داعش والجهاديوندراسات

داعش و الاعلام ،”مانيفيستو” المرأة داخل التنظيم. بقلم الدكتورة سارا البرزنجي

إعداد : الدكتورة سارا محسن البرزنجي، مستشارة المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

      لعبت الأذرع الإعلامية التابعة لـ”داعش” دوراً في تظهي رقوة التنظيم. إصدارات متنوعة، مرئية ومصورة ومكتوبة، تعمل على تلميع صورة التنظيم، وإرهاب عدوّه. جذب داعش الأضواء إليه، بقوّة إنتاجاته وتنوعها، فبات مدرسة في الإعلام الجهادي” تقتدي به الفصائل “الإسلامية.

التحول فى الإعلام الجهادى، بالمقارنة بما لجأ إليه تنظيم داعش، وما كانت تفعله التنظيمات الراديكالية الأخرى على سبيل المثال، ليكتشف فى النهاية أن أكثر من نصف انتصارات داعش إنما كانت صنيعة الإعلام الخاص به، بل استقطابه جنوده عن طريق الإعلام ووسائل التواصل الإعلامى، وإرهابه خصومه عن طريق الإعلام وصنع فيديوهات خاصة وتصديرها عبر آلاف المنصات، فى حين كان الإعلام هو رد الفعل لما تقوم به الحركات الأخرى.

كثّف “داعش” من مشاركة الكاميرا في الغزوات، والاعتماد عليها في إيصال خطابه، ومضمّناً “نصوص أفلامه” لألفاظ ندُر استخدامها لغوياً، مع أداء إجرامي، و”لحن حزين” تُغنّى به القصائد “الجهادية”، شكّلت جميعها حزمة لمنظومة إعلامية، تبدأ من الإعداد والإنتاج وتنتهي بالنشر والتوزيع على مواقع التواصل الاجتماعي.

قسم التنظيم مراصده الإعلامية إلى أقسام تهتم بالوسائط المصورة وأخرى بالطقوس الدينية، أما ما جعل بنيته الإعلامية ذات انتشار واسع، فهو قدرة التنظيم الوصول إلى عدة لغات بشكل جيّد وهذا أيضًا من أساسيات إستراتيجيات داعش الإعلامية. كما أن مجلّة “دابق” التي تنقل الحياة اليومية للتنظيم من على أرضه، مترجمة أيضًا إلى عدة لغات أوروبية وغير أوروبية، فضلًا عن أنّها مُحررة بشكل متماسك، بصرف النظر عن المُحتوى، وهو ما يجعل منها قابلة للوصول للجمهور، ومتخطية العربي إلى الغربي.

التعامل مع النساء في إستراتيجية داعش الإعلامية

وفيما يخص التعامل مع النساء في إستراتيجية داعش الإعلامية، فإن ثمّة اختلافان جوهريان في التعامل مع المرأة بين داعش وحركات الجهاد التقليدية كطالبان :

تنظيم داعش : ظهرت المرأة عند تنظيم داعش في إطار محدد فيه تأطير لدورها داخل دولة التنظيم المزعومة، كما أنه حوّلها علانيةً إلى أداة جنسية وهو ما تسبب في إثارة شهية كثيرٍ ممن اندفعوا للانضمام إلى داعش.

طالبان : ظهرت المرأة عند طالبان  بمفهوم “الحريم”، من حيث العزلة والمنع من العمل والخروج إلا عند الضرورة، وربما أيضًا من التعليم بعد سن التاسعة، ولعل هذه الطريقة في التعامل كانت من بين ما قلل التعاطف القاعدي الغربي مع طالبان، وخلق كادرًا أوسع للمؤيدين لدخول حرب أفغانستان في 2001، وهو ما أشار إليه أيضًا تقرير مجموعة” تايلور آند فرانسيس الإعلامية”.

“مانيفيستو المرأة “في “الدولة الإسلامية”

ظهرفي عام 2015، وتأكيدًا على فكرة تأطير دور المرأة في إستراتيجية داعش الإعلامية ، ظهر ما يُسمى “مانيفيستو المرأة “في “الدولة الإسلامية”، وهو بيان صاغته إحدى فرق الشرطة النسائية في داعش. ويتُيح البيان المكتوب في 41 صفحة، للنساء وبخاصة الطبيبات والمعلمات من الخروج، لكن وفقًا لبعض “الضوابط الشرعية”.

يسمح البيان للنساء بالعمل ثلاثة أيام في الأسبوع لتتفرغ لمنزلها بقيّة الأيام، ومن هذه النقطة يعرج البيان بالانتقاد إلى عمل المرأة الغربية المتواصل الذي يجعلها تترك منزلها وزوجها، ويُحيل ذلك إلى كون المجتمعات الغربية مادّية تُقدّس العمل وتهمل الإنسان.

المثير للاهتمام، أنه في الوقت الذي يترجم داعش فيه كل منشوراته للعديد من اللغات، إلا أن هذا البيان لم يُترجم لإداركه أنه فاقد لعنصر الجذب من المجتمعات الغربية، لذا فقد أبقاه بيانًا داخليًا، وفي نفس الوقت يُخاطب المرأة العربية في محيطه، وهو ما يدل على أن إستراتيجية داعش الإعلامية قد تراعي بعض الخصوصيات التي قد تؤثر على حضورها لدى بعض المجتمعات.

