بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
رغم ما حققته بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي من خطوات، بشأن مكافحة التنظيمات الجهادية وفي مقدمتها تنظيم “داعش” طوال السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أن حرب غزة جددت المخاوف من احتمالية عودة هذه التنظيمات للقارة الأوروبية، الأمر الذي دفع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في فبراير 2024، للتأكيد على مواصلة العمل مع الدول الأعضاء لمواجهة أي تهديد يشكله داعش للسلام والأمن الدوليين. لذا توالت التحذيرات من قبل الاستخبارات الأوروبية وخصوصاً البريطانية من محدودية النهج المتبع للتصدي لأي تهديدات إرهابية محتملة الفترة المقبلة.
داعش في بريطانيا
مازالت تقع بريطانيا في دائرة استهداف تنظيم “داعش”، وفي 18 يوليو 2023 كشف تقرير حكومي للمخابرات البريطانية “إم أي 5” أن تنظيمي “داعش” و”القاعدة” يخططان لهجمات إرهابية تستهدف المملكة المتحدة، لذا تركز المؤسسات الاستخباراتية في بريطانيا ثلاثة أرباع عملها لمواجهة مخاطر هذه التنظيمات، وقبلها أبلغت قوات الأمن العراقية أجهزة المخابرات البريطانية، من أن داعش يخطط لشن هجوم كبير على تجمع عام بالمملكة المتحدة. وفسرت الحكومة البريطانية وقتها وضع بلادها في قائمة أهداف داعش، لاندلاع حالة تنافس بين داعش والقاعدة.
اتضحت الأمور أكثر عبر خطابات التنظيم المتطرف المنشورة عبر صفحاته الرسمية، وتضمن غلاف مجلة “صوت خراسان” الصادرة في يناير 2024 والمرتبطة بتنظيم “داعش- خراسان”، تهديداً بهجوم مباشر على بريطانيا. وفي 29 مارس 2024 حرص تنظيما “داعش” و”القاعدة” على إرسال رسائل تفيد بأنهما يمتلكان قدرة التأثير على البريطانيين ودفعهم للتطرف إلى نطاق أوسع، بعد تبني داعش هجوم موسكو في الشهر نفسه. وفي 9 أبريل 2024 أعلنت الشرطة البريطانية أنها على علم بالتقارير المنتشرة عبر الإنترنت، حول دعوات داعش لاستهداف مباريات دوري أبطال أوروبا في لندن وجميع أنحاء أوروبا.
هذه التحذيرات ليست الأولى من جانب أجهزة الأمن البريطانية، خاصة وأن داعش مدرج على قوائم التنظيمات الإرهابية في المملكة المتحدة منذ أغسطس 2014. وبسيطرة حركة طالبان على أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي في أغسطس 2021، نوه المدير السابق لجهاز الاستخبارات الداخلية في بريطانيا جوناثان إيفانس، إلى خطورة داعش واستغلاله هذا الوضع لمنح أعضائه فرصة للتحرك داخل وخارج أفغانستان.
وأشار مؤشر الإرهاب لعام 2022، إلى أن التطرف الإسلاموي يمثل خطورة على بريطانيا، وتعد السلفية الجهادية والجماعات الإسلاموية أكثرهم تغلغلاً بالمجتمع، وتضمن مؤشر الإرهاب لعام 2023 نفس التحذير، إذ تعد هذه الجماعات التهديد الرئيسي لأمن بريطانيا بمسؤوليتها عن (67%) من الهجمات الإرهابية، وتخصص الاستخبارات (75%) من عملياتها للتصدي لها.مؤشر الإرهاب في بريطانيا والسويد عام 2023
حركة حماس في بريطانيا
تنظر بريطانيا إلى حركة حماس كتنظيم متطرف يمثل تهديداً لأمنها القومي، رغم أن سياسات المملكة المتحدة الخارجية طوال الـ (3) عقود الماضية كانت تتعامل مع حماس بأنها جزء من الساحة السياسية في فلسطين، وفي 26 نوفمبر 2021 أدرجت الداخلية البريطانية حركة حماس بشكل رسمي ضمن قائمة منظمات الإرهاب المحظورة في بريطانيا، وشمل القرار الذي حظي بموافقة البرلمان البريطاني الجناحين السياسي والعسكري للحركة، وبموجبه يواجه أعضاء حماس الذين يدعون للالتحاق بها عقوبة السجن لمدة تصل إلى (14) عاماً. واتخذت بريطانيا هذا القرار بناءً على مجموعة واسعة من المعلومات الاستخباراتية، التي تكشف عن امتلاك حماس أسلحة متطورة ومنشأة لتدريب عناصرها على أعمال عنف، وكانت الخطوة رسالة قوية لمؤيدين الحركة في بريطانيا.
استغلت حماس حرب غزة للعودة مرة أخرى إلى الساحة السياسية في بريطانيا، معتمدة على خروج مظاهرات في أكتوبر ونوفمبر 2023 داعمة لها بشوارع بريطانيا، وفي المقابل أكد وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون، في 12 مايو 2024، أن أي خطوة تتعلق بتغير نهج تصدير الأسلحة لإسرائيل يجعل حماس أقوى. وفي 18 مايو 2024، كشف استطلاع رأي أن أكثر من ثلث طلاب الجامعات البريطانية، يعتقدون أن هجوم السابع من أكتوبر 2023 عمل من أعمال المقاومة.
حزب الله في بريطانيا
أوضحت وثائق بريطانية نشرت في 29 ديسمبر 2023، أن حكومة توني بلير قبل (20) عاماً سعت لحل الجناح العسكري لحزب الله، عبر حوار مع أعضائه ورئيس الوزراء اللبناني وقتها رفيق الحريري، نظراً للمخاوف من إقدام حزب الله لاستهداف أهداف بريطانية وغربية. وتدريجياً حظرت بريطانيا منظمة “الأمن الخارجي” التابعة لحزب الله في فبراير 2001، وصنفت جناحه العسكري كمنظمة إرهابية في 2008. وفي فبراير 2019 عزمت بريطانيا على حظر حزب الله وتصنيفه كتنظيم إرهابي، وفي يناير 2020 تم إدراجه بكل أجنحته على قائمة التنظيمات الإرهابية، ما يعني تجريم التعامل معه وتبني أفكاره ورفع شعاراته، والتبرع له في بريطانيا.الإخوان المسلمون في تقارير الاستخبارات البريطانية والاتحاد الأوروبي
مخاطر الجماعات الإسلاموية في بريطانيا
تعود خطورة الجماعات الإسلاموية إلى استراتيجية الانتشار وما ينتج عنها من إحداث انقسامات بالمجتمع، وفي أكتوبر 2022 توالت التحذيرات من خطر أيدلوجية هذه الجماعات، وقال الكاتب البريطاني جيمس فورسيث، إن الأيدلوجية الإسلاموية لديها تماسك وتغلغل أكبر من المتطرفين اليمينيين، ما يجعلها التهديد الأكبر الآن. وعلى سبيل المثال عمل حزب “التحرير الإسلامي” في بريطانيا ودول أوروبية أخرى، على إيجاد مساحة للحركة بعيداً عن الحظر منذ ثمانينيات القرن الماضي. وركز على استقطاب الجالية المسلمة وبالأخص الطلاب، بانتقاد سياسة الحكومات وصناعة الكراهية نحو باقي فئات المجتمع. وبهجمات لندن 2005 تصاعدت المطالب بضرورة إدراج الحزب على قوائم الإرهاب. وتردد اسم الحزب من جديد بتنظيمه مظاهرات مناهضة للحرب على غزة، وفي 19 يناير 2024 قدم وزير الداخلية السابق جيمس كليفرلي مشروع قرار حظر الحزب للتصويت في البرلمان، اعتراضاً على رفع شعار “الجهاد” في مظاهراته.
تكمن خطورة أنشطة الجماعات الإسلاموية، في تأسيس مجتمع موازي داخل المجتمع البريطاني، لترويج أفكارها المتطرفة، وفي 15 مارس 2024 أكد وزير المجتمعات المحلية السابق مايكل غوف، أن الانتشار الشامل للأيديولوجيات المتطرفة اتضح أكثر بعد هجوم السابع من أكتوبر، ما يشكل خطراً حقيقياً لأمن البريطانيين والنظام السياسي في المملكة المتحدة.
تدابير بريطانيا لمواجهة خطر الجماعات الإسلاموية
– 14 يناير 2022: أحبطت الأجهزة الأمنية البريطانية (32) مخططاً إرهابياً من بينها (18) على يد جهاديين.
– يوليو 2022: اعتقلت الشرطة البريطانية (169) شخصاً بسبب جرائم تتعلق بالإرهاب.
-17 يوليو 2023: أجرت شرطة مكافحة الإرهاب بالمملكة المتحدة، نحو (800) تحقيقاً مباشراً.
-19 يوليو 2023: حدثت بريطانيا من استراتيجية مكافحة الإرهاب “كونتيست” لعام 2023 لمواجهة التهديدات.
-11 أكتوبر 2023: أعلنت الداخلية البريطانية معاقبة القانون كل من يبدي تأييده لحركة حماس مهما كانت طبيعته.
-24 أكتوبر 2023: حصلت الشرطة البريطانية على إرشادات موضحة، حول جرائم الكراهية عقب خلاف في الحكومة بشأن تعامل شرطة لندن مع احتجاجات مؤيدة لفلسطين، تخوفاً من استغلال الجماعات المتطرفة هذه الاحتجاجات لإرسال رسائل تحرض على العنف.
-19 يناير 2024: صوت البرلمان البريطاني لصالح حظر حزب “التحرير” وتصنيفه كمنظمة إرهابية.
-24 فبراير 2024: رفضت محكمة الاستئناف ببريطانيا، طعن شميمة بيغوم التي جردت من جنسيتها البريطانية للالتحاق بداعش في سوريا.
-11 مارس 2024: تعهدت الحكومة البريطانية بتقديم (150) مليون دولار لحماية المجتمعات المسلمة من ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعالجة التطرف.
– 1 مايو 2024: وجهت السلطات البريطانية، اتهامين متعلقين بالإرهاب إلى شرطي، نظراً لنشره صورة تدعم حماس.
مخاطر الجماعات الإسلاموية في الاتحاد الأوروبي
تصاعدت المخاوف في أوروبا من وقوع عمليات إرهابية بعد حرب غزة، وفي 27 أكتوبر 2023 حذرت وكالة إنفاذ القانون الأوروبية “يوروبول” من هجمات إرهابية على أوروبا وتجنيد الشباب من قبل التنظيمات المتطرفة، ما يجعل الذئاب المنفردة أكبر تهديد يواجه أمن أوروبا. ونوهت مفوضة الشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي يلفا يوهانسون، إلى احتمال وقوع هجمات جراء الحرب. وحذر الاتحاد شركات التكنولوجيا من عقوبات قانونية إذا لم تحذف أي محتوى مؤيد لحركة حماس على منصات التواصل الاجتماعي، لأنه يعتبر أي محتوى متعلق بحماس غير قانوني أو متطرف، ويجب إزالته وفقاً لقانون الخدمات الرقمية واللائحة التنظيمية للتصدي لأي محتوى متطرف عبر الإنترنت، لاسيما وأن محكمة العدل الأوروبية أيدت إبقاء حماس على قوائم الإرهاب في 2021.
نوه تقرير أممي في مارس 2024، إلى أن انتقال أشخاص من شمال القوقاز وآسيا الوسطى نحو أوروبا، يمثل فرصة لتنظيم “داعش خراسان” لشن هجمات عنيفة في الغرب، مشيراً إلى دوافع تتعلق بوجود خلايا نائمة في أوروبا، والدعم المقدم لهم من الناطقين بالروسية المتواجدين في أوروبا، وصور الحرب في غزة. وتثير دورة الألعاب الأولمبية المقرر انعقادها في 26 يوليو 2024 في فرنسا قلق مسؤولي مكافحة الإرهاب، باعتبارها هدفاً لهذه التنظيمات.داعش “والجهاديون” في تقارير الاستخبارات الهولندية والبلجيكية
تدابير الاتحاد الأوروبي لمواجهة خطر الجماعات الإسلاموية
-22 مارس 2022: أقرت المفوضية الأوروبية تدابير حول أمن المعلومات والأمن السيبراني للتنسيق بين وكالات إنفاذ القانون.
