داعش وتأصيل ايدلوجية الترهيب . الدكتور ايمن حسان

داعش وتأصيل ايدلوجية الترهيب . الدكتور ايمن حسان

كتب، الدكتور ايمن حسان
المركز الاوروبى لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اعدم تنظيم أنصار بيت المقدس (داعش سيناء)، أحد الرموز الدينية في سيناء والبالغ من العمر 100 عام. حيث قامت عناصر من “أنصار بيت المقدس” المبايع لتنظيم “داعش” اختطفوا الشيخ سليمان أبو حراز، وهو شيخ مسن وضرير، ومن كبار مشايخ الطريقة الصوفية في سيناء، من أمام منزله بحي المزرعة جنوب مدينة العريش على مرأى من أبنائه وتحت تهديد السلاح، بدعوى ممارسة السحر والدجل.

ويبدو أن الشيخ أبو حراز مثّل تهديدا لأفكار تنظيم “بيت المقدس” لنهجه المعتدل والذي ينبذ الإرهاب والفكر المتطرف، حيث كان له تأثير كبير في أوساط القبائل البدوية التي كانت تستمتع لعظاته الدينية وسبق تهديده عدة مرات من قبل متطرفي “داعش”.
وأثار إعدام الشيخ سليمان أبو حراز ردود فعل غاضبة بين المصريين الذين دانوا هذه “الجريمة” التي مست برمز ديني بارز في البلاد.

كشفت دار الإفتاء المصرية سبب الجريمة البشعة التي ارتكبها تنظيم “داعش” في سيناء بذبح شيخ ضرير يبلغ من العمر 100 عام.
وقال “مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة”، التابع للدار، إن الجريمة الوحشية التي ارتكبها “داعش” بحق أحد رموز التصوف والزهد في سيناء الشيخ سليمان أبو حراز ابن قبيلة “السواركة”، والذي يعتبر أحد علامات التدين والزهد في سيناء، جريمة بشعة ومتسنكرة، مؤكداً أنها “تكشف دموية التنظيم وانتهاكه لكافة حرمات الله ومحاربة أئمة العلم والزهد والإيمان في مختلف المناطق والمدن التي يصل إليها في مسعى منه للقضاء على كل فكر دون فكره وكل تنظيم سواه”.

ولفت المرصد إلى أن عداء التنظيم للعلم والعلماء واضح منذ الوهلة الأولى لظهوره على مسرح الأحداث، فقد طالب أنصاره بالرد على ما وصفهم بشيوخ الطواغيت، مطالباً بتصفيتهم والتخلص منهم، زاعماً أن ذلك سيصب في صالح الإسلام والمسلمين ، كما أوضح المرصد أن “التنظيم الإرهابي يعلم جيداً أن العلماء المعتدلين ومنهم الشيخ أبو حراز يعدون أهم خصومه، فهم حائط الصد الأول أمام دعاية التنظيم وأكاذيبه وأباطيله التي يروج لها ليل نهار، كما أنهم حاملو لواء العلم وناشروه بين الناس ليعلم الجميع الغث من السمين، لذا فهو دائم العداء لهم ويسعى بكل السبل للنيل منهم واغتيالهم معنوياً ومادياً وهو ما حدا به لقتل وذبح الشيخ حراز”.

وطالب المرصد الدول والحكومات التنبه جيداً والحفاظ على العلم والعلماء من اعتداءات التنظيم واستهدافه المستمر، كونهم أحد أهم عناصر المواجهة الشاملة مع التطرف والتكفير بشكل عام، وتنظيم “داعش” على وجه الخصوص ، وقد أدان الأزهر جريمة ذبح داعش سيناء للشيخ الضرير سليمان أبوحراز البالغ من العمر 100 عام ، وأكد الأزهر في بيان له أن إعدام شيخ مسن ضرير هو “دليل على أن مرتكبي هذه الجريمة الشنيعة مجرمون تجردوا من أدنى قيم الإنسانية وأبسط معاني الرحمة، كما أنه يبرهن على أن جرائم هذه الفئة الضالة لا تمت بأدنى صلة للإسلام الذي يحرم قتل الأبرياء، ويشدد أكثر على حرمة دماء العجزة والضعفاء وكبار السن”.