تطور الإعلام “الجهادى”:

للوصول إلى تحليل ما وصل إليه تنظيم داعش من تطور إعلامى، لابد من العودة إلى الخلف قليلاً لمعرفة كيف استطاعت الحركات “الجهادية” تطوير أنفسها إعلامياً:

1- مرحلة السبعينيات فى مصر والثمانينيات فى أفغانستان: بدأت الحركات الجهادية عملها فى مصر فى السبعينيات، وانتهى الأمر باغتيال الرئيس المصرى أنور السادات، ثم انتقلت تلك الجماعات إلى أفغانستان فى محاربة ما كان يسمى وقتها «الشيوعيين الكفار»، وكانت هذه المرحلة تتميز بمحدودية تواصل التنظيمات الجهادية مع مناصريها والأشخاص عبر الوسائل التقليدية، مثل: منابر المساجد، والخطب، والمنشورات، والمجلات الورقية، والأنشطة الاجتماعية، مع المجتمعات المحلية.

2- عقب «أحداث 11 سبتمبر»، التى تزامنت مع بدء انتشار الإنترنت حول العالم، بدأت هذه الجماعات بإنشاء آلاف المواقع الإلكترونية للتواصل مع الأشخاص، وكذلك عبر المنتديات الإلكترونية المغلقة.

كما حدث تطور مهم ولافت، وهو فى إدراك تلك الجماعات أهمية الإطلال من خلال شاشات الفضائيات، ومن هنا بدأ زعيم تنظيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن، فى إرسال خطبه ورسائله وبثها عبر قناة «الجزيرة»، منبر «القاعدة» وقتها، واستطاع «القاعدة» من خلال تلك الرسائل الوصول إلى ملايين المشاهدين حول العالم، فضلاً عن إيصال رسائل مشفرة لأنصاره.

3- بعد الحرب على العراق 2003، بدأ «القاعدة» وفروعه فى العراق فى توظيف مواقعها، تزامنًا مع بدايات ظهور مواقع التواصل الاجتماعى، وتُعتبر صفحة «جهاد الأمة» من أهم الصفحات الإرهابية على «فيسبوك»، وترتبط تلك الصفحة بروابط لعددٍ من المنتديات والمواقع، مثل: منتدى «شموخ الإسلام»، وهو مركز يحتوى على العديد من المواد الجهادية، التى توزع على المواقع الإرهابية، ويُعتبر حلقة وصل بين مستخدمى «فيسبوك».

الاستراتيجية اللامركزية للجماعات “الجهادية”

حدث تحول مهم وقتها فى الاستراتيجية الإعلامية والجهادية للإرهابيين من خلال ما قدمه أحد أعضاء القاعدة- واسمه أبومصعب السورى- فى مؤلف عنوانه: «الاستراتيجية اللامركزية للجماعات الجهادية» فى 1600 صفحة على الإنترنت، يهدف إلى إثارة انتفاضة عالمية من خلال قيادات وخلايا عنقودية وفردية.

اشار فيه إلى أن التقاليد السابقة المتمثلة فى التنظيم الهرمى للجماعة الإرهابية كانت عائقًا لاستمرار أنشطة تلك الجماعات، فالقبض على عضو واحد يُمكن أن يُعرّض التنظيم بأكمله للانهيار، ولذا اقترح ما يُعرف بـ«الجهاد الفردى» فى إطار خلايا عنقودية ليست متصلة بالقيادة الأم، مؤكدًا أن تحقيق ذلك يتطلب التركيز على خلق مشاعر مشتركة.

وهذا ما دفعه إلى التأكيد على دعم الأيديولوجيا الإسلامية الجهادية والهوية المشتركة تجاه قضية واحدة، وبالتالى وحدة الهدف والقضية دون أن تكون هناك أى صلات تنظيمية.

اقترح  ابو مصعب السوري التركيز على الجهاد فى بلدانهم المقيمين فيها. هذا الأمر ساهم فى ظهور ما يُعرف بـ«الجهاد بلا قيادة»، وبالتالى أصبحت هناك خلايا تقوم بعمليات دون أخذ أوامر من القيادة المركزية لـ«القاعدة».

وضمن نتائج ذلك، بدا وكأن الإنترنت بمثابة «جامعة إرهابية» تقوم بتلقين المتطرفين التقنيات والمعلومات والأفكار المتطرفة والطرق الإرهابية الجديدة، مثل «دليل سموم المجاهدين»، الذى يحتوى على وصفات محلية لتصنيع مواد وغازات سامة، و«موسوعة الجهاد»، ومجلة «Inspire»، التى تتضمن كيفية صناعة الأسلحة والمتفجرات فى أماكن بسيطة، ومثال على ذلك، التقارير والتحريات الأمنية عن تفجير ماراثون بوسطن فى عام 2013، حيث أكدت التقارير والتحريات أنهم استفادوا من مجلة «inspire» فى تنفيذ تلك العملية الإرهابية.

4ـ إعلام داعش: استفاد تنظيم داعش من كل ما مضى، فاستفاد من الخلايا العنقودية فى صنع «الذئاب المنفردة»، كما استفاد من درس الوصول الإعلامى عبر الفضائيات، عبر استغلال الوكالات الموجودة على الأرض، كما استفاد من كل ما سبق فى صنع آلته الإعلامية الخاصة، التى تضمنت آلاف الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعى، ومجلات إلكترونية بلغات متعددة (أبرزها مجلة دابق)، وآلاف الفيديوهات التى تدعو الشباب إلى اللحاق به، وصناعة الصورة الذهنية، من خلال صفحات «فيسبوك» و«تويتر» وموقع «إنستجرام».

رابط مختصرhttps://www.europarabct.com/?p=49393

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الدكتورة سارا محسن البرزنجي

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى