اختر صفحة

الحركات اليمينية في ألمانيا .. ورقة حزب “البديل” الرابحة؟

هانس بفايفر/ إ. م DW  ـ بمساعدة الشعارات القومية والعنصرية يسعى حزب “البديل” إلى دخول البرلمان في الانتخابات العامة. كما تدعمه في ذلك شبكة من الناشطين اليمينيين، الذين يسعون بكل الطرق إلى تحقيق الحلم الشعبوي.
تبدوا وكأنها تحمل هموم العالم داخل عيونها الواسعة الحزينة، إنها ميلاني شميتس، البالغة من العمر 24 عاماً والتي اشتهرت على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال أغنيتها السياسية عن حزب “البديل”، التي لاقت نجاحاً كبيراً بالرغم من تناولها السياسي المثير.

مخاطبة الشباب بأسلوبهم

طغت التلميحات السياسية على الحقل الموسيقي الخاص بالبرنامج الانتخابي لحزب “البديل”، إذ تنوعت المواضع بين انتقاد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وانتقاد استقبال اللاجئين في ألمانيا، وكذلك انتقاد انفتاح المجتمع الحديث. وتهتف المغنية الشقراء ميلاني بسخرية ضمن أغنيتها السياسية قائلة: “فقط العجول الغبية، يدمرون منازلهم بأنفسهم.”

ميلاني شميتس ليست نجمة بوب ولكنها ناشطة سياسية في إحدى الحركات اليمينية، والتي تعرف باسم “حركة الهوية ” ويسعى المنتسبون لهذه الحركة إلى كسب الشباب إلى سياستهم الرجعية من خلال مخاطبتهم بالأسلوب المحبب لهم. والهدف الأهم بالنسبة لهم يتجلى في تقسيم وتقييم الناس في ألمانيا وفقا لمعايير عرقية. كما يرون أن من لا تتوافق صورته مع صورة “الألماني” يجب أن تسقط عنه حقوقه المدنية.

التضافر لتحقيق الأهداف

ولتحقيق ذلك على المدى البعيد، يعتمد نشطاء الحركة اليمينية “حركة الهوية” على حزب البديل بحكم اقترابه بوتيرة سريعة إلى هذه الأهداف القومية والعنصرية. في صيف عام 2016، رفضت اللجنة الرئاسية الاتحادية لحزب البديل التعاون مع “حركة الهوية”، ولكن بعد بضعة أسابيع، اتخذت زعيمة الحزب فروكه بيتري خطوة نحو الحركة وأعطت كلمة السر وهي أن مصطلح “العرقية” يجب أن يكتسي طابعاً إيجابياً مرة أخرى. وهو المصطلح، الذي ارتبط في تاريخ ألمانيا بالإرهاب في عهد النازية.

ويخضع نشطاء الحركة في ألمانيا إلى المراقبة من الاستخبارات الداخلية الألمانية بسبب أنشطتهم المناهضة للدستور. ويقتصر عدد أعضاء الحركة اليمينية “حركة الهوية” على حوالي مائة عضو. ولكنهم يشعرون بالنجاح في ظل حزب “البديل” الناشئ وتمكن العديد من المؤيدين من تقلد مناصب داخل الحزب. كما يثني مسؤولو حزب “البديل” على نشطاء الحركة ويشجعونهم.
تجاوز المحرمات بتحكم

وتستمتع قاعدة حزب البديل بتجاوز المحرمات من قبل الحركة اليمينية مثل الاعتصامات المحظورة أمام مقر الأحزاب أو قرب بوابة براندنبورغ الشهيرة في برلين، دون أن تكون لقاعدة الحزب صلة مباشرة بذلك أمام الرأي العام.

خبير العلوم السياسية هايو فونكه يرى خطراً في كسر تلك التابوهات من قبل نشطاء الحركة اليمينية ويقول: “انهم يصفون تحركاتهم بالسلمية، ولكن أيديولوجيتهم هي إيديولوجية عنف”. من جهة أخرى لا يثير هذا الانتقاد قلق أبرز المرشحين من حزب “البديل” في الانتخابات العامة، فالكسندرغولاند، يقول في دعوة سخية منه لجميع أعضاء الحركة اليمينية :”يمكنهم جميعا القدوم إلينا”.
وفي الوقت نفسه، تحيط بحزب البديل شبكة كبيرة من الجماعات اليمينية واليمينية المتطرفة.

ويصف خبير العلوم السياسية فونكه جميع هذه الجماعات كـ”الحركة الصغيرة”. “يريدون اشعال نار الغضب دون أن يكون لحزب البديل دور مباشر في ذلك”. كما أن العنصرية والعلاقة بمشهد النازيين الجدد في هذا “اليمين الجديد” تثير الجدل أيضا بين أبرز مسؤولي حزب “البديل”. و لكن حتى الآن يوحد حلم الثورة اليمينية المحافظة والإطاحة بالمستشارة الغير مرغوب بها “حزب البجيل من أجل ألمانيا” الناشئ والجماعات الملتفة حوله.

شعارات شعبوية بمسحة ذهبية

إحدى أكثر الشبكات النشطة والدؤوبة في هذا المشهد هي شبكة المفكر اليميني غوتس كوبيتشيك، وهو جندي الماني سابق يدير حاليا دارا للنشر يطلق عليه تسمية “معهد سياسة الدولة”. ويستقبل المتعاطفين معه وأعدائه ايضا في مزرعته بولاية سكسونيا أنهالت التي يطلق تسمية إقطاعية قديمة ” مزرعة الفرسان”. في هذه المزرعة يربط كوبيتشيك بين نشطاء “حركة الهوية” اليمينية وبين المنظمة الطلابية اليمينية التابعة لحزب “البديل”. قبل سنوات رفض حزب “البديل” طلب كوبيتشيك الانتماء إليه. الحزب الشعبوي اليميني وجد في كوبيتشيك يمينيا أكثر منه واستفزازيا فوق قدرة الحزب. ورغم ذلك يحاول الكثير من شخصيات حزب “البديل” التقرب من كوبيتشيك.

ولعل ما يسحر قادة حزب البديل وقاعدته فيى شخصية كوبيتشيك هو خطبه عن التاريخ الألماني والأدب وهوسه بالروح الألمانية. إذ أن مهارته في اللعب بالكلمات أثناء محاضراته وخطبه السياسية، يعطي صبغة ذهبية وعمقاً للشعارات اليمينية ويضع الأحزاب المنافسة وأتباعها في موقف محرج.

ولا يختلف المعنى المقصود من وراء كلمات كوبيتشيك الفلسفية عن تلك الشعارات اليمينية الشعبوية القديمة من قبيل “على ميركل أن تذهب”، “الدم والتراب”، أو “الأجانب خارجا “، إذ لا يجب على المرء ان يفهم كل كلمة من كلماته الملتوية تلك للهتاف بها أثناء المسيرات الاحتجاجية.

اليمين المتطرف

ويبدوا أن كلاً من كوبيتشيك، ونشطاء الحركة اليمينية وحزب “البديل” قد شكلوا دائرة روتينية. إذ يتحركون جنباً إلى جنب مع عديد من الصحفيين والكتاب والناشطين في ألمانيا. كما ينظمون المؤتمرات والمحاضرات والمظاهرات، ويتبادلون الدعوات فيما بينهم، ويقتبسون منشورات بعضهم البعض، ويروجون إلى التوسع المزعوم لدائرة نفوذهم في المجتمع. ويخلق المتعاطفون معهم في كل زاوية وركن أدلة مزعومة على أن كل ألمانيا في حالة اضطراب ومقاومة لسياسة الحكومة.

على خطى ترامب

ويحلم اليمينيون في ألمانيا بثورة على خطى ترامب في الولايات المتحدة والانقلاب ضد النخب القديمة. إلا أنهم يفتقرون إلى مال الملياردير الأمريكي وأنصار ه في وسائل الإعلام والأعمال. كما أن شبكة اليمين المتطرف في ألمانيا تقتصر على بضع مئات من النشطاء في بلد يبلغ عدد سكانه 82 مليون نسمة.

نجاح الحركة الشعبوية يعد المشكلة الأكبر لألمانيا. وخاطبهم التصعيدي يروج لفكرة أن كل شيء يسير نحو الأسوء في المانيا. إلا أن الاقتصاد يسير على نحو جيد ونسبة البطالة في انخفاض مستمر، وعدد اللاجئين الذين وصلوا حديثا لا يشكلون عبئاً كما كان متوقعا. بالإضافة إلى فوز المستشارة في الانتخابات الإقليمية الواحدة تلو الأخرى، رغم أنهم يروجون لفكرة فشل المستشارة وعليها أن ترحل. لذلك فإن حلم اليمين بالسير على خطى ترامب يبقى بعيدا كل البعد.

إلا أن احتجاجات اليمين كانت كافية لزيادة شعبية الناشطة السياسية ميلاني شميتس وأغنيتها على يوتيوب، التي وصلت تقريباً إلى 400 ألف مشاهدة. غير أن هذا لا يكفي الحلم الشعبوي من حصد الغالبية في الانتخابات المقبلة في ألمانيا.