وهذه الجريمة البشعة ليست الاولى فى قبيلة السواركة فى سيناء حيث لقي الشيخ خلف المنيعي من كبار قبيلة السواركة أحد أكبر القبائل بمحافظة شمال سيناء، ونجله محمد، مصرعهما عام 2012علي يد ملثمين، أمطروا الشيخ خلف، ونجله بوابل من الرصاص أثناء مرورهما بسيارتهما الخاصة من ناحية قرية الخروبة على طريق العريش رفح الدولي.

اصيب الشيخ خلف، بطلق نارى بالرأس (اخترقت الوجه وخرجت من الرأس)، ونجله بطلقتين، ولقي مصرعهما في الحال، وفر الجناة هاربين داخل سيارة إلي منطقة الجبل مرة أخري، وترجع أسباب الحادث، إلى إعلان الشيخ خلف تضامنه مع قوات الأمن والجيش بسيناء، للقبض علي الجناة المتسببين في أحداث رفح، وذلك خلال مؤتمر أقيم بمنطقة المهدية لعدد من القبائل لإدانة مرتكبي حادث رفح، كما أفتي الشيخ خلف خلال المؤتمر “بحل دم هؤلاء الإرهابيين”، وهو الأمر الذي أدي إلي انتقام تلك الجماعات من شيخ أكبر قبائل العريش.

كل ما يحدث من جرائم قامت بها داعش يؤكد تبنّى تنظيم ” الدولة الإسلامية” فكرَ القاعدة، لكن الإيديولوجيا ليست غاية داعش الأساسية؛ بل هي مجرّد أداة للحصول على المال والسلطة. فالتنظيم لايتبع مرجعاً إسلامياً محدّداً، ويرفض مذاهب الإسلام الأربعة (السنّية). ويستمرّ بدلاً من ذلك في تفسير الشريعة بالطرق التي تبرّر أفعاله. وهكذا، ينبغي النظر إلى إيديولوجيته باعتبارها أداة للحصول على الشرعية والموارد، وأنها في تطوّر مستمرّ.

ترويج الإيديولوجيا

يستخدم داعش عناصر إيديولوجية لبناء علاقات مع السكان المحليين وحُكم المناطق التي سيطر عليها. في الرقة وغيرها من المناطق، استخدم داعش ترويج الإيديولوجيا جنباً إلى جنب مع الاستراتيجية العسكرية لإثارة الارتباك في صفوف السكان. فحين يسيطر التنظيم على إحدى القرى، وحتى قبل أن يؤمّن المنطقة، غالباً ماينخرط في أعمال يُنظَر إليها على أنها ترويج للشريعة، مثل حرق علب السجائر، وتدمير قوارير الكحول، وجلد النساء اللواتي يرتدين ملابس “غير لائقة”. ترمي هذه الخطوات إلى إظهار أن الترويج للشريعة الإسلامية هو في صلب أولويات التنظيم، مايساعده على نيل الشرعية. لكن هذه الخطوات ترمي أيضاً إلى إرباك الناس، ذلك أنها تحدث حين يكون من المتوقّع أن يركّز التنظيم على تأمين مناطق استولى عليها حديثاً.

بعد أن يستولي التنظيم على إحدى المناطق ويبدأ بحكمها، يستخدم الشريعة كمبرّر لمنع أعضاء في المعارضة السورية من العمل، ولقتل هؤلاء الذين قاتلوا في صفوف ألوية إسلامية منافسة له. وغالباً مايُحتجز هؤلاء الأشخاص بحجة أنهم مجرمون، ويتم صلبهم لاحقاً أو إخضاعهم إلى ممارسات وحشية علنية.

وينفّذ التنظيم أيضاً إعدامات علنية وفظائع أخرى مشابهة بشكلٍ دوري لترهيب قاعدته وجعلها تمتثل إليه بدرجةٍ كافية، بحيث تقلّ الحاجة إلى استخدام العنف ضدها. وهكذا، يصبح السكان الخاضعين إلى سيطرة التنظيم قادرين على حكم أنفسهم ذاتيّاً، الأمر الذي يستخدمه التنظيم كـ”دليل” على أن أتباعه مخلصون له. يظهر في شريط دعائي صادر عن تنظيم “الدولة الإسلامية” أحدُ أعضاء داعش وهو يجول في سوق الرقة متحدّثاً أمام الكاميرا أن الناس بدأوا بإغلاق متاجرهم لصلاة الجمعة من دون أن يذكّرهم التنظيم بذلك.

تساعد هذه الهيمنة تنظيم “الدولة الإسلامية” على ممارسة الحكم؛ على سبيل المثال، يمنح التنظيم قاعدته الشعبية قروضاً لإنشاء أعمال تجارية، وهو على ثقة من أنها ستسدّد له القرض بدافع الخوف. وحتى في الحالات التي يصبح فيها هذا النوع من الحكم هو القاعدة، تُنفَّذ الإعدامات العلنية بشكلٍ دوري لتكون بمثابة تذكير بقوّة التنظيم وأداة لفرض سيطرته.

اصبح تنظيم “داعش” محطّ اهتمام الرأي العام العربي والأجنبي على حدٍّ سواء، وبخاصّة بعد سيطرته على منطقتي الفلوجة والرمادي في العراق، ومناطق أخرى في محافظة الأنبار في بداية عام 2014، ثم اتساع الرقعة التي يسيطر عليها في العراق وسورية في العاشرمن يونيو وذلك من خلال إحكام سيطرته على مدينتي الموصل وتكريت ومناطق أخرى في العراق.

التحالف الدولي والضربات الجوية

وفي سياق هذه التطورات، تم عمل استطلاعًا للرّأي العامّ في المنطقة العربية حول موضوع التحالف الدولي ضد تنظيم” الدولة الإسلامية “داعش ؛ وذلك للوقوف على اتجاهات الرأي العام نحو الضربات الجوية التي يقوم بها التحالف، ومدى تأييد أهداف التحالف الدولي ومعارضتها، بالإضافة إلى التعرّف على آراء المواطنين تجاه موضوعات ذات علاقةٍ بهذا التنظيم. ويعدّ هذا الاستطلاع الأول من نوعه حول موضوع التحالف نحو قضية راهنة مازالت تطوراتها تتفاعل، وهو الأوسع انتشارًا؛ إذ يهدف إلى الوقوف على اتجاهات الرأي العام في المنطقة العربية في سبعة مجتمعات عربية، وهي: تونس، ومصر، وفلسطين، والأردن، والسعودية، ولبنان، والعراق، فضلًا عن اللاجئين السوريين (في كلٍ من لبنان، والأردن، وتركيا). وبلغ حجم العينة في كلِّ مجتمعٍ من هذه المجتمعات 600 مستجيبٍ ومستجيبةٍ، في حين بلغ حجم العينة المتعلقة باللاجئين السوريين 900 مستجيبٍ ومستجيبةٍ، والتي تم توزيعها على بلدان اللجوء الثلاثة بالتساوي.

وكان نتيجة الاستطلاع ان 85 % من الرأى العام العربى ضد تنظيم داعش ، 59 % من الرأى العام العربي يؤيدون ضربات التحالف الجوية ضد تنظيم داعش ، 45% من الرأى الاعم العربى يرفضون بشكل قطعى تدخل قوات برية وهى كالتالى (سوريا 43% – العراق 49% – الاردن 47% – مصر 63%) .
واذا نظرنا الى الجهات المستفيدة من الحملة العسكرية ضد داعش وهى كالتالى (الولايات المتحدة 31% – اسرائيل 27% – ايران 14% – النظام السورى 10% – وجهات اخرى 18 %) .
فقد أصبح الفكر المتطرف يجد لنفسه تربة خصبة في دول العالم، خاصة مع تفشي الجماعات الإرهابية التي أصبحت تقوم بتسهيل أساليب الوصول للراغبين في الانضمام إليها، أبرزها تنظيم داعش.

الدعاية الجهادية والمقاتلون الاجانب

وكشفت إحصائية أجرتها فرنسا مؤخرا أن، نحو 2000 مراهق فرنسي تحولوا إلى التطرف بسبب دعاية تنظيم داعش، وفقا لما ذكره مصدر أمني فرنسي، اليوم السبت، لصحيفة “لو فيجارو” الفرنسية.
ويزداد قلق السلطات الفرنسية من الأمر، خوفا من المؤشرات التي تؤكد تزايد عدد الفتيات اللاتي انضممن لمنظمات تتبنى التفكير المتشدد ، بعد ان وصل عدد المراهقين الذين  يتعاطفون مع التنظيمات الإرهابية ومنها داعش، بنسبة تصل إلى 121%، ويصل عدد المؤيدين لنهج التنظيم بنحو 1954 مراهق ومراهقة.

وهذا ما اكده الرئيس السيسي، فى حوار مع وكالة الأنباء البرتغالية الأحد 20 نوفمبر 2016 “الإرهاب هو العدو الحقيقى الذى نواجهه، وهو ليس موجودا فى العراق أو فى سوريا أو فى ليبيا فقط بل يحاول مهاجمة العالم بأسره”، مناشدا المجتمع الدولى ضرورة العمل وفق استراتيجية واسعة النطاق تشمل، إلى جانب الأمن، العوامل الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، على حد قوله.

وهذا يجعلنا نسترجع ما قام به داعش حيث جنّدت المجموعات” الجهادية” في سوريا منذ بداية عام 2015 أكثر من 20 ألف مقاتل خدمةً قضيتها، كانت أغلبية هؤلاء المقاتلين قد انضمت إلى صفوف الدولة الإسلامية )المعروفة أيضاً باسم داعش( لسبب رئيسي في نجاح عمليات التجنيد ألا وهو مهارة أعضائها باستخدام الدعاية ووسائل التواصل االجتماعي، مما أتاح لها توسيع نطاقها من نزاعٍ يقتصر على فئة معينة في سوريا والعراق إلى عنصر جذب عالمي.
بدت الجهود الرامية إلى التأثير على دعاية داعش مترددة وغير فعالة، رغم جهود بعض الدول  منها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وقوّض حجم بصمة داعش الكبير من الجهود الرامية إلى مواجهة رسائل داعش، كتلك التي يترأسها مركز الاتصالات الاستراتيجية لمكافحة الإرهاب.
في الحقيقة، لم يعادل أي جهد حتى الآن الطبيعة الخاصة ب”الدولة الإسلامية” ونطاقها أو محتواها المشحون.

التوصيات

من أجل مواجهة دعاية  داعش، يتعين على الحكومات التركيز على محتوى الرسائل المضادة بدلاً من التركيز على نشرها. فما المانع إن نشر المواطنون محتوى يرون فيه مادة فعالة. وفي حال أرادت الحكومات أن تسهل نشر الرسائل المضادة، فإنه يتعين عليها أن تتعاون مع المواطنين من خلال تمكينهم من العثور على محتوى مماثل. أما فيما يتعلق بشركات التواصل الاجتماعي، فإنه يتعين عليها العمل على دعم شروط خدماتها من أجل منع الدولة الإسلامية )داعش (  وكذلك من يدعمها من نشر الدعاية بسهولة.

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الدكتور ايمن حسان

AgfaPhoto

اخر المقالات