Select Page

رمضان المسلمين ورمضان “داعش”

مرصد الآزهر ـ 15 يونيو 2017 ـ واصل تنظيم “داعش” الإرهابي انتهاك الحرمات والثوابت الدينية، فإذا كان شهر رمضان هو شهر الرحمة وشهر الصيام والقيام، فإن التنظيم يواصل الدعوة فيه كل عام إلى القتل وإثارة الرعب في قلوب معارضيه. ولعل التنظيم يحاول استلهام انتصارات المسلمين ومعاركهم في رمضان. لكن شتّانَ بين معاركَ وقعت لاسترداد حقٍّ ودفْع عن ذات، ومعاركَ تقتل مسالمين لا يحاربونك أصلًا. شهد رمضان في صدر الإسلام غزوة بدر، إحدى الخطوط الفاصلة في التاريخ الإسلامي، والتي دارت رَحاها في رمضانَ من العام الثاني للهجرة، وحتى في العصر الحديث وقعت حرب السادس من أكتوبر في شهر رمضان، وفيها استطاع المصريون الانتصار على عدوهم واسترداد أرضهم؛ فشتّانَ ما بين حربٍ وحربٍ، أو بالأَحْرى بين الحرب العادلة التي شَرَعها الإسلام للدفاع عن الآمنين، وبين حربِ الإرهاب الذي يَقتل هؤلاء الآمنين.

إن ما يفعله تنظيم “داعش” لا يعود إلا بالضرر على الإسلام والمسلمين أنفسِهم في جميع أنحاء العالم. ولذا قرأْنا في تقرير نشرته مجلة “ذي أتلانتك” الأمريكية  قولَ متطرّفٍ سابقٍ، وأحد الأفراد السابقين في تنظيم “داعش”: “إن ما تقوم به الجماعات الإرهابية لا يَمُتّ لمفهومِ الجهاد في الإسلام بأي صلة”.

جاء رمضان هذا العام، وقد سبقته تحذيراتٌ من عددٍ من الباحثين والمسئولين الأمنيين؛ أن رمضان هذا العام سيشهد موجةً جديدة من الهجمات الفتّاكة، خاصّةً بعد هجومِ “مانشستر” الإرهابي، الذي تبنّاه التنظيم. وقد صَحّت هذه التحذيراتُ؛ إذ بدأت بهجومٍ إرهابيٍّ مُسلَّحٍ على حافلةٍ تُقِلُّ مصريين مسيحيين في المنيا قبل رمضانَ بيومٍ واحدٍ، ثم كانت بعض الهجمات الإرهابية في أوروبا.

“اجعلوا هذا الشهرَ بمشيئة الله شهرَ المصائبِ على الكفار في كلِّ مكانٍ”.. بهذه الكلمات، دعا “أبو محمد العدناني”، المتحدث الإعلامي السابق في تنظيم “داعش”، المسلمين في كل مكان، في عام 2016، إلى قتال كل من يخالف تنظيم “داعش” الإرهابي. ويُذيع التنظيم هذا المقطعَ كلَّ عامٍ قُبيل شهر رمضانَ؛ من أجل حثّ المقاتلين في كل أنحاء العالم، خاصّةً الغربَ “الكافر” – على حدّ زعمه – على تكثيف العمليات الإرهابية، بدَعوى أن الجزاء سيكون عظيمًا، وبحُجّةِ أن الرسول – كما ذكرنا آنفًا – خاض غزوة “بدر” ضد كفار قريش، في هذا الشهر. وعقب هذه الدعوة مباشرةً، قام أحد التابعين لـ “داعش” بتنفيذ الهجوم الإرهابي الأضخم في الولايات المتحدة، بعد 9/11، خلال شهر رمضان، العام الماضي، وقد خلّف ما لا يقل عن 49 قتيلًا، وأكثر من 50 مصابًا، في نادٍ للشواذ بـ “أورلاندو”.

وفي السياق نفسه، أوردت صحيفة ” Breitbart” مقالًا، يتناول ظاهرة تصاعُد أعمال العنف والهجمات الإرهابية خلال شهر رمضان، حيث كان تنظيم “داعش” الإرهابي قد دعا إلى العنف والتصعيد خلال الشهر نفسه في السنة الماضية، وكان “معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط” قد لاحظ أنّ الجماعاتِ الإرهابيّةَ تؤكد على موضوعات الجهاد في شهر رمضان، في شكلِ رسائلَ ومقالاتٍ وخُطَبٍ. ومن بين هذه الموضوعات التي استوقفت المعهد: أنه على الرغم من أهمية الجهاد في كل الأوقات، إلا أن له مكانةً وأهميّةً أكبرَ خلال هذا الشهر الكريم، كما أنه يحتل الصدارة على غيره من الأوامر الأخرى، فشهرُ رمضانَ يمنح المقاتلين قوّةً خاصّةً، ومن يرزقهم الله الشهادة خلال هذا الشهر تتضاعف أجورهم في الجنة. وحسَب التقرير، فإن “الإرهابيين” نفّذوا عملياتٍ إرهابيّةً أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 420 شخصًا وجَرْح ما يقرب من 730 آخرين، في أنحاءٍ مختلفة من العالَم، خلال شهر رمضان، في عام 2016. ويصف المعهد شهر رمضان؛ بأنه “شهرٌ منح الله فيه النصر لعباده المؤمنين” وهو ما تستغله الجماعات المتطرفة مثل “داعش”.

لم يتوقف الأمر على الدول الغربية، أو حتى غير المسلمين في الدول الإسلامية، بل إنه يصل للمسلمين في الدول الإسلامية نفسِها. ففي رمضان 2016 قَتل المتطرفون ما لا يقل عن أربعةٍ من ضباط الشرطة، وأصيب سبعةٌ آخرون، إثر هجومٍ انتحاريٍّ في أحد مساجد المدينة المنورة، بالمملكة العربية السعودية، الأمر الذي دعا أحدَ الباحثين إلى القول؛ بأن الإرهابيين لا يُفرّقون بين مسلمين أو غربيين عندما يتعلّق الأمرُ بقتل المدنيين.

وقد نقلت صحيفة” الاندبندنت” البريطانية مؤخرًا دعوة تنظيم “داعش” للمنضمين له حول العالم، إلى شنّ هجماتٍ إرهابية؛ ممّا يُنذر بموجةٍ جديدة من الإرهاب. وقد دعا التنظيم في بيان له عبر “اليوتيوب”، الأفرادَ الذين لم تسنح لهم فرصة الانضمام إلى التنظيم في الأراضي التي يسيطر عليها في سوريا والعراق، إلى القيام بهجماتٍ إرهابية هناك، عِوضًا عن السفر إلى سوريا والعراق. كما حثّ التنظيم في مقالٍ لـ”أبي حسن المهاجر” في عددٍ خاص من مجلة “روميّة”، الصادر في شهر رمضان، المقاتلين على تكثيف جهودهم من أجل الحصول على الثواب الأعظم في شهر رمضان. كما دعا التنظيم إلى استهداف العلماء الذين وصفهم بأنهم علماء الفتنة والشر، بالإضافة إلى السياسيين، وبعض الدول مثل: مصر، وتركيا، وروسيا، وإيران.

لذا يُكرّر التنظيم مثل هذه الأحداث المؤسفة قبل كل المناسبات الهامة، سواء الخاصة بالمسلمين أو المسيحيين، بل ويحاول التنظيم بكل ما أوتي من قوّةٍ أن يُثبِتَ للعالَم قوّتَه التي ضَعُفت، خاصّةً بعد فقدان مساحاتٍ شاسعة من الأراضي التي يُسيطِر عليها في سوريا والعراق، فيقوم التنظيم بحشْد التابعين له كلَّ عامٍ في شهر رمضانَ، يخدعهم بدلائلَ باطلةٍ، ولِيَلْبِسَ عليهم دينَهم الذي جهلوه…