اختر صفحة

داعش، هل يعيد إعلان”خلافته” من جديد . بقلم أدهم كرم

يوليو 7, 2020 | داعش والجهاديون, دراسات, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد أدهم كرم  :محلل مختص في الشؤون الامنية والاستخبارية

أن احد مقومات أستمرارية تنظيم داعش هو أستغلاله او محاولات خلقه لحالة الفوضى العامة او ما يسميه في أدبياته (حالة التوحش), ولا يعني ها أن داعش هو تنظيم فوضوي كما يحلو للبعض من تصنيفه , بل هو تنظيم هيكلي يستغل الفوضى الناشئة ويعظمها ويحاول التحكم ببؤر التوتر والنزاع والخلافات عند اندلاعها والتي تمهد عادة الى تلك الفوضى.

مما لا شك فيه ان تنظيم داعش لا يتحرك وفق نظريات وأيديلوجيات دينية فقط , فالتنظيم لديه أستراتيجيات فعالة غير مبنية على أساس ديني الا ما يخص الاجزاء المعنوية والاعلامية, حيث انه كان يرسم خطواته على أستراتيجيات أمنية وعسكرية منها الآنية والكثير منها المستقبلية أو بعيدة المدى , وكان يدعم ركائز تلك الاستراتيجيات دائماً بالاستغلال البشع للظروف الغير العادية التي كان يمر بها الدول والمناطق الذي يتواجد فيها .

منذ ان تم الاعلان عن ظهور وانتشار فيروس (كورونا) في العالم مع نهاية شهر كانون الثاني من العام الحالي 2020 , حتى بدأ داعش من أعداد العدة لأستغلال تداعياته , حيث بدأ وبسرعة قياسية من وضع أستراتيجية تجنيدية من خلال دعوة الناس للانظمام الى صفوف التنظيم من جديد, حيث دعى التنظيم عبر صحيفته الرسمية (النبأ)  في عددها 223 الى فتح باب التوبة والفرار الى الانظمام له حتى يتجنبوا البلاء ( الفيروس).

ركزت العديد من الحسابات الناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي والمتعاونة او المتعاطفة مع التنظيم على ربط أنتشار الوباء بالغضب الالهي والامتحان الرباني الذي لا سبيل الى ردعه أو الخلاص منه الا بالعودة الى دين الفرقة الناجية المتمثلة بداعش والتي هي حسب زعمها الفرقة الوحيدة التي ستنجو من العقاب الحالي .

ولم يمضي الكثير الا وصدر العدد 225 من صحيفة (النبأ) والتي تضمنت هذه المرة توجيهات من التنظيم بغية حماية عناصره من خطر الوباء ,حيث نُشرت تحت عنوان (توجيهات شرعية للتعامل مع الاوبئة) والتي تضمنت سبعة أرشادات من المنطلق الديني للحماية من الفايروس.

ويبدو أن هذه الارشادات كانت موجهة الى الخلايا النائمة أو العناصر الميدانية الرابطة بين قيادات التنظيم والمجتمعات الحاضنة له أكثر من المجاميع الناشطة التي تستخدم عمليات الضرب والهرب وتعيش باعداد محدودة ضمن مناطق نائية.

أذن التنظيم تعامل مع الوباء بمنتهى السرعة وحاول تغليفه بالاطار الديني قدر المستطاع لكي يحقق نتائج مرغوبة له وان كانت وقتية بنظر البعض , فلقد رأينا كيف تزايد قدرة التنظيم على تنفيذ سلسلة من الهجمات الارهابية النوعية والمؤثرة ضد الاجهزة الامنية العراقية والقوات المنظوية معها مستخدماً أساليب عديدة منها عمليات أنتحارية في قلب المدن كالعملية التي أستهدفت مبنى الاستخبارات في محافظة كركوك العراقية في 28 نيسان 2020 , وعمليات أطلاق النار المباشرة والهجمات التطويقية المتعددة ولفترات زمنية تعتبر طويلة كالعملية التي نفذها التنظيم بتاريخ 2/5/2020 والتي  استهدفت قوات الحشد الشعبي  في محافظة صلاح الدين فضلاً عن عشرات العمليات الارهابية التي نُفذت البعض منها في وضح النهار والتي كانت بمثابة دلالة واضحة على أن داعش قد أستعاد عافيته وقوته من جديد من خلال هجماته المنسقة وتكيف بسرعة مع الاوضاع الطارئة وأستغل الوباء المنتشر في العراق والبلدان المجاورة للتنكيل بالاجهزة الامنية العراقية ,وقد وصف سام هيلر المستشار في منظمة  كرايسس الهجمات الاخيرة الصادرة من التنظيم بأنها (صادرة من منظمة تكتسب مجدداً قوة حقيقية).

وبعد أن ازدادت وتيرة الهجمات الارهابية المنفذة من قبل التنظيم , أصدر التنظيم تسجيلاً جديداً لمتحدثه(أبو حمزة القرشي)على تليغرام في 28 آيار 2020 والتي كانت بعنوان(وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار) مهدداً دولاً بعينها كدولة قطر وذاكراً فايروس كورونا الذي يضرب الطواغيط ووصفه مرة اخرى بأنه عَذاب مُرسل من الله لينشغل الطغاة بأنفسهم عن المسلمين وأضاف (هانحن نراكم وانتم تنزفون الاموال بشدة في محاولات يائسة لأنقاذ أقتصادكم التي انهكها حمى الوباء وقد بات الكثير من حلفائكم على حافة الافلاس) .

كان هذا التسجيل أستمراراً للاصدارات المكتوبة السابقة والصادرة من مجلة النبأ الداعشية موضحاً فيها الخطوط الاساسية لرؤيتها الاستراتيجية للاستفادة من الحالة التي يفرضها الوباء أو التي سوف يمر بها المنطقة بعد كورونا .

وباء كورونا العالمي وان كان لا يستثنى شخصاً أو دولة أو تنظيماً الا ان التنظيم أستطاع أن يغتنم تفشي الجائحة لصالحه وتحويله الى منحة لمقاتليه.

 تمكن داعش  من وضع أستراتيجية آنية وقصيرة الامد للاستفادة القصوى من تفشي الوباء وتداعياته من خلال  :

  1. تغيير خطابه الأيديولوجي من التهديد والتنكيل بالفئات الشعبية المتعاونة و المساعدة للاجهزة الامنية الى فتح باب التوبة , حيث ان هذه الدعوة لها أهمية كبيرة للتنظيم , فقد تمكن التنظيم بدعوة مماثلة في نهاية عام 2010 أبان تولي الارهابي(أبو بكر البغدادي) للقيادة من كسب العديد من المجندين الجدد وضمان حيادية الكثير من العشائر والشخصيات المؤثرة ضمن مناطق عمليات وتحرك الخلايا المرتبطة به.

2.زيادة القدرة الحركية للمجاميع الارهابية المرتبطة بالتنظيم وأختراقها لمناطق جغرافية أو سكانية محددة كانت مقيدة عليها في السابق او كانت محدودة الحركة فيها (كالتحرك في اوقات الليل فقط), وهذا قد يشير الى تمكن التنظيم من كسب ولاء البعض من الشخصيات أو العشائر  أو العوائل المؤثرة أو فتح قنوات أتصال معها بعد أن ضعُفت شوكة القوات الامنية في تلك المناطق , مما أتاح للتنظيم تفعيل خلاياه النائمة وأدامة الاتصال الفعال بها وبناء مضافات سرية الذي سوف تؤمن الكثير من المتطلبات اللوجستية والاستخبارية في العمليات الارهابية المستقبلية.

  1. زيادة المواد الاعلامية المنشورة ,المكتوبة والسمعية خلال الشهرين المنصرمين وأستغلال حالات المقت الشعبي والمناطقي في المدن العراقية وخاصة السنية منها ومحاولة توظيفها أعلامياً من خلال أظهار ضعف الحكومات التي لا تمتلك استراتيجية واضحة لمواجهة الفيروس من جهة وربطها بالصراع الديني بين الايمان /الكفر, والعدو /الصديق والتي لا يمكن ان تنتهي الا بالرجوع الى الله والانظمام الى صفوف التنظيم .

تحليل فحوى رسائل التنظيم

أن التنظيم ما زال يؤمن أيماناً مطلقاً بالتنظير الاستراتيجي الذي أوجدها ( أبو بكر ناجي) مؤلف كتاب (أدارة التوحش )والذي يمكن تلخيص تنظيره بنقطتين أساسيتين :

  1. خلق الفوضى والتوحش (وهو الجزء الاصعب)حيث أنها تتطلب أنهياراً للدولة المركزية ومؤسساتها .
  2. أدارة التوحش للوصول الى مرحلة (شوكة التمكين) والتي تكون نهايتها المرغوبة هو أعلان الخلافة الاسلامية.

وأستناداً الى التنظير أعلاه فقد وجه التنظيم عدة رسائل الى أعضائه والتي أنصبت وتمحورت أغلبها حول ثلاثة أمور رئيسية :

  1. تقوية هيكلية التنظيم والاسراع بعمليات التجنيد وأدامة الاتصال بجميع الخلايا النائمة والناشطة على حد سواء .
  2. الاستمرار في شن عمليات عمليات أرهابية مؤثرة في بعض المحافظات العراقية دون سواها

(ديالى, كركوك,صلاح الدين).

  1. أستغلال الظروف  الحالية المترافقة مع أنتشار الوباء لخلق او التسريع الانتقال الى (مرحلة التوحش) والتي يَعتقد أنها قد بدأت بالفعل ببدء أنتشار الوباء وستتحقق بالكامل بالمرحلة الزمنية التي تليها .
  2. أن العالم ما بعد كورونا والذي يكون مصاباً بالكثير من الازمات الاقتصادية والصحية والصراعات المعقدة ستكون حالة مثالية للوصول الى مرحلة التوحش والذي سيكون مدخلاً لأعلان دولة الخلافة من جديد كما حصل في العراق وسوريا عام 2014 .

    إستراتيجية التنظيم ما بعد الجائحة(كورونا)    

يحاول التنظيم أن يعمق إستراتيجيته الخاصة الموضوعة أو المُعدلة وفقاً للمعطيات الحالية التي فرضتها تفشي الوباء في العالم , فقد قام بتعميق الخطاب الأعلامي من خلال منشوراته وخطاباته السابقة شارحاً الحالة التي سيكون عليها منطقة الشرق الاوسط ما بعد الوباء والذي سيكون مختلفاً عن قبله, فهو يؤكد حصول تغييرات جيو بوليتيكية كبيرة على بنية المنطقة الذي هو من اللاعبين المؤثرين فيها , فأبو حمزة القرشي أكد في خطابه الاخير ان العالم (مقبل على أمور عظيمة ) , ولا يخفى على أحد أن من أبرز الامور العظيمة للتنظيم هو (أحياء الخلافة) من جديد .

من الضرورة بمكان ان نعرف بأن عودة داعش وبهذه القوة لم يكن بسبب تفشي وباء الكورونا فقط , بل أن التنظيم كان متواصلاً في تنفيذ هجماته ألارهابية قبل ظهور الوباء وقد وصل الى مراحل متقدمة في عمليات التجنيد وأعادة الانتشار وهيكلة مجاميعه الارهابية المفككة من خلال النجاح في تحويل وأدارة التنظيم على أساس أمني بعد ان كان كياناً راديكالياً سياسياً أقليمياً عابر لجغرافية الدولة الواحدة .

يمكن القول ان وباء كورونا قد زاد من المساحات التي يمكن أستغلالها من قبل تنظيم داعش , وهذا الاستغلال وأن كان جزئياً الا  انه بدأ وفق أستراتيجية موفقة ومتعاقبة الخطوات , فالتنظيم تيقَن أن الضغط الامني والعسكري المفروض عليه في الكثير من مناطق تواجده سيتراجع تدريجياً الامر الذي سيعطيه الفرصة للتواصل بصورة أسهل وأكثر مرونة من السابق مع خلاياه الارهابية المنتشرة في البلاد ,.

ودفع أنتشار الوباء القوات المحلية العراقية الى التركيز على فرض الامور الانظباطية الداخلية المطلوبة لمنع أنتشار المرض في المدن والتأكد من أن المواطنين سيلتزمون بهذا الامر, وكذلك الحال فيما يخص قوات التحالف الدولي التي بدأت مطلع العام  بأعادة  أنتشار وسحب بعض قواتها (القوات الامريكية) من العراق والتي أدت الى تضعيف الجهد الاستخباري وتوقف الضربات الجوية الاستباقية التي كانت تقوم بها هذه القوات سابقاً , ولكنني أعتقد أن الاهم من كل هذا وذاك هو الاغفال المستمر للاجهزة الاستخبارية العراقية والاقليمية للأسباب التي يتمكن بها التنظيم من التكيف مع الظروف الصعبة والعوامل التي تُكَوُن لديه أستجابة سريعة للمتغيرات المفاجئة بل وتعظيمها بشكل يصب في تحقيق أهدافها الخاصة.

هل مرحلة التوحش قادمة لا محالة؟

من خلال تحليل نقاط ضعف وقوة التنظيم وتحركاته في العراق وسوريا  ونوعية الهجمات الارهابية التي نفذتها مؤخراً يظهر جلياً بأن التنظيم يحاول وبكل قوة زيادة زخم مرحلة ا(لنكاية والانهاك )من خلال تنفيذ عمليات أرهابية مؤثرة للوصول الى ذروة هذه المرحلة ولضمان الانخراط السريع بمرحلة التمكين التي ستأتي بعد أنحسار الوباء وهنالك عوامل عديدة قد يسرع من عملية التمكين أهمها الاوضاع الاقتصادية السيئة , السخط الشعبي والتظاهرات المستمرة فضلاً عن أحتمالية سحب القوات الامريكية او تقليل عديدها في العراق كنتيجة للحوار الاستراتيجي الحالي المستمر بين العراق والولايات المتحدة.

أن تداعيات الوباء أو ما بعد الوباء سيخلق حتماً حالة غير مسبوقة من الفوضى الاقتصادية والامنية (التوحش)التي سوف تهدد العلاقات الدولية والعالمية مما يضعف تطبيق المعاهدات والالتزامات العامة بين الدول الكبرى والنامية , حيث ان الكثير من الدول ستتقوقع على نفسها وتحاول معالجة آلأثار الذي سوف يخلفه الوباء على مؤسساتها في المقام الاول ولن تكون قادرة على مساعدة الغير بمثل تلك الشكل والصورة الفعالة التي كانت تقوم بها في الماضي حتى وأن تضمنت المساعدة أولوية مهمة لأمنها القومي الاستراتيجي, حيث العالم قد يدخل فيما يشبه حالة (النظام العالمي المفكك) مع تغيير موازين القوى العظمى وتبدل الاولويات وأزدياد الصراعات الداخلية والخارجية.

يبدو أن فرصة ظهور مرحلة (التوحش) في العراق وسوريا سيكون كبيراً ,حيث ان هاتين الدولتين غارقتين في الازمات الاقتصادية والصحية والمالية وجاء الوباء ليزيد من الطين بلة , فمرحلة التوحش التي سوف تظهر ما بعد كورونا تختلف عن تلك التي سبقت أعلان التنظيم لخلافته عام 2014 ,حيث أن التنظيم قام سابقاً بمساعي حثيثة وجبارة لخلق تلك المرحلة بعد أنهاكه للقوات العراقية والسورية في حروب أستنزاف طويلة الامد, اما مرحلة التوحش التي من المتوقع أن تظهر  في المنطقة بعد وباء كورونا فستأتي كنتيجة حتمية للتداعيات المتعددة لأنتشار الوباء وتأثرها على مجمل القطاعات الوطنية والدولية, لذا على التحالف الدولي أن يتخذ وبالتعاون مع القوات العراقية والسورية خطوات جريئة لمنع أستفادة التنظيم من المعطيات التي سوف تفرضه الظروف في وقتها.

من الواضح ان تنظيم داعش قد وضع أستراتيجيته الحالية على قراءة مفصلية وأكثر سوداوية من السابق وهذه القراءة التي تظهر على شكل خطوات عملية مبنية على الايمان بأن الفوضى التي ستتشكل في العالم بصورة عامة والتي ستعاني منه دول منطقة الشرق الاوسط بصورة خاصة بسبب كورونا لن يظهر له منقذاً أو نصيراً الا بعد سنوات أو عقود عدة مما يعطي للتنظيم مرتعاً وفسحة زمنية ومكانية كبيرة لأستغلال التوحش الذي سينتج عنه والذي سيضمُن له أعلان خلافته الدموية من جديد .

رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=70229

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

المصادر

  1. داعش وكورونا والمربع الاول , محمد ابو رمان.
  2. كوفيد 19 والحرب بالوكالة في الشرق الاوسط, ديفيد بولاك, معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى.
  3. صحيفة (نباً) الداعشية.

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك