اختر صفحة

داعش يعاود الظهور في العراق، قراءة في فرص التحدي و قدرات الإستجابة

أبريل 30, 2020 | دراسات, دفاع, غير مصنف, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد اللواء الركن المتقاعد الدكتور عماد علوّ مستشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات  المانيا و هولندا

مقدمة

اجبرت التوترات السياسية والعسكرية بين الفصائل المسلحة العراقية وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية بعد اغتيال قاسم سليماني وابو مهدي المهندس في 3كانون الثاني 2020 ، وانتشار وباء كوفيد – 19 ، بإعادة تموضع  وانسحاب قوات التحالف الدولي ومن ضمنها القوات الامريكية العاملة في العراق ، التي سحبت قواتها منذ 8كانون الثاني 2020 من قواعد عملياتها في الخطوط الأمامية في الموصل وكركوك وعدد من المناطق الأخرى، وأعيد توزيع معظم القوات الأمريكية داخل عدد أقل من القواعد العراقية المحمية بشكل لمنع تكرار الهجمات الفصائل العراقية المسلحة المؤيدة لإيران .

وفي 19 مارس/ اذار2020 ، قامت عدد من القوات العسكرية ضمن التحالف بتعليق عملياتها في العراق لمدة شهرين وبحلول 29 مارس/ اذار 2020 ، سحبت أستراليا وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا والبرتغال وهولندا جميع (المدربين) تقريبًا. وفي الوقت نفسه ، يصرف الجيش العراقي جهود كبيرة في عمليات الإغاثة من وباء كوفيد – 19 ، وفرض حظر التجول على الصعيد الوطني . وسط كل هذا يرى داعش الإرهابي أن الوباء هو غضب الهي وهو عذاب من الله لمن يخالفوهم ودعى داعش عناصره الى الاستفادة من التخبط والارتباك الذي تسبب به الوباء.

وفي الوقت الذي يعاني العراق من وباء كورونا، و يحاول احتواء الأزمة والخروج باقل الخسائر البشرية والاقتصادية في ظل ازمة سياسية معقدة وشائكة ، يبدو أن تنظيم داعش الإرهابي يتمتع بحياة جديدة وفرصة فريدة من نوعها لمعاودة نشاطه الارهابي على الساحة العراقية  ، على الرغم من أن قوات الامن العراقية  شّنت على مدى الأشهر الماضية عمليات أمنية واسعة استهدفت بحسب بيانات قيادة العمليات المشتركة مقرات وعناصر التنظيم الارهابي وشملت مناطق في محافظات ديالى (شرق) وصلاح الدين وكركوك(شمال) ، وصحراء الانبار.

محاولة صمود خلايا داعش

على الرغم من هزيمة داعش في العراق عام  2017 ، وهزيمته لاحقا” في معارك الباغوز و القضاء على أبو بكر البغدادي، أول خليفة للتنظيم الذي قُتل من قبل القوات الخاصة الأمريكية في قرية باريشا، سوريا، في تشرين الأول/أكتوبر 2019. فان كل المؤشرات التي تلت تلك الهزائم لم تدل على حدوث أي انقطاع في انشطة وعمليات خلايا التنظيم الارهابي ، حيث أعلن التنظيم عن “غزوة الثأر لولاية الشام” في نيسان/ابريل ٢٠١٩ ومن ثم غزوة أخرى “غزوة الثائرين لمقتل الشيخين” بعد مقتل البغدادي والمهاجر. ويبدو أن خلايا ومفارز تنظيم داعش الارهابي في العراق ، استطاعت الصمود بانتظار اللحظات المناسبة لاستغلال الأوضاع ومعاودة نشاطه الارهابي من جديد ، خصوصا” وأن العديد من الديناميات الكامنة، الطائفية منها وتلك المتعلقة بالحكم، التي أدّت إلى معاودة ظهوره قبل سنوات، ما زالت قائمة في العراق . بالإضافة الى أن قيادة تنظيم داعش ، أطلقت حملة اعلامية بعنوان (والنتيجة الأفضل يحققها الصالحون) بهدف إعادة تأكيد الولاء لقيادات التنظيم  (البغدادي وخليفته ابو ابراهيم القرشي ) وحصلت الحملة على دعم من الفروع الأساسية في العراق وسوريا وكذلك من  فروع التنظيم في أفغانستان وأذربيجان وبنغلاديش وبوركينا فاسو والكونغو ومصر وإندونيسيا وليبيا ومالي وموزمبيق ونيجيريا وباكستان والفلبين والصومال وتونس واليمن .

الترتيبات الميدانية لتنظيم داعش

حاول تنظيم داعش الارهابي بعد هزيمته في الموصل في عام 2017 ومن ثم هزيمته في معارك الباغوز القيام بإعداد جديد لساحة عملياته من خلال بناء انفتاح عملياتي تراكمي في المناطق المستهدفة والتي يعتقد قادة التنظيم أنه يمكن اعادة بناء وترتيب حواضن اجتماعية فيها تساعده على ترتيب صفوفه، مستغلا” عدم الانسجام بين الحشد العشائري المناطقي وقوات الحشد الشعبي القادمة من خارج مناطقهم، بما يجعل من ترحيب الأهالي الذين يتعرضون لمشاكل كبيرة مع تلك القوات مرجحا ، لكن التنظيم الارهابي واجه رفضا” واضحا” من العشائر العربية السنية والكردية التي ذاقت الامرين من جرائم التنظيم بعد عام 2014.

دأب تنظيم داعش على السعي الى استثمار تواجد خلايا التنظيم قرب مناطق الحقول النفطية وطرق المواصلات الرئيسة التي تربط العراق بسوريا  وايران والاردن ، للحصول على التمويل لعملياته وانشطته الارهابية . حيث تشير التقارير الاستخبارية الى أن التنظيم يجني من الاتاوات وتهريب السلاح والادوية والنفط والمخدرات ومواد اخرى مبالغ تبلغ( 3 – 4) مليون دولار امريكي شهريا” . بالإضافة الى أموال تصله من استثمارات داخلية وخارجية ،  مما يساعد التنظيم في تأمين التمويل اللازم لرواتب عناصر خلاياه في الداخل العراقي .

ووفقا لتقارير استخبارية ، فإن الانفتاح القتالي  لمفارز داعش القتالية في العراق يتوزع على  ١١ كتيبة قتالية ، تتألف كل كتيبة  تقريبا” من  350 عنصر وتنقسم الكتيبة الى (6-7) سرايا كل سرية من 50 عنصر وكل سرية تنقسم الى خمسة مفارز بواقع 9الى 10 عناصر .

تنشط هذه الكتائب وسراياها ومفارزها الارهابية  في المناطق ذات التضاريس الجغرافية الوعرة والبعيدة عن الرصد والمراقبة الامنية مما يؤمن لها العمل والتدريب بعيدا” عن أعين  الاجهزة الأمنية العراقية ، مثل جبال حمرين ومكحول ومناطق بساتين وارياف ديالى  وصحراء الانبار وبادية الجزيرة .

وقد تمثل الانفتاح العملياتي التراكمي لكتائب داعش بإقامة معسكرات التدريب ومخازن واكداس العتاد ونقاط المراقبة والرصد وحفر الانفاق والخنادق واستغلال الكهوف والطيات الارضية خصوصا”  في جنوب كركوك وشمال شرق ديالى وشرق صلاح الدين . ومنذ مطلع شباط 2020 ، يحاول تنظيم داعش التمدد نحو منطقة جنوب سامراء وشمال بغداد ،التي تتواجد فيها الموانع الجغرافية الطبيعية والتضاريس المعرقلة للعمليات العسكرية التقليدية،  والتي توفر لداعش صعوبة مراقبته من قبل الاجهزة الامنية.

أرقام ومؤشرات

انعكس التأييد لقيادة التنظيم من قبل فروعه بإعلان داعش  عن مسؤوليته عن أكثر من  2000 هجوم في العراق وسوريا منذ سقوط الباغوز حتى 19 آذار/مارس 2020، من ضمنها 1143 هجوم ارهابي في العراق ( تقدر تقارير استخبارية أمريكية  وتقارير الأمم المتحدة ، أنه يوجد ما يصل إلى حوالي 11,000  عنصر من داعش في العراق) توزعت كما يلي : –  محافظة ديالى ( 452 )هجوم  ، محافظة كركوك (171) هجوم  ، محافظة بغداد (146) هجوم  ، محافظة نينوى(138) هجوم  ، محافظة الانبار(133) هجوم  ، محافظة صلاح الدين (71) هجوم  ، محافظة بابل (32) هجوم.

وقد توزعت اغلب عمليات التنظيم الارهابي على مناطق مخمور وشمال غرب الحويجة والساحل الأيسر لقضاء الشرقاط و جبل الخانوكة ووادي زغيتون ومناطق شمال صلاح الدين وسلسلة جبال حمرين ومكحول ، وشمال شرق ديالى  .

استنادا” لبيانات التنظيم أعلاه ، فانه من الواضح أن محافظة ديالى هي المنطقة التي تتمتع بها الخلايا النائمة لداعش بحرية الحركة والنشاط أكثر من باقي المحافظات التي تشهد نشاطا” اقل مثل كركوك وبغداد ونينوى والأنبار، حيث تشن خلايا تنظيم داعش حوالي 11-15 هجوماً شهرياً تقريبا” ، مما يدل ايضا” على أن البنية التحتية للقيادة والتحكم التابعة لتنظيم «داعش» تبدو سليمة ، وإن كانت سيطرته في قواطع عملياته بالعراق محـدودة ، لكن خلايا  ومفارز التنظيم لديها المقدرة على اغتنام الفرص وشن عملياتها في المناطق والنقاط الهشة امنيا” وعسكريا”.

