دراساتدفاع

دلالات انضمام حلف( الناتو) للتحالف الدولي لمحاربة داعش. اللواء الركن عماد علو

 إعداد: اللواء الركن الدكتور عماد علو خبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ، بتاريخ 25/5/2017 أن الحلف سينضم إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن دون المشاركة في العمليات القتالية. وقال ستولتنبرغ إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى التزاما قويا بالدفاع عن الحلف، عقب قمة الدول الأعضاء في الحلف في بروكسل، وأضاف ستولتنبرغ أن ترامب “كان حادا في حديثه عن ضرورة أن تسدد الدول الأعضاء مستحقاتها في الحلف”.

ويعتقد العديد من المراقبين أن هذا الاعلان جاء بعد ضغط أمريكي واضح على دول الحلف لتخفيف الضغط الذي تواجهه واشنطن على صعيد الميدان العسكري في العراق وسوريا وعلى صعيد أروقة السياسة في الكونكرس الأمريكي وبقية قوى الضغط الأمريكية التي باتت تزداد يوما بعد يوم في ضوء القناعة أنه  المتزايدة لدى الشارع الأمريكي أن المبررات التي ساقتها الادارات الامريكية السابقة لدخول الحرب لا تتناسب مع التكاليف اليومية لها سواء على صعيد الكلفة البشرية أو المادية بالإضافة إلى سمعة أمريكا على صعيد المنطقة والعالم .

ومن الجدير بالذكر منذ خطة شومان التي أدت إلى إنشاء المجموعة الأوربية للفحم والصلب وحتى إنشاء الاتحاد الأوربي في إطاره الأوسع .تبنت الولايات المتحدة الأمريكية موقف ايجابي بصورة عامة من تطور المجموعة الأوربية وسعيها الدءوب نحو الوحدة وهذا الموقف اتخذ بصدد العملة الأوربية الموحدة اليورو على الرغم من القلق الذي ساد بعض الأوساط الأمريكية من نتائج هذه العملة على الدولار .واليوم فان الاتحاد الأوربي والناتو يشكلان قوتان محوريتان ومع ذلك فانه يوجد اختلاف مابين المنظمتين بسبب الدور الأمريكي في الناتو ، فالمهمات المستقبلية للاتحاد الأوربي قد تم تحديدها ، ولكن مازالت المهمات المستقبلية لحلف الناتو محل جدل واسع بسبب الدور الأمريكي ..

فقد شهد الناتو منذ تأسيسه قبل أكثر من خمسين عاما العديد من الصراعات الداخلية والتي كانت نتيجة للمصالح المختلفة ، حيث انه انقسم بسبب المسائل المتعلقة بالهيكلية الخاصة لقيادة الحلف وتسليحه وكذلك بسبب المسائل المتعلقة بالسياسة العسكرية الاستراتيجية العليا ، التي تبناها بصدد التهديد الذي فرضه الاتحاد السوفيتي على أوربا وحدها ، ومن ثم على الولايات المتحدة ، وشهد الحلف الصراعات التي اندلعت بين الجنرال ديغول وواشنطن وكذلك بين رونالد ريغان وحلفائه الأوربيين وما بين الأوربيين أنفسهم .

إلا أن عدم الاتفاق بين أمريكا وفرنسا بصدد المشاكل المختلفة والمعلقة مثل الحرب على العراق وتبعية بريطانيا غير المشروطة للسياسة الأمريكية ، مازال قائما حتى اليوم ، بالإضافة إلى ذلك فان عدم التطابق في وجهات النظر والذي يتعلق بدور الأسلحة النووية وشروط استخدامها المحتملة وامتلاك بعض الدول لهذه الأسلحة مثل الهند والباكستان وإيران اليوم ،كلها اختلافات تعصف بالحلف ولكنها لا تبدو غير قابلة للحل أو التسوية وهي بالتأكيد لا تبدو أنها تهدد التجانس السياسي أو القوة العسكرية لحلف شمال الأطلسي.

إن ما يعيق الدور القتالي حلف الناتو في الحرب ضد داعش الارهابي هي النقطة المركزية في معاهدة حلف شمال الأطلسي ،والتي مازالت قائمة هي التزام الأعضاء بنص المادة الخامسة من المعاهدة الموقعة في واشنطن عام 1949 التي اعتبرت كل هجوم ضد أي دولة أو عدد من الدول الأعضاء هجوما موجها ضد الحلف الذي يجب أن يتخذ كل الإجراءات التي يعتبرها ضرورية بما فيها استخدام القوة العسكرية من اجل إعادة وضمان الأمن في منطقة الأطلسي وان نطاق الإقليم المحدد حمايته من خلال الالتزام بنص هذه  المادة قد حددته بشكل واضح وصريح المادة السادسة من المعاهدة والذي لا يشمل كما هو مثبت منطقة البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

وان المادة الخامسة نصت على الالتزامات تجاه مجلس الأمن ( إطلاع مجلس الأمن على الإعمال التي يقوم بها الحلف وفقا للمادة الخامسة من المعاهدة )، إلا إن ما حصل في يوغسلافيا السابقة من تدخل للناتو قد فتح الطريق لإثارة سلسلة من المشاكل التي يواجهها الحلف في النشاطات العسكرية والتي يمكن أن يدعى للقيام بها خارج نطاق الإقليم المحدد بموجب معاهدة تأسيس الحلف –خصوصا بالنسبة للأمريكيين –الذين يسعون لترسيخ هذه القاعدة خدمة لمصالحهم المتنامية في العالم والدور الذي يطمحون للقيام به على الصعيد العالمي .

إلا أن معظم  الأوربيون يصرون على أن شرعية استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة  بدون تفويض من الأمم المتحدة أمر غير مقبول ،وانه ليس هناك عضو في الناتو مجبر على المشاركة في مثل هذا العمل العسكري من خلال المعاهدة .

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية من خلال طرحها لمفهوم جديد هو (المجموعة المسلحة المتعددة الجنسيات GFIM )طرحت عنصرا جديدا ومهما في إعادة بناء الهيكلية العسكرية للناتو والتي تقضي بإمكانية الانتشار (خارج نطاق الإقليم)من اجل مهمات (دعم السلام ).ولكنها في ذات الوقت أوجدت صدعا في وحدة المواقف والتجانس إزاء سياسات الولايات المتحدة في العالم وقد تجلى هذا الخلاف بين أعضاء الناتو في مواقفها من الحرب الأمريكية على العراق الذي تورطت به دول من داخل الحلف في حين عارضته دول أخرى من داخله بشدة وصلت لحد التجريح بالكلام والانتقاد اللاذع لاسيما من قبل ألمانيا وفرنسا لأعضاء الناتو الذين انساقوا وراء واشنطن في حربها على العراق.

إن كل توسع في المجال الجغرافي يغطي فعليا من قبل الناتو يتضمن حتما تحديا للتغيرات المتوقعة على صعيد وضمن إطار الاتحاد الأوربي ودوره المستقبلي في العالم . وكل توسع في المهمات والالتزامات يتطلب الأخذ بعين الاعتبار التقيد بميثاق الأمم المتحدة خصوصا نص المادة (51)التي تمنح لمجلس الأمن سلطة القرار النهائي حتى في الحالات التي يمارس فيها الحلفاء حقهم بالدفاع الشرعي ،إلا أن الولايات المتحدة وسياستها إزاء الأمم المتحدة التي اتسمت بالغموض قد نجحت على صعيد الناتو في تجاوز والقفز على مسلمة الاتفاق الجماعي على السياسة الخارجية التي اعتاد عليها الناتو لفترة طويلة .

إن الشراكة الأوربية الأمريكية ولكي تحتفظ بطبيعتها الملحة و الضرورية في المستقبل لابد أن تذهب إلى تعديل معاهدة شمال الأطلسي حتى لا تصبح دول الاتحاد الأوربي تابعا إستراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية . وقد يكون مؤتمر بروكسل الأخير مدخلا لمثل هذا التعديل وتبريرا  لدور عسكري محتمل للناتو في العراق وسوريا .

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اللواء الركن  الدكتور عماد علو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق