داعش والجهاديون

#حلب تنهي طوراً من #الازمة_السورية لكنها لاتنهي #الحرب

اعداد: صفوان داؤد، باحث مختص بالشأن السوري  
 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب ولإاستخبارات

في مثل هذا الشهر من عام 2012  كانت القرى والبلدات والأحياء السورية تتساقط واحدة تلوى الأخرى, كادت مدينة حمص ان تخرج امارة مستقلة، صارت حلب القديمة مركز عميق للراديكال الاسلامي، في حين ضاقت العاصمة برأس النظام السوري. كان المشهد شديد السواد بالنسبة لمجتمع السوري, وكان خصوم دمشق في باريس وقطر واسطنبول يتفاوضون فيما بينهم لإعادة نمذجة الكيان السوري في مرحلة ما بعد سقوط الأسد.

اليوم انقلبت معادلة الصراع بالمطلق، اذ كما اشار المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب منذ عدة اشهر(1) الى أن هزيمة المجموعات الاسلامية المسلحة في حلب قادمة, اكتسح الجيش السوريّ حلب (الشرقية) التي طالما كان يؤمل منها ان تتمتع بحكم ذاتي(2), ووصل اليوم الى تخوم حي الشيخ سعيد في قلب الأحياء القديمة في شرق حلب, بعد أن سيطر على احياء واسعة ومهمة منها السكن الشبابي (1 ديسمبر 2016) احياء الحلوانية, الميسر (2 ديسمبر 2016), وكرم الطحان (3 ديسمبر 2016), حي الجزماتي ودوار الجزماتي الاستراتيجي (4 ديسمبر 2016). ووصل الى مشفى طب العيون الذي كانت قد حولته «جبهة النصرة» الى سجن مركزي. وفي  يوم (5 ديسمبر 2016) سقط حي قاضي عسكر ثم سقطت تلة الشرطة الاستراتيجية(3) وحي كرم القاطرجي وحي الشعار (6 ديسمبر 2016 ). ويقول مكتب الإعلام الحربي في الجيش السوري أنه استعاد أكثر من 60% من مساحة أحياء حلب الشرقية, لافتاً إلى أن 18 كيلومتراً مربعاً فقط ماتزال في أيدي المسلحين(4). ورغم الحصار الشديد على المجموعات الاسلاموية المسلحة رفضت هذه الاخيرة اي مشروع لانسحابها(5), فيما استمرت روسيا بالضغط على حلفاء المعارضة لسحبهم خارج المدينة(6).

يمكن ان نعزو هذا التقدم الكاسح للجيش السوري الى مجموعة من العوامل اهمها:

    البيانات والمعلومات الاساسية الدقيقة  التي حصلت عليها استخبارات الجيش السوري عن اماكن تخزين الاسلحة والمقرات اللوجستية للمسلحين من مصدرين رئيسيين هما:
ـ  الاهالي الذين خرجوا من الاحياء المحررة والناقمين على ممارسات عناصر هذه المجموعات, خاصة في الفترة الاخيرة بعد احتكارهم توزيع المواد الغذائية.
ـ  اعدادالمسلحين الذين استسلموا او هربوا مع الاهالي, او اصيبوا ويتلقون العلاج في المشافي الميدانية الحكومية.

•    الحالة النفسية التي لعبت دوراً هاما في المعركة, اذ ادى التقدم الكبير للجيش السوري خلال فترة قصيرة جداً, الى انهيار معنويات العناصر الاسلاموية المسلحة, والحاضنة الشعبية لها الناقمة اصلاً.

•    فتح مناوشات عسكرية على قوس واسع من جبهة شرق حلب بالتزامن او قبل اي هجوم على الاهداف, بحيث لايمكن تقدير اي نقطة يمكن الاختراق عليها من قبل الجيش السوري.

•     الخطة العسكرية التي يتبعها الجيش السوري في ادارة المعركة تتمثل بعمليات الالتفاف شبه الكامل, حيث يدفع بقوات اقتحام برية من النخبة ومُدربة بشكل كافي لإشغال جميع الجهات, باستثناء منفذ واحد يتم السماح من خلاله بانسحاب المسلحين, مثلاً في حي الشعار, فرغم المسافة الفاصلة لاتتجاوز 500 متر بين القوات الجيش السوري في كل من حي الشعار من جهة وقلعة حلب من الجهة المقابلة والتي يسيطر عليها الجيش السوري, الا ان الجيش لم يغلقها  ـ رغم عدم صعوبة ذلك- ليسمح بانسحاب عناصر المجموعات المسلحة من حي الشعار المحاصر باتجاه حي بستان القصر.
•    استنساخ هذه الاستراتيجية بعد السيطرة على تلة الشرطة حيث تم ترك حوالى 700 متر بين قوات الجيش السوري في كل من هذه التلة وقلعة حلب, ليسمح بالانسحاب من حي الشيخ لطفي الى حي الشيخ السعيد.

•    رغم الحصار المطبق للجيش السوري, ادت النزاعات المسلحة بين المجموعات الاسلاموية المسلحة خاصة بين «حركة نور الدين الزنكي» و«استقم كما امرت»(7),  وايضاً بين «جبهة النصرة» و«فتح الشام» الى مزيد من التدهور في امكانية حفاظها على شرق حلب. ورافق هذه النزاعات عمليات اغتيال وسرقة ونهب لمخازن الاسلحة والمواد الغذائية.

•    التحولات السياسية الدولية والاقليمية التي كانت مؤيدة للمعارضة الاسلاموية المسلحة وتخلت عنها حالياً, والتي لايمكن ان نصفها الا بأنها تركت مصيرهم بيد تداعيات التقدم الدراماتيكي للجيش السوري.

•    فتحت روسيا  مجال المفاوضات وبموافقة النظام السوري مع من يهزم من معركة حلب بالخروج امناً الى محافظة ادلب, حيث يعطي هذا الخيار شعور قوي عند المسلحين بأفضلية النجاة وتسليم حلب على القتال في معركة لاطائل منها.

تعتبر معركة شرق حلب ليست حدث عادي من عمر الازمة السورية، فالحدث ومهما حاول خصوم النظام تهوينه هو حدث مفصلي. كان محضراً لشرق حلب أن تكون إنموذجاً مضاداً ومغايراً للنماذج القومية والعلمانية في المشرق العربي.
النموذجاً لايمكن التنبؤ به, لكنه لن يكون بالتأكيد النموذج المنشود او المثالي للتخلص من الانظمة الشمولية وشبه الشمولية في هذه المنطقة. ولن يكون حلاً لمنطقة غارقة في الصراعات, في غياب بنية سياسية واجتماعية محلية قادرة على صياغة عقد اجتماعي وسياسي ملائم. هنا تكمن اشكالية عميقة, اذ انه حتى إن انتصرت المؤسسة العسكرية السورية وقامت في واجبها في احتواء الاسلام السياسي الراديكالي في أهم مدينة اقتصاديا وديموغرافيا في سوريا، يبقى المشروع السياسي للنظام السوري هو الخطر الاكبر على مستقبل حل النزاع في سوريا من منظور تعاملها مع الاسباب العميقة لنشوء ظاهرة الفاشية الاسلاموية في سوريا و يكرسه المنظور العالمي تجاه هذا الموضوع خصوصاً, والمسألة السورية عموماً, الذي هو في عهدة كل من روسيا والولايات المتحدة, وكلاهما مركز رأسمالي, وكلاهما حتى الآن لايتدخلان مباشرة في حل سياسي جذري لهذه المسألة بقدر محاولة صياغته بحيث لايخرج عن مسار التوزنات الدولية القائمة.

وتحمل هذه الصياغة الكثير من المخاطرة من حيث ان الاسلوب التقليدي لضبط التوازنات الدولية لم يعهد حالة فرعية متطورة عن الفاشية التقليدية هي الفاشية الاسلاموية قادرة على خلق فراغات استراتيجية في هذا التوازن بحكم هلامية الجغرافيا التي تتمد او تتقلص فيها, وقدرة جميع الدول بغض النظر عن ثقلها الديموغرافي أو الاقتصادي على دعمها واستثمارها. من هنا نرى ان معركة شرق حلب هي على الارجح نهاية طور من عمر الازمة السورية وليست نهاية الحرب, وللأسف سيكون الشعب السوري مرة أخرى الضحية الاكبر من استمرار هذا النزاع الدموي المجنون.

الهوامش
(1): “المؤشرات الميدانية تعزز فرضية هزيمة المعارضة الاسلامية في حلب”. المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب. 1 يونيو حزيران 2016.
http://www.europarabct.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D8%B2-%D9%81%D8%B1%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%A7

(2): ” إنهم يبحثون عن حكم ذاتي لحلب”. تلفزيون روسيا اليوم 26 نوفمبر تشرين الثاني 2016.
(3): تلة استرتيجية  متاخمة لطريق مطار حلب الدولي, وهي اعلى نقطة جغراقية في محيط المطار, سيطر عليها صباح 6 ديسمبر ميليشيا «صقور الصحراء» وهي ميليشيا محلية قوامها متطوعون سوريون.
(4): “انهيارٌ للمسلحين والجيش السوري على مشارف حلب القديمة ويدخل حي الشعار” تلفزيون الميادين. 5 ديسمبر كانون أول 2016
(5): “قادة معارضون في حلب: لن نترك المدينة، ولا مشاكل لنا مع فكرة فتح ممرات آمنة للمدنيين” تلفزيون بي بي سي. 3 ديسمبر كانون أول 2016.
(6): “موسكو تضغط لسحب كل المقاتلين من شرق حلب”. صحيفة السفير اللبنانية. 6 ديسمبر كانون أول 2016.
(7): “حركة نور الدين الزنكي”..غلطة الشاطر الكبرى” المدن. 6 نوفمبر تشرين الثاني 2016.

 

 الباحث صفوان داؤد

pers2

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى