دراسات مابعد المعركة، سيكولوجيا القيادة. بقلم هشام العلي

يونيو 29, 2018 | دفاع

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

إعداد : هشام العلي ،خبير مختص بالعلوم العسكرية ـ  بغداد

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

دراسات ما بعد المعركة الحلقة الثالثة عشر/ سيكولوجيا القيادة

موضوعنا اليوم يختلف في مضمونه عن جميع المواضيع السابقة, كونه لا يتحدث عن علوم الحرب وفنونها واساليب ادارتها, بقدر ما يتعلق بمشاكل القيادة في صفوف القوات المشتركة, والتي وجدنا من خلال عشرات الافادات, انها تشكل عقدة رئيسية في عمل الوحدات المنتشرة, كانت ولا زالت تسبب الترهل والاحباط العام  بين صفوف الافراد..

تعريف القيادة: اثناء الاشتباكات, او تعرض الوحدة لهجوم مفاجئ, تختفي القيادة تماما او بنسبة كبيرة, وهو امر طبيعي الى حد ما, حيث يحاول القائد او الضابط ان يكبح جماح الفوضى التي تحدث في وحدته, من اجل تنظيم الافراد وضبط النار وتقنين اعمال المقاومة, في وقت يحتاج فيه الافراد الى العمل الفوري, وحسب الآراء الشخصية المصحوبة بالانفعالات لكل منهم, لكون الوقت لا يسمح بالتفكير او تلقي الاوامر, ايضا تسيطر الانفعالات والاضطرابات على جميع الافراد, بما فيهم الضابط والقائد نفسه, وكل حسب قابليته النفسية, حيث تتباين نسبة تاثير الصدمة على الجميع, نسبة الى عوامل كثيرة, منها سمات الشخصية العامة والسلامة النفسية, والخبرات المتراكمة ومدة الخدمة العسكرية وغيرها, فمنهم من يتصرف بنسبة عالية من الاتزان, ما يجعله مصدرا لتوازن باقي الافراد, وقطبا من اقطاب التعاون فيما بينهم, ومنهم من يفقد اتزانه كليا, ليكون مصدرا آخر للخوف والهلع والاضطراب النفسي, وبالتالي الى الفوضى خلال الاشتباك.

من الاعباء الاخرى التي يواجهها القائد او الضابط اثناء الاشتباكات واعمال المقاومة, هي مفاجئات الاحداث, حيث تتعرض وحداتهم الى اعمال مخادعة ومباغتة وغيرها من مفاجئات الحرب, لتضاف مشكلة كبيرة تثقل كاهل القادة ذهنيا, ما يجعل الامر متروكا للصدف, وهنا تاتي اهمية مهارات الافراد الفردية, وتصرفهم في مواجهة الخطر الذي تتعرض له وحدتهم, بعد الشلل العام في القيادة والسيطرة, حيث ياتي السؤال المهم, كيف يمكن تهيئة الجندي والضابط للقيام بدوره المطلوب اثناء الاشتباك, ومواجهة الاحداث الطارئة والصعبة, في وقت تضعف او تختفي فيه القيادة والسيطرة؟..

وهل لاسلوب القائد في عمله الروتيني اليومي تاثير على تنمية شخصية الافراد وتاهيلهم نفسيىا, ما يجعلهم مهيئين للعمل في الظروف الطارئة, وبلا حاجة للقيادة واوامرها؟.. او باختصار هل للقيادة دور في تدريب وتاهيل الافراد نفسيا, كي يكونوا مهيئين للمعركة وطوارئها ومفاجئاتها, والتي تعتبر المحصلة النهائية لجميع نشاطات وفعاليات الوحدة في فترة الهدوء؟.. ان الاجابة على هذه الاسئلة, هي التعريف الحقيقي للقيادة, واهميتها في الوحدة العسكرية.

اهمية القيادة: يجمع القادة والمنظرون العسكريون, على ان شخصية القائد هي المسئولة عن جميع تفاصيل الوحدة العسكرية, وما تحققه من نجاحات, او ما تقع فيه من انتكاسات خلال الحرب, وهذا لا يعتمد على قسوة الامرين وحزمهم, وتصوير انفسهم للافراد على انهم كائنات مرعبة, كما يرى بعض الضباط من ذوي الفكر التقليدي النمطي, وانما يعتمد على انتهاج الاساليب الحديثة لعلوم النفس والاجتماع والادارة, والتي تؤدي بالتدريج, وابتداءا من فترة الهدوء والعمل الروتيني اليومي, ومن خلال سلسلة اجراءات وتدريبات وتفاعلات مع الافراد, الى صنع وحدة متكاملة ومتناغمة, تمتلك فريقا قادرا على حفظ امن الوحدة, ودرئ اي خطر يواجهها, بشجاعة واستقلالية ومهارات فردية ومهنية عالية, حيث يعرف الجميع مواقعهم واهميتهم وواجباتهم ومهماتهم في الهدوء والاشتباك, وفي كافة الظروف, من غير املائات او اوامر مباشرة آنية..

التوجيه: تستند فكرة القيادة على الموازنة بين توجيه الافراد واستقلاليتهم, ونقصد بالتوجيه طرح فكرة عامة مبسطة, قريبة من اذهان الافراد, وحسب مستواهم العلمي, لمعرفة واجباتهم وما عليهم فعله, ومراقبتهم عن بعد, ومناقشتهم ضمن حدود معقولة, مع السماح لهم بابداء الارأء والمقترحات, ما يعزز الثقة بالنفس لديهم, وبالتالي تحرير طاقاتهم الكامنة, هذا الاسلوب هو الافضل لتشجيع الافراد على العمل بصورة اصح اثناء الهدوء والاشتباكات, وتحويلهم بالتدريج الى عناصر فاعلة, بامكانها الاعتماد على النفس, واتخاذ الدور المناسب والفعال, ومعرفة واداء الواجب جيدا, واعتمادا على الكفاءات الفردية, وبكل ثقة, بما يرفع العناء عن القادة والضباط في الحالتين, ويعود على الوحدة بنتائج مرضية, على العكس من اسلوب الاكثار من حزم الاوامر الآنية, والتي يشعر من خلالها الفرد بانعدام استقلاليته وضعف شخصيته, وبالتالي يفقده روح الابداع والتفكير الواقعي والقابلية على العمل السليم.

كفاءة الافراد: القيادة ليست الغاء لعقول الافراد, وتدريبهم على الطاعة العمياء, وتحويلهم الى مجرد الآت تعمل باوامر واملائات القائد, بقدر ما هي تطوير للقدرات النفسية والذهنية للافراد وبالتدريج, بعد تهيئة الجو المناسب لذلك, من خلال ترك حيز كاف للتفكير, ومساحة مناسبة لحرية العمل, ما يمنحهم فرصة لشعورهم بالاستقلالية والاهمية والثقة بالنفس, ليؤدي بالتالي الى تفجر طاقاتهم النفسية والذهنية الكامنة, والتي سوف تصب في صالح الوحدة العسكرية, وترفع الكثير من الاعباء عن كاهل القائد, وتعفيه من الكثير من الالتزامات في العمل الروتيني والطارئ..
بين الاسرة والوحدة العسكرية: من اجل التوضيح اكثر, نود ذكر المثال التالي, والذي يلخص اهمية القيادة في تاهيل افراد الاسرة, وتنمية شخصيتهم, وجعلهم قادرين على الاعتماد على انفسهم والثقة بها, بما يرفع الكثير من الاعباء عن الوالدين (القادة), وهو امر لا يختلف عن تاثير القيادة فيما يخص الشركات والمؤسسات, وبالتالي الوحدات العسكرية.

اثناء قيامي بمبادرة لتعليم المحادثة باللغة الانكليزية في بغداد, والتي استلخصت منها الكثير من التجارب في مجالات علم النفس والادارة, اجريت دراسة شملت ثلاثة عناصر من بيئات اجتماعية متقاربة, استطعت ان استلخص من خلالها النتائج التالية في مجال القيادة:

النموذج (A) قيادة غائبة: شابة في نهاية العقد الثاني من العمر, عفوية جدا يسهل استغلالها, كما ان منطقها وصياغتها للكلمات غير متزنة, تتاخر كثيرا عن توقيتات المحاضرة, لكن ما لفت نظري انها ذكية جدا وبصورة عجيبة, فبامكانها حفظ اي جملة او معنى او قاعدة, لمجرد ان اتحدث عنها لمرة واحدة فقط, اتضح لي ان ابويها منفصلين, وهي تعيش وحيدة مع امها, الام تعمل في المجال الامني, تقضي اغلب اوقاتها في العمل, او النوم لساعات طويلة عند عودتها الى البيت, (القيادة الغائبة) هنا ادت الى ظهور شخصية ذكية بسبب الاستقلالية التي تتمتع بها, لكنها غير متزنة تماما بسبب غياب التوجيه, كما انها غير ملتزمة بالانظمة والتوقيتات ولنفس السبب.

النموذج (B) قيادة صارمة: شابة اخرى في نهاية العشرينات ايضا, ذهنها شارد خارج موضوع الدرس دائما, والذكاء مختفي تماما, الا اثناء الكذب واختلاق الاعذار, لكنني اجدها دائما تسبق جميع الحضور, وقبل موعد المحاضرة بنصف ساعة احيانا, تبين لي ان اوامر الاب (القيادة) مستمرة ولا تقف عند حد, بعضها منطقي الى حد ما, لكن الاغلب بعيد كل البعد عن المنطق, وهو لا يكتفي بالتوجيه العام, وانما يكثر من الاوامر بلا توقف, القيادة الصارمة وكثرة الاوامر افقدت هذه الشابة استقلاليتها, ما جعلها تشعر انها مجرد كائن عليه الالتزام بالاوامر, والخوف الشديد من الخطأ او الاخلال بالانظمة, سواء كانت مقتنعة بها ام لا, بالتالي اختفى لديها الذكاء المطلوب, وتحول الى ذكاء اخر, يشمل الهروب من الواقع والالتزامات والواجبات, كما ان القلق يدفعها الى محاولة الالتزام بامور لا فائدة منها, مثل الالتزام بالحضور قبل التوقيت, بدلا من استثمار هذا الوقت للمذاكرة وتهيئة الدرس, انها تعاني من النوع الاسوأ من القيادة.

النموذج © قيادة مثالية: امرأة اربعينية, متزوجة ولديها اطفال يعيشون حياة مثالية, ملتزمة ومنتبهة واجتماعية جدا لكن بحدود المعقول, ذات شخصية قوية, لا تبدو خارقة الذكاء كما في النموذج (A), لكن ذكائها منقسم الى اجزاء, يشمل مهنتها وحياتها الاسرية وثقافتها العامة, اضافة الى تلقي دروس اللغة الانكليزية, ملتزمة بمواعيد المحاضرة, وبدقة تجعلها تحضر بفارق عدت دقائق فقط, تحدثت قبل اسابيع عن اسلوب والدها في التربية, فاتضح لي انه انسان مثقف, منحها منذ طفولتها حرية اتخاذ القرارات, بحيث انها حينما كانت تسأله عن نيتها للقيام بعمل ما, كان يدلي برايه, ومن ثم يترك لها حرية الاختيار, هذه القيادة المثالية, ادت الى الشعور بالثقة والاستقلالية, والاستفادة من التجارب الفردية, ما ادى بالتالي الى تطور قوة الشخصية, وتراكم الخبرات في كافة المجالات, واذا كان الذكاء لديها منقسم على عدت مجالات, فهو الافضل من تركز الذكاء على مجال واحد, وفقدانه في مجالات اخرى, كما في النموذج (A) و (B).

المحصلة: مما سبق اعلاه نجد ان غياب القيادة (A) يؤدي الى الشعور بالاستقلالية وامكانية الابداع, لكن مع فقدان التوازن, واختفاء روح الالتزام, في حين ان القيادة الصارمة (B), والتي تعتمد على حزمة الاوامر المستمرة, تؤدي الى اختفاء الذكاء, واحتراف التهرب من المسئولية, يقابلها نشاطات والتزامات غير مجدية, بدافع القلق والخوف والاضطراب النفسي, لكن تبقى القيادة المثالية (C) هي التي تمنح الافراد حرية مناسبة للعمل, ومجال واسع للتفكير والابداع, ما يحول الافراد الى عناصر فاعلة, لا تكلف قياداتها عناء المتابعة والتركيز, الا بنسبة محدودة, ومن هنا تاتي اهمية القيادة وتاثيرها الحاسم, حيث نعود للقول ان القائد المثالي هو من يستطيع وبالتدريج, ان يصنع من افراد وحدته نماذج تستطيع العمل باستقلالية واحتراف, ومواجهة المشاكل والطوارئ, ومنها الاشتباكات, بصورة مستقلة, وبغض النظر عن مشاكل القيادة والسيطرة التي ترافقها, ومن غير ان تكلف القائد الكثير من العناء.

شخصية القائد وسلامته النفسية اولا: لكن كما ان ثقافة الاب واستقراره النفسي والذهني, هي التي تؤهلة لتربية الابناء تربية نموذجية صحيحة, في الحين ان الاب الذي يعاني من مشاكل واضطرابات نفسية, سوف يعجز بالتاكيد عن نقل رسالة التربية الصحيحة للابناء, ما يجعلهم غير مؤهلين نفسيا, وبالتالي تزداد الاعباء عليه وعليهم بمرور الوقت, فيتم نقل الاضطراب والمرض النفسي من الابآء الى الابنآء دون عناء او جهد, ايضا في الشركة والمؤسسة والوحدة العسكرية, تعتمد نوعية وكفاءة القيادة اولا على شخصية القائد نفسه, وقابليته النفسية والذهنية, وسلامته من الاضطرابات والقلق والمرض النفسي, وبخلافه لن يستطيع ان ينقل رسالة القيادة الى الافراد, بقدر ما سوف ينقل اضطراباته وازماته النفسية اليهم, وبصورة خطيرة, تؤدي الى الترهل والاحباط والفشل العام لوحدته وافرادها.

صفات القائد: في افضل الاحوال هناك صفات من الضروري ان يتمتع بها القائد, مرتبطة بشخصيته, واحيانا يجد نفسه يفتقر الى احدها, فيمكنه تدريب نفسه عليها وتطويرها, ومن بين اهم هذه الصفات:
1. الدافع الذاتي الذي يجعل القائد اكثر نشاطا وانتباها وانغماسا وحبا للعمل.
2. تمييز الامور المهمة من الاخرى الاقل اهمية ووضع الاولويات.
3. انتزاع افكار الاخرين والاستفادة منها.
4. الحزم والصرامة ومواجهة المصاعب والمفاجئات من دون تردد.
5. مرونة ذهنية تمنح الافراد مساحة كافية للعمل والتفكير.
6. الهدوء والتاثير على الاخرين وامتلاك موهبة وثقافة الايحاء.

يرى المختصون ان الصفات اعلاه لدى الفرد مرتبطة بعوامل فسلجية ووراثية, لكن من المؤكد ان التربية والبيئة والظروف ترسم دائما على الفرد طبيعة وسمات شخصيته العامة, ومنها القابلية على القيادة, وعليه فهي صفات مكتسبة, يمكن فرز السيء منها لاصلاحه, وتاشير الايجابي لتطويره اكثر, وذلك من خلال تدريب الذات والاخرين, وفي كل الاحوال, لا يمكن بناء الدافع الذاتي للقيادة من خلال سماع النصائح فقط, وانما من خلال التدريب الذاتي عليها, وهذا هو موضوع سلسلة مقالاتنا اللاحقة, حيث سنبدأ من تدريب القائد لنفسه, ومن ثم طرق تاهيله لافراد الوحدة..

ملاحظة: من اهم اسباب تفوق العصابات دائما على الجيوش النظامية اثناء المعارك والاشتباكات, هو عدم تقيدهم باوامر القيادة والسيطرة, حيث يعتمد افرادها على كفاءاتهم الفردية وحرية التصرف والتفكير اثناء المعارك, بعد تلقيهم توجيهات عامة مبسطة, على خلاف الجيوش النظامية, التي تسلب القيادة منهم مواهبهم النفسية والذهنية, بسبب كثرة الاوامر وتشنج التوجيهات, وهو امر يحتاج الى التأمل..

رابط مختصر    https://wp.me/p8HDP0-c1Q

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...