– 20 أبريل 2023: أقر البرلمان الأوروبي استراتيجية تتبع عمليات نقل الأصول المشفرة ومنع غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، وخصصت المفوضية الأوروبية (30) مليون يورو لحماية أماكن العبادة المعرضة للخطر بشكل خاص من جرائم الكراهية.
-18 أكتوبر 2023: أعلن الاتحاد الأوروبي تعاونه مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات، لمعالجة الإرهاب على أساس العنصرية والتطرف العنيف.
– 14 ديسمبر 2023: أدرج المجلس الأوروبي القائد العام للجناح العسكري لحركة حماس محمد ضيف ونائبه مروان عيسى، على قائمة الإرهاب التابعة للاتحاد.
– 9 أبريل 2024، شددت بعض دول الاتحاد إجراءات أمنية بعد تهديدات داعش باستهداف بطولة دوري أبطال أوروبا.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تكمن خطورة الجماعات الإسلاموية في بريطانيا، على قدرتها على الانتشار عبر الإنترنت واستقطاب عناصر جديدة لها بالتجنيد الإلكتروني، ما يجعل عمليات الذئاب المنفردة الخطر الأكبر الذي يهدد أمن بريطانيا، خاصة وأن أغلب العمليات الإرهابية الأخيرة تبنتها ذئاباً منفردة، وهذا يفسر تراجع نشاط التنظيمات مثل داعش والقاعدة مؤخراً في بريطانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، جراء الإجراءات الأمنية المشددة والتدابير الاستباقية التي تتبعها هذه الحكومة الأوروبية للتصدي لأي تهديدات إرهابية محتملة.
– إدراج حركة حماس وجماعة حزب الله وتنظيم داعش على قوائم الإرهاب في بريطانيا يعود لسنوات قبل حرب غزة، ما يعني أن أي إجراءات ستتخذها حكومة كير ستارمر بشأن تشديد الرقابة على هذه الجماعات الإسلاموية يجب أن تكون أكثر صرامة، خاصة وأن الجماعات المتطرفة استغلت حالة الانقسام في المجتمع البريطاني حول أزمة غزة، لتنشر أفكارها المتطرفة وتبث خطاب الكراهية المحرض على العنف.
– العمل على تطوير خطة دمج الجاليات المسلمة في بريطانيا، يمثل خطوة حاسمة للتصدي للتنظيمات المتطرفة، التي تعتمد على هذه الثغرة لاستقطاب الشباب بالترويج لخطاب عنصري عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
– تمثل المرحلة المقبلة تحدياً كبيراً أمام حكومة كير ستارمر، خاصة وأن حزب العمال أكد في تصريحات سابقة على أهمية مكافحة أنشطة التنظيمات المتطرفة، ومع تفاقم التوترات في منطقة الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف من عودة تنظيم داعش واستغلاله هذه الصراعات وإعادة ترتيب وجوده بالمنطقة، ومن ثم وضع أوروبا وبريطانيا بالتحديد في دائرة استهدافه مرة أخرى.
– من المتوقع أن تكثف الاستخبارات البريطانية جهودها، لرصد أي تحركات محتملة للتنظيمات المتطرفة، والعمل على تتبع تواجدها على الفضاء الإلكتروني، إذ تعتمد عليه في تكوين شبكة قوية من المتطرفين عبر الحدود وداخل القارة الأوروبية.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=95174
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
الهوامش
إلى أي مدى يجب أن تقلق بريطانيا من عودة “داعش”؟
Hate crime law to be clarified after protest row
Proscribed terrorist groups or organisations
إجراءات أمنية مشددة في باريس ولندن.. “داعش” يهدد دوري الأبطال
Fight against terrorism: Council adds two individuals to the EU terrorist list in response to the 7 October attacks
