالتدريج إلى ( موسوعة الدفاع ) والتي نطمح في البدء بإصدارها قريبا..
من المعروف أن الاشتباك هو المحصلة النهائية لجميع الحركات والمناورات والعمليات الدفاعية والهجومية في الحرب , ما يجعله واحدا من أهم المواضيع التي يجب التركيز عليها في هذه الدراسة .. ولنبدأ دراستنا بسؤال يفرضه علينا واقع ونوع المعارك .. وهو هل للاشتباك حدود مرسومة معينة ؟ أم انه يخضع لجملة من الاعتبارات والضوابط النسبية ؟.. ولنبدأ النقاش من خلال  النقاط التالية :

•    في الاشتباك يحتاج المدافعون إلى عمليات تدمير عناصر الاستطلاع والحماية والتعرض , وليس فقط صد الهجوم وإبعاد النار .. كما يحتاج المهاجم إلى التدمير السريع لنقاط المقاومة ومن ثم استكمال التقدم وتنفيذ مهمة الاحتلال واستكمال الأهداف .. إلى أي مدى يمكننا الاعتماد على إمكانية القيادة والسيطرة أثناء اندلاع الاشتباك من قبل الضباط والقادة ؟.. والى أي مدى يمكننا الوثوق من أن الأفراد يمكنهم استيعاب وامتصاص الموقف والعمل انطلاقا من مبادئ التوازن والمهارات الفردية والعمل الجماعي المطلوبة عندها ؟..

•    في حالة الدفاع ضد قوة متفوقة للمسلحين هناك حيرة بين استخدام أسلوب الرشق المتواصل بكافة الأسلحة لغرض تامين الظروف لقوات الاحتياط والدعم , أو تقنين استخدام السلاح من خلال الرصد والمناورة تجنبا لاستنفاذ العتاد في ظل احتمال تواصل زخم المسلحين وحدوث مشاكل إدارية بسبب الاشتباك تمنع وصول الدعم والإمداد .. إلى أي مدى يمكن السيطرة على النار من قبل القادة أو الأفراد أنفسهم في مثل هذه المواقف ؟..

•    عند محاولة العدو تأسيس خط دفاعي أو نقاط دفاع محصنة , يجب تقدير الموقف لشن هجوم سريع وفتح النار بكثافة لإرباكه ومنعه من إنشاء نظام معركة متكامل , حيث يجب تحطيم الدفاعات جزء فجزء , هذا في الحرب التقليدية .. أما في الحرب النوعية الدائرة فقد وجدنا أنفسنا في مواجهة إستراتيجية جديدة للمسلحين تعتمد على الإزعاج المتواصل لقواتنا من خلال هجمات المنعزلين والتمسك بخطوط الدفاع بين المدنيين في المدن والمناطق المشجرة ..

•    في حرب المدن هناك تنافس شديد على إمكانية وقابلية الحركة ( المناورة ) بين طرفي الاشتباك , كما أن المدافعين في اشتباكات حرب المدن هم الأكثر خطورة من المهاجمين , كونهم يتمتعون بالاحتفاظ بعدد من مسالك العمل القابلة للتطبيق .. وهي من اكبر المشاكل التي عانتها قواتنا خصوصا في معركة الموصل .

•    في مفاهيم الحرب التقليدية يتركز العمل ألتعرضي على تدمير اكبر ما يمكن من دروع وعجلات العدو قبل الاشتباك  , ومن الخطأ اعتبار أن الاشتباك الأول هو الاشتباك الحاسم , حيث يجب أن يكون الأول استطلاعي ومن ثم تجري عمليات المشاغلة حتى يتم تهيئة وسائل الاشتباك الحاسم الذي يحقق الهدف من التقدم نحو خطوط دفاعية محكمة , أي أن الجهود الأولية تتركز على إنهاك الخط الدفاعي للعدو ومن ثم إجراء الاشتباك الحاسم من خلال الاحتلال المتعاقب لنقاط المقاومة ومن ثم تحصينها وتحويلها في أسرع وقت إلى خط دفاعي ضد أي هجوم مقابل ..

أما في حرب الحالية في المدن والمناطق الزراعية فيجب تجنب الاشتباك الحاسم تفاديا لخطر التدمير , كون المسلحين يقاتلون خلف قطعاتنا معتمدين على حركات الخرق العميق والتخطي .. الكثير من الإفادات ترى أن القوات المشتركة لم تكن تعمل أو بالأحرى تجيد العمل بهذا المبدأ بسبب قلة التدريب والتثقيف بشأنه .. كما أن العمل بهذا المبدأ يحتاج إلى دراسات وخطط وبدائل .

•    تستخدم فصائل المناورة جميع فوهاتها النارية في حال تفوقها أثناء الاشتباك من اجل حصر وتطويق العدو وشل قدراته الذهنية وقابليته على المناورة , مع الأخذ بنظر الاعتبار مفهوم الإسناد المتبادل بين السرايا والفصائل المشتبكة حيث يمثل كل فصيل أو حظيرة من حيث التأثير قوة كمين مستقلة .. وقد وجدنا نجاحا بنسبة معينة في تطبيق هذا المبدأ لدى قوات النخبة وبعض فصائل الحشد المتمرسة على قتال العصابات في معركة الموصل .

•    في حرب المدن قد لا تتيح حالات الاشتباك في النهار فرص كبيرة لمشاغلة أفراد واليات المسلحين وتدميرها , كون المسافة التي تصلح للرمي في حرب الشوارع لا تتعدى 100 – 150 م في أفضل الأحوال , ما عدا الشوارع الرئيسية والتي يتجنبها الطرفان للأسباب التي ذكرناها في الحلقة الأولى من هذه الدراسة .. كما أن الأزقة التي لا تصلح للمناورة كانت خطرة على المهاجمين أثناء الهجوم والمقاومة والمناورة والانسحاب في معارك المدن , ولدينا أمثلة كثيرة في معارك الرمادي والفلوجة والموصل .

•    في حرب المدن وحرب الجبهات على حد سواء يؤكد الجميع على ضرورة تخطي وتجنب المواقف التي تضع الوحدات في مرمى الرمي المباشر مع وضع خطة مبسطة للانسحاب بسرعة فيما إذا استدعى الموقف ذلك .. الإفادات التي حصلنا عليها تدل على خلل واضح في تنفيذ هذا المبدأ .

•    في حرب المدن تحدث دائما ظاهرة فقدان قابلية الحركة للمدافع والمهاجم على حد سواء بسبب عدم وجود ستر لاختفاء وانسحاب القوة في ظل احتمال وجود كمائن , لذلك يجب الانسحاب قبل التورط بالاشتباك الحاسم إذا لم تكن هناك قوة احتياط كافية .. لكن التجارب أثبتت أن الانسحاب يؤدي أحيانا إلى خسائر وارتباك نفسي كما يرى بعض الأفراد والضباط ..

•    في حرب الجبهات تصبح الموازنة أحيانا صعبة بين ضرورة استثمار قابلية أسلحة مقاومة الدروع إلى أقصى مدى ممكن , وبين تحقيق قوة إسناد متبادل وامن لقوات مقاومة الدروع وقوات الكمائن , أما في حرب المدن فقد وجدنا أن نقاط المقاومة والكمائن  تكون سهلة العزل والتدمير ومن الصعب السيطرة عليها .. وهي مشاكل تحتاج إلى دراسة مستفيضة .

•    رد فعل المهاجم في الحرب التقليدية هو التوقف وفتح النار باتجاه المدافعين , أما في الحرب النوعية الدائرة فالمسلحين يقومون بالتقدم بوتيرة أسرع مع فتح النار بكثافة اكبر في حال اشتباكهم بكمين أو نقطة مقاومة تابعة لقطعاتنا , ومن ثم يحاولون تطويق وحصر قوات الدفاع من خلال المناورة وكثافة النار ما يحرم المدافعين من إمكانية المقاومة المؤثرة أو الانسحاب مع ما في ذلك من تأثيرات نفسية خطيرة .

•    تقدير الموقف يجب أن يجري بصورة مستمرة من قبل القادة والضباط استنادا إلى حقائق ومواقف الاشتباك وتقدير قوات وأسلحة وانتشار المسلحين , ما يوجب منح الضباط استقلالية في اتخاذ القرارات مع اختصار التوجيهات والمكالمات والاتصالات , على أن يراعى في ذلك انه حينما يتخذ الضباط وقادة تشكيلات الحشد قرارا كرد فعل لاشتباك معين , فسوف يكون من العبث تغيير الخطة أو إعادة توزيع الأفراد والقطعات والأسلحة قبل ظهور نتيجة الاشتباك النهائية , حيث يعتبر ذلك إرباك للأفراد ومضيعة للوقت .. هذا على الرغم من أن استلام أية معلومات استطلاع جديدة يجب أن يؤدي إلى إيجاد وتعديل وتفصيل خطة العمل بصورة أدق .. وهي مشكلة تحتاج إلى دراسة .

•    لأسباب كثيرة منها ديموغرافية وتنظيمية يعمل المسلحون خلف خطوط قواتنا مع انعدام هذه الخاصية لدى القوات المشتركة .. كما أن هناك ضعف نفسي في قابلية إتقان ( قتال المنعزلين ) من قبل قوات مسك الأرض وحتى قوات الاقتحام ( ألنخبه ) على الرغم من أهمية العمل بموجبه أحيانا .. ونقصد بقتال المنعزلين هو إمكانية تجزئة بعض الوحدات الصغيرة ( حتى مستوى فصيل أو حضيرة ) للعمل المنفرد في التعرض والمقاومة وإجراء الكمائن .

•    مشكلة مجموعات نقاط المقاومة إنها تفقد الإرادة على البقاء في النقطة عندما تقترب دروع أو قطعات العدو لمسافة اقل من 400م في الحرب الجبهوية أو الظهور المفاجئ لأي مدى منظور في اشتباكات المدن , على عكس دفاعات المسلحين من عناصر العصابات تماما .. وهي ظاهرة عريقة تحتاج إلى النظر بجدية إلى تنظيم الدفاعات والإسناد المتبادل والتأهيل النفسي للقوات المقاتلة .

•    إن التهديد الهائل بالدروع والمجموعات المهاجمة كما حصل في كارثة الموصل يتطلب من الآمرين  العمل وبسرعة على انتشار القوات من خلال أسلوب كمائن صيد الدروع أمام وخلف خطوط الهجوم .. حيث يتم الاحتفاظ بالدروع في العمق المحصن للاعتماد عليها في الاشتباك الحاسم , فيما تستخدم النقاط المنتشرة على طول المدينة وعمقها في عمليات إنهاك وتدمير الدروع المعادية في المرحلة الأولى من الاشتباك .. وهي مسألة تحتاج إلى تدريب مكثف على أسس وقواعد خطط العمل الثابتة كما هو معروف عسكريا .

•    هناك حيرة بين ضرورة تأخير فتح النار إلى أدنى مدى ممكن , وبين حاجة النقطة لعامل الأمن الذي يستدعي فتح النار بوقت مبكر لضمان تخلص النقطة من خطر الهجوم في الوقت المحدد .. الآراء متضاربة في هذا الشأن ولا يمكننا البت فيها .

•    قيمة التعرض والهجوم لا تعني شيئا إذا لم يكن المهاجم قادرا على الاحتفاظ بمنجزاته إزاء الهجمات المقابلة وفق خطة محكمة ومبسطة .. وقد كانت أكثر الإفادات تدل على أن الهجمات المقابلة للمسلحين كانت تؤدي إلى فقدان القوات المشتركة للكثير من نتائج المنجزات التي تحققها بسبب الوهن في عمليات الدفاع وتنظيم نقاط المقاومة والإسناد المتبادل .

•    من المفروض أن نقاط المقاومة تستخدم لتقليل قدرة المسلحين القتالية وحرمانهم من القابلية على المناورة وصب النار المباشرة .. وهو ما يستدعي نشر القوات والنقاط بصورة علمية مع ضرورة تنظيم الدفاعات بالعمق كي تحرم المسلحين من قابلية المناورة مع فرصة اصطياد المدرعات والآليات الأكثر خطورة .
أخيرا ينبغي التركيز على مدى الاستعداد النفسي والتقني لمواجهة الاشتباك واحتمالاته ودراسة ذلك جيدا قبل التقدم أو مسك خط الدفاع أو نقاط المقاومة .

hushamalali@yahoo.com
https://www.facebook.com/profile.php?id=100005403073455

الباحث هشام العلي

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق