المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (27)
داعش، هل تحوّل التنظيم من بنية مركزية إلى شبكة لا مركزية؟
دخل تنظيم “داعش”مرحلة جديدة من التحول البنيوي والأيديولوجي والعملياتي منذ سقوط ما سُمّيت بـ دولة “الخلافة” في العراق وسوريا عام 2019، . فقد تلاشت سيطرته الإقليمية التي امتدت في ذروتها إلى نحو (88) ألف كيلومتر مربع، وتحول من كيان يفرض سلطة إدارية وجبائية على الأرض إلى شبكة من الخلايا والمجموعات الموزعة في مناطق متفرقة من آسيا وإفريقيا. ومع ذلك، لم يؤدِّ هذا الانكماش الجغرافي إلى إنهاء التنظيم كما كانت تأمل القوى الدولية، بل أعاد تشكيل نفسه في صورة أكثر مرونة وقدرة على الصمود، تجمع بين مركز رمزي في العراق وسوريا وبين “ولايات” شبه مستقلة تعمل وفق ظروفها المحلية.
تراجع السيطرة الإقليمية وبروز اللامركزية العملياتية
فقد التنظيم قدرته على السيطرة على الأراضي وتحصيل الموارد عبر الضرائب والجبايات مع سقوط آخر معاقل “داعش” في الباغوز السورية في مارس 2019، أدى ذلك إلى تحوّل عميق في هيكله التنظيمي، من كيان هرمي قائم على “المركز” و”الولايات”، إلى شبكة مرنة من الخلايا المستقلة ذاتيًا. كشفت تقارير الأمم المتحدة (2023–2024) إلى أن التنظيم بات يعتمد على “اللامركزية العملياتية” بوصفها إستراتيجية للبقاء، حيث لم يعد يوجه عملياته من قيادة مركزية واضحة، بل يمنح الولايات حرية التخطيط والتنفيذ وفقًا للظروف الميدانية. هذه البنية الشبكية أتاحت له التمدد الجغرافي وتخفيف الضغط الأمني، تواصل فروعه في غرب إفريقيا والساحل وخراسان تنفيذ هجمات نوعية دون تنسيق مباشر. لقد استلهم التنظيم هذه اللامركزية من تجربة تنظيم القاعدة بعد عام 2001، لكنه طوّرها في سياق أكثر اتساعًا، إذ أصبحت “البيعة” للمركز رمزية أكثر منها عملياتية، وهو ما يفسر قدرة فروعه على التكيّف.
العلاقة بين “المركز” في العراق وسوريا و”الولايات” في آسيا وإفريقيا
مثلت العراق وسوريا النواة العقائدية والرمزية لـ”داعش”، لكن السيطرة الفعلية للمركز على الولايات باتت محدودة. وفقًا لتقارير “مجموعة المراقبة التابعة لمجلس الأمن”، أصبحت العلاقة بين المركز والولايات تعتمد على “نظام تفويض” ، أي نظام تفويض لا قيادة مباشرة. على سبيل المثال، تعمل “ولاية خراسان” في أفغانستان كيان مستقل إداريًا وماليًا، حيث تمتلك مواردها وقيادتها الخاصة، وتتبنى أحيانًا توجهات مغايرة للتنظيم، خاصة في عدائها لطالبان ورفضها لأي تسوية سياسية. بينما تعتمد ولايات إفريقيا، مثل “ولاية غرب إفريقيا” (ISWAP) في نيجيريا و”ولاية الصحراء الكبرى”، على تحالفات قبلية ومحلية لبناء نفوذها، وتُظهر مرونة في الأيديولوجيا والممارسات بما يتلاءم مع بيئاتها الاجتماعية. هذه البنية المتعددة الأقطاب جعلت من “داعش” أشبه بشبكة عالمية للتطرف العنيف، لا تخضع لتوجيه مركزي، لكنها تتشارك الأهداف الكبرى: نشر “الجهاد” العالمي، وإسقاط الأنظمة المحلية، ومواجهة القوى الغربية.
القيادة الحالية للتنظيم، هوية الزعيم الجديد بعد مقتل أبرز القادة
فقد التنظيم ثلاث قيادات متعاقبة في أقل من أربع سنوات منذ مقتل أبو بكر البغدادي في أكتوبر 2019، أبرزهم أبو إبراهيم القرشي (قُتل 2022)، وأبو الحسن الهاشمي القرشي (قُتل نهاية 2022)، وأخيرًا الزعيم الرابع الذي أعلن عنه في أغسطس 2023 باسم “أبو حفص الهاشمي القرشي”، وهو اسم حركي لم تُعرف هويته الحقيقية بعد. هذا الغموض في الهوية جزء من إستراتيجية التنظيم الجديدة لحماية قيادته من الاختراق، إذ لم يعد الزعيم رمزًا أو قائدًا ميدانيًا كما كان البغدادي. تؤكد تقارير الاستخبارات الأميركية أن الزعيم الحالي يقيم غالبًا في مناطق حدودية بين العراق وسوريا، ويدير شبكة محدودة من الوسطاء الميدانيين. فغياب الحضور الإعلامي والشخصي للقيادة قلّل من مركزية التنظيم، لكنه في الوقت ذاته أتاح له التكيّف مع أسلوب الشبكات السرية التي لا تعتمد على “الزعيم الفرد”، بل على منظومة لامركزية من اللجان الشرعية والعسكرية والإعلامية.
يُشير تقرير صادر عن فريق مراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة في فبراير 2025 إلى تزايد القناعة بين الدول الأعضاء بأن زعيم تنظيم داعش هو “عبد القادر مؤمن”، قائد فرع التنظيم في الصومال. وبحسب التقرير، فقد تمت ترقية “مؤمن” إلى رئاسة المديرية العامة للولايات في “داعش”، ما يمنحه سلطة على فروع التنظيم في إفريقيا، في إطار تحول هيكلي نحو لامركزية العمليات بعيدًا عن معاقله التقليدية في العراق وسوريا. يقول “إدموند فيتون براون”، وهو مسؤول سابق في مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة ومستشار كبير لمشروع مكافحة التطرف: “ربما اعتادوا على حقيقة أن الأمير أو الخليفة لا يُرى أو يُسمع عنه أبدًا”. وأضاف “فيتون براون:” “ربما يقولون إن أبو حفص الهاشمي القرشي هو الاسم الذي نطلقه على الخليفة. لن يعرف أحد على الإطلاق أنه صومالي. ولن يسمع أحد لهجة أفريقية. ولن يرى أحد شخصًا أفريقيًا على الإطلاق”.
ديناميات القيادة، خراسان وأفغانستان كنموذج
تُعد “ولاية خراسان” أبرز مثال على استقلالية القيادة داخل هيكل “داعش”. فهذه الولاية، التي تشكّلت عام 2015 من منشقين عن طالبان الباكستانية والأفغانية، تحولت إلى أحد أكثر فروع التنظيم نشاطًا، خصوصًا بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021. يرى “كول بونزل” الباحث في معهد واشنطن: “أن خراسان تمثل مركز الثقل الجديد للتنظيم، نظرًا إلى قدراتها على التجنيد وتنفيذ العمليات ضد أهداف غربية وإقليمية، بما في ذلك الهجوم على مطار كابول 2021 وهجوم موسكو مارس 2024”. تقدم قيادات “داعش خراسان” نفسها وريثًا لدولة “الخلافة”، ما يعكس تحوّلًا داخل هرم القيادة نحو تعددية مراكز النفوذ بدل المركزية المطلقة. بعض التقارير الاستخباراتية تلمّح إلى أن “داعش” في العراق وسوريا” يعتمد على خراسان لتمويل وتدريب بعض العناصر، في تبادل أدوار يعكس ضعف التنسيق المركزي وقوة الفروع. مكافحة الإرهاب ـ الاتحاد الأوروبي يجدد عقوباته على داعش والقاعدة حتى عام 2026
ما مصادر التمويل بعد سقوط الخلافة؟
أعاد “داعش” بعد انهيار منظومة الضرائب والجبايات في العراق وسوريا، هيكلة موارده المالية من خلال شبكات تمويل غير رسمية. هذا التنوع المالي عزّز استقلالية الفروع عن المركز، وأتاح لها إدارة مواردها الخاصة دون الاعتماد على خزائن التنظيم المركزية، ما عمّق الطابع الشبكي للهيكل. تشير تقارير الخزانة الأميركية 2023 إلى أن التنظيم يمتلك احتياطات مالية تتراوح بين (25 و50) مليون دولار، مودعة عبر وسطاء في العراق وتركيا ووسط آسيا. ومن أهم مصادر تمويله، التحويلات المشفّرة عبر العملات الرقمية، التي تُستخدم لنقل الأموال إلى الولايات. كذلك الابتزاز والفدية من عمليات الاختطاف في مناطق الساحل ونيجيريا. فضلًا عن الاستثمار في الأنشطة التجارية مثل تهريب الذهب والنفط والمخدرات في إفريقيا وسوريا. والدعم غير المباشر من شبكات متعاطفة عبر الإنترنت توفر تبرعات صغيرة متكررة. مكافحة الإرهاب ـ كيف سيؤثر تمدد داعش في إفريقيا على أمن أوروبا؟
وسائل التجنيد الحديثة، المنصات الرقمية
تطورت آليات التجنيد في “داعش” لتواكب عصر ما بعد الخلافة. فبينما كانت الدعاية سابقًا تتركز على سردية “الخلافة” والعيش في ظلها، باتت اليوم تتمحور حول “الثأر والانتقام” من القوى المعادية يستخدم التنظيم المنصات الرقمية المغلقة مثل (Telegram) و(Rocket.Chat)، ويعتمد على إنتاج محتوى متنوع بلغات متعددة. كما يركز على استهداف المهاجرين والمهمشين في أوروبا وآسيا الوسطى، مستفيدًا من الشعور بالاغتراب والظلم. وإلى جانب الفضاء الإلكتروني، يواصل التنظيم التجنيد في البيئات الهشة داخل إفريقيا (الساحل، الصومال، موزمبيق) حيث ضعف الدولة وغياب التنمية. فهناك أكثر من (60%) من المجندين الجدد في تلك المناطق لم يتعرضوا لتأثير أيديولوجي مباشر، بل انضموا لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، ما يوضح مرونة الخطاب الدعائي.
أوضحت “إليسا دي أندا مادرازو”، رئيسة مجموعة العمل المالي، الشريك الوثيق للأمم المتحدة: “هناك زيادة ملحوظة في الترابط بين الأساليب المتنوعة وتكامل التقنيات الرقمية مع التقنيات التقليدية”. ويظل استخدام داعش للتقنيات الجديدة والناشئة والذكاء الاصطناعي يشكل تحديًا متزايدًا، لا سيما أن المجموعة تستخدم هذه الأدوات بشكل متزايد لجمع الأموال وإنشاء شبكة اتصالات أوسع. تقول “ناتاليا جيرمان”، رئيسة المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب: “بينما نقف عند مفترق طرق التحول التكنولوجي وعدم اليقين الجيوسياسي، فإن تهديد الإرهاب أصبح أكثر انتشارًا وتعقيدًا”.
هل عاد التنظيم إلى مركزية القرار؟
تُظهر المؤشرات أن التنظيم لا يزال يحتفظ بـ”مركز رمزي” في العراق وسوريا، يعمل كمرجع شرعي وإعلامي، لكنه لم يعد يمارس سلطة حقيقية على الفروع. بعض العمليات الكبرى، مثل الهجوم على سجن الحسكة 2022، نُفّذت بتنسيق محدود مع القيادة، ما يعكس وجود تواصل وظيفي لا قيادي. يحاول التنظيم إحياء مركزية القرار عبر نشر بيانات رسمية موحدة وتأكيد “بيعة” الفروع للزعيم الجديد، إلا أن هذه الرمزية لا تُترجم إلى توجيه ميداني. فقد أظهرت دراسة صادرة عن معهد مكافحة الإرهاب (ICT) في العام 2024 أن نسبة العمليات التي تُدار مباشرة من المركز لا تتجاوز 15)%( من إجمالي الهجمات المنسوبة إلى “داعش” عالميًا.
هل أصبح التنظيم مجرد “علامة جهادية”؟
تحوّل “داعش” إلى “علامة جهادية” عابرة للحدود، أقرب إلى نموذج “الفرانشايز” في الشركات، حيث تستخدم الجماعات المحلية الاسم والعلامة مقابل الولاء الأيديولوجي. في إفريقيا، مثلًا، تتبنى جماعات محلية شعار “داعش” لاستقطاب الدعم والتمويل والدعاية، دون التزام صارم بالهيكل التنظيمي. حتى داخل سوريا، تعمل خلايا التنظيم وفق استقلالية شبه تامة، وتستغل الفوضى الأمنية لتحقيق مكاسب محدودة. هذه اللامركزية منحت التنظيم مرونة وقدرة على البقاء رغم خسائره، لكنها في الوقت ذاته أفقدته الانضباط الإستراتيجي الذي ميز مرحلته الأولى، ما جعل فروعه تتباين في العقيدة والأولويات، وتتحول إلى كيانات محلية أكثر من كونها جزءًا من “الخلافة العالمية”. .مكافحة الإرهاب ـ مخيم الهول، جيل داعش الجديد، وخطر الاستقطاب
تقييم وقراءة مستقبلية
– تطرح البنية الهيكلية لتنظيم داعش بوصفه شبكة لا مركزية تحديات أمنية غير تقليدية. فمن جهة، تقلّصت قدرته على شن هجمات معقدة و منسقة كالتي حدثت في باريس أو بروكسل، لكنه في المقابل أصبح أكثر خطورة من حيث الانتشار والتأقلم. ففي الشرق الأوسط، ما تزال خلاياه النائمة في سوريا والعراق تمثل تهديدًا مستمرًا، خصوصًا في مناطق البادية الممتدة. وفي إفريقيا، يواصل التمدد عبر تحالفات محلية في الساحل ونيجيريا والكونغو وموزمبيق، ما يحول القارة إلى “المسرح البديل للجهاد العالمي”. أما في آسيا الوسطى وأوروبا، فإن “ولاية خراسان” تمثل الخطر الأكبر، إذ تستغل الحدود المفتوحة وضعف الرقابة لإرسال عناصر أو إلهام متطرفين لتنفيذ هجمات فردية.
– لم ينتهِ “داعش” بعد سقوط الخلافة ، بل أعاد تعريف نفسه. ولم يعد كيانًا هرميًا مركزيًا، بل شبكة متعددة الأقطاب، تعتمد على التفويض اللامركزي والعلاقات المرنة بين المركز والفروع. لقد تحوّل من “دولة” إلى “فكرة”، ومن تنظيم ذي قيادة واضحة إلى علامة عابرة تتبناها خلايا مستقلة في مناطق النزاع. هذا التحول يجعل من الصعب القضاء عليه بالوسائل العسكرية وحدها. يتطلب التعامل مع “داعش” استراتيجيات مختلفة عن الحرب التقليدية، ترتكز على مكافحة الفكر المتطرف، وتجفيف منابع التمويل الرقمي، وتحصين البيئات الهشة بدل الاعتماد على الضربات العسكرية فقط.
– من المتوقع أن يستمر التنظيم في استثمار الفوضى الجيوسياسية الناتجة عن الحروب والنزاعات، مثل حرب غزة أو ، لإعادة تقديم نفسه كمدافع عن الفئات المستضعفة، في محاولة لاستعادة الزخم الدعائي الذي فقده بعد سقوط الخلافة. من المحتمل أن يتجه “داعش” إلى تعزيز نشاطه في إفريقيا، وخاصة في منطقة الساحل وشرق القارة، مستفيدًا من ضعف الدولة وتراجع الحضور الغربي بعد الانسحاب الفرنسي من النيجر وتشاد، وتنامي التنافس الروسي الغربي . كما أن ولايات مثل “خراسان” ستواصل لعب دور استراتيجي في آسيا الوسطى، سواء عبر عمليات فعلية أو عبر التحريض الإلكتروني ضد أوروبا والولايات المتحدة.
– من المرجح أن تواجه أوروبا تحديًا متزايدًا يتمثل في “التهديد غير المباشر”، أي خطر الإلهام الرقمي والهجمات الفردية، وهو ما يصعّب التنبؤ أو المنع المسبق. ما يدفع الأجهزة الأمنية الأوروبية في السنوات المقبلة إلى بناء منظومات استخباراتية رقمية، قادرة على تتبع الدعاية الجهادية عبر المنصات المغلقة والذكاء الاصطناعي.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=111221
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
The Islamic State in 2025: an Evolving Threat Facing a Waning Global Response
https://bit.ly/3Wzdu8I
The ISIS Model and its Influence Over Global Terrorism
https://bit.ly/4qB9CSk
Africa Province: The Funding Behind the Islamic State’s Central
https://bit.ly/4hAxj9g
The Islamic State: Background, Current Status, and U.S. Policy
https://bit.ly/4ok0Why