الاستنزاف استراتيجية القتال

يتبع تنظيم داعش الارهابي استراتيجية حرب الاستنزاف لقدرات الجيش العراقي والاجهزة الامنية . وهذه الاستراتيجية القتالية  شرحها أبو الحسن المهاجر المتحدث السابق باسم داعش، قبل مقتله مع ابو بكر البغدادي ، في رسالة صوتية الى عناصر التنظيم بعنوان  «صدق الله فصدقه»، موضحًا أن قادة التنظيم أرادوا حربًا طويلة مع دول التحالف الدولي المحارب للتنظيم.

وقد اشارت صحيفة النبأ الداعشية، في عددها رقم 213، الى ما يسمى بـ«الاستنفار المجهد» من بين تكتيكات الحرب الاستنزافية التي لجأ إليها داعش والتي يعتمد التنظيم  فيها على التلويح بتنفيذ هجمات إرهابية ، لاستنفار أجهزة الأمن والجيوش وإجهادها في حين لا يقوم داعش بتنفيذ أي هجمات إرهابية عقب تهديده، بل ينتظر حتى تنتهي حالة الاستنفار الأمني، ومن ثم ينفذ الهجمات وهذا التكتيكات تبقي الأجهزة الأمنية في حالة تأهب دائم، وهو ما يضعف من روحها المعنوية، ويؤدي لإجهادها ومن ثم انهيارها.

ولجأ التنظيم لهذا التكتيك لمعرفته بأن القوات المسلحة وأجهزة الأمن لا يمكن أن تبقى في حالة استنفار دائم، وبالتالي فإن التلويح بالهجمات أو تنفيذ أي هجمات ولو كانت صغيرة، يجبر الدول على حشد قواتها وهو ما يكلفها أموالًا طائلة، وبالتالي يؤدي إلى انهيار الميزانيات الخاصة بتلك الدول. وبحسب الصحيفة الداعشية، فإن تكتيك الاستنفار المجهد يعتبر جزءًا من خطة الاستنزاف طويل الأمل، الذي يهدد بانهيار الأجهزة الأمنية والعسكرية بشكل كامل.

قدرات الاستجابة

يثير عدم اليقين الكبير المحيط بمستقبل عمليات مكافحة تنظيم داعش الإرهابي في العراق بسبب التوترات السياسية والعسكرية بين الفصائل المسلحة العراقية وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ، وانتشار وباء كوفيد – 19 ، بالإضافة الى إعادة تموضع  وانسحاب قوات التحالف الدولي ومن ضمنها القوات الامريكية العاملة في العراق ، مخاوف مفهومة حول عودة تنظيم داعش في العراق.

ويبدو أن عودة التنظيم في العراق مجدداً أمر لا مفر منه – فالبلاد عرضة لعوامل محركة داخلية مختلفة، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة في وضع غير مريح يؤهلها لقيادة دعم دولي جديد لجهود بغداد لمكافحة الإرهاب و قمع أنشطة تنظيم داعش فعلياً في هذه البقعة الساخنة . فعلى الرغم من قيام القوات المسلحة العراقية بعدة عمليات عسكرية واسعة النطاق لملاحقة ومطاردة فلول تنظيم داعش الارهابي مثل عمليات (ارادة النصر ) وعمليات (ابطال العراق) ، تمكنت خلالها القوات العراقية وبإسناد من جوي من قوات التحالف الدولي من الحاق خسائر كبيرة بتنظيم داعش وتدمير العديد من الانفاق والمقرات واكداس العتاد وقتل عدد كبير من الارهابيين .

الا ان ترك الساحة للقوى الطائفية سوف يُديم دورةً لا تنتهي من الانتعاش والانكماش المتكررين في الحركة السلفية الجهادية ، الأمر الذي لن يؤدي سوى إلى قيام المزيد من المعاناة للسكان المدنيين وإثارة المزيد من عمليات التجنيد من قبل تنظيم داعش الارهابي . وتحاول القوات المسلحة العراقية اتخاذ إجراءات جديدة لمواجهة تصاعد هجمات التنظيم الارهابي ، من خلال تفعيل آلية التعاون مع السكان المحليين في الجانب الاستخباراتي، وتنفيذ عمليات دهم وتفتيش مباغتة، والإبقاء على عمليات التفتيش والتشديد الأمني في المناطق الصحراوية والجبلية، خصوصاً تلك القريبة من المدن والقرى التي شهدت هجمات واعتداءات إرهابية في الفترة الماضية.

أما بالنسبة لتفشي وانتشار وباء كوفيد – 19 في العراق والمنطقة ، فمن السابق لأوانه التنبؤ بكيفية (ومدى) تأثيره على القدرات العسكرية العراقية ، وكذلك بالمقابل ايضا” على قدرات تنظيم داعش الارهابي  خصوصا”.  الا أنه من الواضح أن وباء كوفيد – 19 ، أدى بشكل أو بآخر إلى إعاقة العمل الدولي والمحلي ضد تنظيم داعش بسبب تغيّر الأولويات.

رابط النشر https://www.europarabct.com/?p=68880

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك