الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

حرب الوظائف والطاقة: إعادة تعريف القوة في الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران

أبريل 23, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

اعداد : د. غادة كمال، خبير العلاقات الدولية –  مركز معلومات مجلس الوزراء المصري- أستاذ العلاقات الدولية -جامعة القاهرة

الدراسة نسخة PDF  حرب الوظائف والطاقة إعادة تعريف القوة في الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران

مقدمة

لم تعد الحروب الحديثة تستهدف السيطرة على الأرض بقدر ما تسعى إلى إضعاف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، فقد شهدت طبيعة الصراعات الدولية خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا من الحروب التقليدية القائمة على المواجهة العسكرية المباشرة، إلى أنماط أكثر تعقيدًا تستهدف البُنى الوظيفية الحيوية للدولة. وفي هذا السياق، تمثل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ فبراير 2026 نموذجًا متقدمًا لما يمكن تسميته بـ”حرب الوظائف”، حيث تُوظَّف الأدوات العسكرية والاقتصادية والسيبرانية لتعطيل قدرة الدولة على الاستمرار بدلًا من احتلالها. وقد كشفت هذه الحرب عن انتقال مركز الثقل من تدمير القوة العسكرية إلى شلل القدرة التشغيلية للدولة، من خلال استهداف قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات وسلاسل الإمداد، وهو ما يعكس تحولًا بنيويًا في مفهوم الردع والقوة في النظام الدولي المعاصر.

  1. الإطار النظري: من الحرب التقليدية إلى الحرب الوظيفية

يمكن تفسير هذا التحول في طبيعة الصراعات الدولية في ضوء عدد من المقاربات النظرية المعاصرة التي سعت إلى تجاوز النموذج التقليدي للحرب، أبرزها ما يلي:

  • الحرب الهجينة (Hybrid Warfare): التي تقوم على دمج الأدوات العسكرية وغير العسكرية، بما يشمل الضغوط الاقتصادية، والعمليات السيبرانية، والحرب الإعلامية، في إطار استراتيجي واحد يهدف إلى إضعاف الخصم دون الدخول في مواجهة تقليدية شاملة.[1]
  • الحرب الشبكية (Network-Centric Warfare): حيث تصبح السيطرة على الشبكات المعلوماتية والبنية التحتية الحيوية كالطاقة والاتصالات، أكثر أهمية من السيطرة على الأرض، نظرًا لدورها المحوري في تشغيل الدولة الحديثة واستمرارية وظائفها.[2]
  • الواقعية الجديدة (Neo-realism): التي ترى أن الدول تسعى لتعظيم قوتها، إلا أن هذا التعظيم لم يعد يقتصر على القوة العسكرية التقليدية، بل امتد ليشمل أدوات أقل تكلفة وأكثر تأثيرًا، مثل استهداف الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية للخصم.

وفي هذا السياق، يمكن تعريف “حرب الوظائف” بأنها: استراتيجية صراع تستهدف تعطيل الوظائف الحيوية للدولة مثل الطاقة، الاتصالات، النقل، بهدف إضعاف قدرتها على الصمود والاستمرار دون الحاجة إلى احتلال أراضيها، ويعكس هذا التحول تطورًا في الفكر الاستراتيجي، حيث تصبح القدرة على شلّ عمل الدولة أكثر فاعلية من احتلالها، وأن استهداف البنية التحتية، خاصة قطاعات الطاقة والأنظمة الرقمية، باتت تمثل أحد أهم أدوات الصراع المعاصر، نظرًا لما يترتب عليه من تأثيرات متتالية تمتد إلى مختلف قطاعات الدولة.[3]

وفي هذا الإطار، تعكس الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران منذ فبراير 2026 تحولًا نحو نمط جديد من الحروب يمكن وصفه بـ “حرب التعطيل الاستراتيجي”، حيث يتم استهداف الوظائف الاقتصادية والبنية التحتية للطاقة وشبكات الاتصال، بدلًا من التركيز على الحسم العسكري التقليدي. ومن ثم، يمكن الانتقال إلى تحليل طبيعة الضربات الميدانية التي تجسد هذا التحول النوعي في نمط إدارة الصراع.

  1. الضربات الأمريكية–الإسرائيلية: نحو شلل الدولة بدلًا من هزيمتها

لم تعد الضربات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدف السيطرة على الأرض أو تحقيق نصر عسكري تقليدي، بقدر ما تسعى إلى إحداث شلل شامل في بنية الدولة الإيرانية، من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية، وشبكات الطاقة، وأنظمة الاتصالات، بما يؤدي إلى تقويض قدرة الدولة على الاستمرار والصمود اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات الميدانية إلى أن العمليات الأمريكية–الإسرائيلية منذ 28 فبراير 2026 لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل شملت نطاقًا واسعًا من البنية التحتية الحيوية، حيث تم تنفيذ مئات الضربات ضد أهداف متنوعة داخل إيران تمثل نقاط ارتكاز حيوية في بنية الدولة، فقد شملت الضربات الجسور الاستراتيجية في طهران والمناطق الجنوبية، بما ساهم في تعطيل الحركة العسكرية والمدنية وربط مناطق الإنتاج بالأسواق الداخلية، إلى جانب استهداف محطات توليد الكهرباء وشبكات الطاقة، الأمر الذي انعكس على القدرة التشغيلية للقطاعين المدني والعسكري، وأثر بشكل مباشر في سلاسل الإمداد، كما طالت العمليات منشآت النقل والاتصالات الداعمة للتحركات اللوجستية، بما أدى إلى امتداد الضغط ليشمل كامل البنية الوظيفية للدولة وليس فقط إلى قدراتها القتالية[4]، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا نحو تعطيل العمود الفقري الوظيفي للدولة بدلًا من التركيز على الحسم العسكري المباشر.

كما امتد تأثير هذه العمليات إلى البنية التحتية الإقليمية للطاقة، حيث أدت الضربات والهجمات المتبادلة إلى تعطيل منشآت الغاز والنفط في عدد من دول الخليج، وهو ما يكشف عن اتساع نطاق استهداف الوظائف الحيوية، ليشمل المجال الإقليمي وليس فقط الداخلي، بما يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويعزز من الطابع العابر للحدود لهذا النمط من الصراع.[5]

وفي السياق ذاته، برز البعد السيبراني كأداة مكمّلة لهذا النمط من الحرب، حيث تصاعدت التحذيرات من هجمات إلكترونية تستهدف قطاعات المياه والطاقة، في إطار استراتيجية ردع غير متماثلة تعتمد على إحداث اضطراب واسع دون انخراط مباشر في مواجهة عسكرية تقليدية. ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لدى الفاعلين الدوليين بأن تعطيل البنية التحتية الرقمية قد يكون أكثر فاعلية من الضربات العسكرية المباشرة في إضعاف الدولة المستهدفة.[6]

وقد تجلّى هذا النمط بشكل أكثر وضوحًا مع تصاعد العمليات العسكرية ضمن ما عُرف بعملية Operation Epic Fury، التي مثّلت نموذجًا متقدمًا للحرب متعددة المجالات، حيث استهدفت مئات المواقع المرتبطة بالقدرات الصاروخية، ومنظومات الدفاع الجوي، وإنتاج الطائرات المسيّرة، في إطار سعي منظم لتعطيل القدرة التشغيلية للدولة، وليس فقط إضعاف قوتها العسكرية. وقد تزامن ذلك مع تصعيد في استهداف قطاع الطاقة، بما في ذلك منشآت النفط والغاز، ما أدى إلى اضطرابات في تدفقات الطاقة الإقليمية، وتوسيع نطاق التأثير ليشمل البيئة الجيوسياسية المحيطة، كما تزامنت هذه الضربات مع التصعيد السيبراني واسع، حيث سُجّلت مئات الهجمات الإلكترونية التي استهدفت قطاعات الطاقة والاتصالات، وهو ما يعكس تكاملًا بين المجالين العسكري والرقمي في إدارة الصراع المعاصر.[7]

  1. الحرب السيبرانية: الجبهة الخفية للصراع

برز البعد السيبراني كأحد أهم مكونات الصراع المعاصر، حيث استُخدمت الهجمات الإلكترونية كأداة مكمّلة للضربات العسكرية، مستهدفة القطاعات الحيوية مثل الطاقة والمياه والاتصالات، بهدف إحداث تأثير داخلي يوازي التأثير الميداني، وتشير بعض التقارير إلى تصاعد التهديدات السيبرانية المرتبطة بإيران، خاصة في ظل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث حذّرت وكالات أمنية أمريكية من استهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك أنظمة الطاقة والمياه، عبر هجمات رقمية معقدة تهدف إلى تعطيل الخدمات وتقويض الثقة العامة[8]. كما توضح بعض التحليلات الأمنية إلى أن الجماعات السيبرانية المرتبطة بإيران تواصل التخطيط لهجمات مستقبلية رغم الهدنة المؤقتة، ما يعكس أن الحرب السيبرانية لم تعد مرتبطة بزمن العمليات العسكرية، بل أصبحت مستمرة وعابرة للهدن، وتشكل امتدادًا دائمًا للصراع[9]، ويعكس هذا التكامل بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية تحولًا أعمق في طبيعة الحرب، حيث لم تعد المواجهة تُدار على جبهة واحدة، بل ضمن بيئة متعددة المجالات، تتداخل فيها العمليات العسكرية التقليدية مع التكنولوجيا الرقمية بشكل متزايد.

  1. مضيق هرمز: توظيف الجغرافيا كسلاح استراتيجي

ردًا على التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي، اتجهت إيران إلى توظيف الجغرافيا كأداة ضغط استراتيجية عبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الشرايين الحيوية لتدفقات النفط والغاز العالمية، حيث يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية المنقولة بحرًا.[10] وفي هذا السياق، برز المضيق كأداة مركزية في معادلة الضغط المتبادل، إذ استخدم كورقة استراتيجية للتأثير في أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع تصاعد التوترات وتهديد الملاحة.

وقد تصاعدت وتيرة الأزمة مع إعلان دونالد ترامب في 7 أبريل 2026 عن إمكانية توجيه ضربات شاملة للبنية التحتية الإيرانية في حال عدم إعادة فتح الملاحة في المضيق، وهو ما يعكس تصعيدًا مباشرًا في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والجيوسياسي[11]، وفي المقابل، قامت إيران بتقييد حركة ناقلات النفط وفرض قيود على المرور عبر المضيق، ما أدى إلى اضطرابات في حركة الشحن وارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بأمن الطاقة، وقد انعكس ذلك على تقلب أسعار النفط العالمية والأسواق المالية.[12]

وفي هذا الإطار، لم يعد تأثير الصراع محصورًا داخل الحدود الإيرانية، بل امتد ليشمل النظام الاقتصادي الدولي، حيث تحوّلت “حرب الوظائف” إلى صراع إقليمي–عالمي، يتجاوز الأبعاد العسكرية ليشمل استهداف سلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة، ويعكس هذا التحول إدراك إيران لأهمية توظيف الأدوات الاقتصادية والجيوسياسية في إعادة موازنة القوة، عبر تبني أنماط رد غير تقليدية تتجنب المواجهة المباشرة، وهو ما يعيد تعريف المضيق ليس كممر ملاحي فقط، بل كأداة ردع اقتصادي وجيوسياسي. وبذلك، يجسد توظيف مضيق هرمز تحولًا نوعيًا من منطق الردع العسكري التقليدي إلى استراتيجيات الضغط الاقتصادية والبنيوية، التي تهدف إلى إجبار الخصم على الاستجابة دون الانخراط في حرب واسعة النطاق.[13]

  1. الطاقة والبنية التحتية: محور الحرب الحديثة

يعكس استهداف البنية التحتية تحولًا جوهريًا في مفهوم الحرب الحديثة، حيث لم يعد مجرد تكتيك عسكري محدود، بل أصبح استراتيجية مركزية لإضعاف الدولة من الداخل. وفي هذا السياق، تتجلى عدة أبعاد رئيسية لهذا التحول:

  • تعطيل الاقتصاد والوظائف الحيوية: يؤدي استهداف محطات الكهرباء وشبكات الطاقة إلى إحداث شلل اقتصادي واسع النطاق، نظرًا لارتباط قطاع الطاقة بالقطاعات الحيوية الأخرى مثل الصناعة والنقل والخدمات، إذ تشير الدراسات إلى أن أي خلل في أنظمة الطاقة قد يؤدي إلى تأثيرات كبيرة تمتد إلى قطاعات الصحة والمياه والاتصالات، مما يضعف قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.[14]
  • الضغط الداخلي على النظام: يساهم استهداف البنية التحتية في انقطاع الخدمات الأساسية، ما يخلق ضغطًا اجتماعيًا وسياسيًا على الحكومات، ويؤدي إلى تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، خاصة في ظل الأزمات الممتدة التي تعطل الحياة اليومية للمواطنين، بما قد ينعكس على الاستقرار السياسي، ويخلق حالة من الضغط الشعبي على النظام السياسي.[15]
  • إعادة تعريف الردع: أصبحت القدرة على تعطيل الوظائف الحيوية للدولة أداة ردع بحد ذاتها، حيث لم يعد التفوق العسكري التقليدي كافيًا، بل باتت القدرة على إحداث شلل وظيفي شامل تمثل عنصرًا حاسمًا في موازين القوة، وهو ما يعكس تحول الردع إلى مفهوم اقتصادي–بنيوي يعتمد على استهداف البنية التحتية والموارد الحيوية.[16]

وفي ضوء ذلك، يُعاد تعريف مفهوم الردع ليقوم على القدرة على إحداث “شلل وظيفي شامل”، بدلًا من الاعتماد على التفوق العسكري التقليدي، وتوضح هذه الأبعاد أن الحرب الحديثة لم تعد محصورة في ساحات القتال، بل تمتد إلى التحكم في الموارد والبنية التحتية والاقتصاد كجزء من استراتيجية ضغط شاملة، وإذا كانت الضربات تستهدف الوظائف، فإن الأدوات المستخدمة تكشف عن تحول أعمق في طبيعة القوة ذاتها.

  1. الأسلحة المتقدمة وإعادة تشكيل مفهوم القوة

كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران عن تحوّل نوعي في طبيعة أدوات القوة، حيث لم تعد الأسلحة تهدف فقط إلى تحقيق التفوق العسكري المباشر، بل أصبحت أدوات لتعطيل الوظائف الحيوية للدولة بأعلى كفاءة وأقل تكلفة. وفي هذا الإطار، برزت عدة أنماط من الأسلحة والتقنيات المتقدمة، أبرزها ما يلي:

  • الطائرات المسيّرة (Drones): أصبحت عنصرًا مركزيًا في العمليات الحديثة، حيث تتيح تنفيذ ضربات دقيقة ومنخفضة التكلفة، وقد استُخدمت بكثافة لاستهداف منشآت حساسة مثل مخازن الطائرات المسيّرة والبنية الصناعية المرتبطة بها.[17]
  • الصواريخ الذكية الموجهة بدقة (Precision-guided missiles): لعبت دورًا حاسمًا في استهداف البنية التحتية الحيوية ومراكز القيادة، مع قدرة عالية على تقليل الخطأ وزيادة التأثير الاستراتيجي، وهو ما ظهر في الضربات المكثفة التي استهدفت البرنامج الصاروخي الإيراني.
  • تكامل الذكاء الاصطناعي مع الأنظمة القتالية: أدى إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة التسليح إلى رفع مستوى الدقة والمرونة التشغيلية، ما يسمح بالتكيف مع البيئات المعقدة واستهداف البنية التحتية الحيوية بشكل أكثر كفاءة.[18]
  • الحرب السيبرانية كأداة موازية: تم استخدام الهجمات الإلكترونية لتعطيل شبكات الاتصالات وأنظمة التحكم الصناعية المرتبطة بقطاعات الطاقة والمياه، ما أدى إلى تأثيرات مباشرة على قدرة الدولة على التنسيق والسيطرة، وهو ما يعكس تزايد أهمية الفضاء الرقمي في إدارة الصراع.
  • الحرب متعددة المجالات: (Multi-domain warfare) تعتمد على دمج العمليات الجوية والسيبرانية والإلكترونية في إطار واحد متزامن، بما يسمح بشلّ أنظمة القيادة والسيطرة قبل تنفيذ الضربات العسكرية، وهو ما يعزز من فاعلية استهداف البنية التحتية الحيوية.[19]

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن التطور في الأسلحة لم يعد يهدف فقط إلى تحقيق الحسم العسكري، بل إلى إحداث شلل استراتيجي شامل عبر استهداف الوظائف الحيوية للدولة، فقد ساهمت الأسلحة المتقدمة بما في ذلك الطائرات بدون طيار، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الضربات الدقيقة، في إعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية، بحيث أصبحت تعتمد على الدقة والمرونة والقدرة على التأثير غير المباشر في بنية الدولة، بدلًا من السيطرة على الأرض.

  1. البعد القانوني والإنساني: إشكاليات التناسب والتمييز

على الرغم من الفاعلية الاستراتيجية لضرب الوظائف الحيوية، فإن استهداف البنية التحتية المدنية يثير جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا واسعًا، إذ تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يفرض مبدأي التمييز والتناسب، وضرورة التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، وفقًا لمبدأي التمييز والتناسب، بما يحظر استهداف المنشآت المدنية ما لم تُستخدم لأغراض عسكرية مباشرة[20]، كما أن أي ضرر يلحق بالمدنيين يُعد انتهاكًا جسيمًا، قد يُصنّف كجريمة حرب، كما يشدد على مبدأ التناسب في استخدام القوة.[21]

وفي سياق الصراعات الحديثة، فإن الطبيعة المركبة للبنية التحتية الحديثة، والتي قد تتداخل فيها الاستخدامات المدنية والعسكرية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والاتصالات، تضع هذه المبادئ أمام تحديات كبيرة، وقد أدى هذا التداخل إلى ظهور ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية القانونية”، يصبح فيها تحديد شرعية الاستهداف أكثر تعقيدًا[22]، وقد برزت هذه الإشكالية خلال التصعيد الأخير في إيران، حيث طالت الهجمات منشآت ذات طابع مزدوج، مما أثار تساؤلات حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني في الحروب متعددة المجالات. وعليه، فإن تصاعد نمط “حرب الوظائف” لا تمثل فقط تحولًا في أدوات الصراع، بل تطرح أيضًا تساؤلات عميقة حول مدى قدرة القانون الدولي الإنساني على مواكبة هذا التحول، في ظل اتساع نطاق التداعيات الإنسانية والاقتصادية للنزاعات الحديثة.

  1. آفاق مستقبلية لحرب الوظائف: نحو عصر الصراع الوظيفي الشامل

تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران عن تحوّل بنيوي عميق في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم يعد الانتصار يُقاس بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على تعطيل الوظائف الحيوية للدولة وتقويض كفاءتها التشغيلية. وفي هذا السياق، تبرز عدة استنتاجات رئيسية تعكس ملامح هذا التحول:

  • انتقال مركز الثقل من التفوق العسكري التقليدي إلى القدرة التشغيلية للدولة، باعتبارها المحدد الأساسي للصمود والاستمرارية.
  • صعود الطاقة والبنية التحتية كأدوات مركزية في إدارة الصراع، بما يعكس تزايد أهمية الاقتصاد السياسي للحرب وتأثيره في موازين القوة.
  • تزايد أهمية الفضاء السيبراني بوصفه جبهة صراع رئيسية، قادرة على إحداث تأثيرات عميقة دون انخراط عسكري مباشر.
  • تحوّل الردع من مفهوم عسكري تقليدي إلى ردع اقتصادي–وظيفي قائم على القدرة على إحداث شلل وظيفي في الدولة المستهدفة.

وفي ضوء ذلك، يُرجّح أن يصبح الأمن الطاقي والسيبراني العامل الحاسم في تشكيل موازين القوة مستقبلًا، بما يعيد تعريف مفاهيم السيادة والقوة في النظام الدولي المعاصر، كما يُتوقع أن يتجه الصراع نحو تعميق نمط “حرب الوظائف”، من خلال توسيع نطاق استهداف البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الاعتماد على الأدوات السيبرانية والاقتصادية كوسائل ضغط رئيسية منخفضة التكلفة مقارنة بالتصعيد العسكري المباشر. وعلى مستوى الجغرافيا الاستراتيجية، يُرجّح أن تتزايد أهمية الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، بوصفها أدوات مركزية في إدارة الصراع، من خلال التأثير المباشر في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يمنح الموقع الجغرافي بعدًا استراتيجيًا متجددًا في الحروب المعاصرة. ومن المرجح كذلك أن يتحول هذا النمط من الصراع إلى حالة ممتدة من الاستنزاف غير المباشر، حيث تستمر عمليات التعطيل الوظيفي بشكل متقطع دون الوصول إلى حسم عسكري تقليدي، بما يعكس تحولًا مستدامًا نحو نماذج صراع تقوم على الضغط البنيوي والاقتصادي بدلًا من المواجهة الشاملة.

خاتمة

تكشف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران عن تحول نوعي في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بقدرات الجيوش أو حجم القوات العسكرية، بل بمدى القدرة على تعطيل الوظائف الحيوية للدولة. فقد أظهرت هذه الحرب أن استهداف قطاعات مثل الطاقة، والنقل، والاتصالات، وسلاسل الإمداد يمكن أن يُحدث تأثيرًا استراتيجيًا يتجاوز نتائج المواجهات العسكرية التقليدية، من خلال إضعاف القدرة التشغيلية للدولة وتقويض قدرتها على الصمود الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذا السياق، يعكس مفهوم “حرب الوظائف” انتقالًا من منطق الحسم العسكري المباشر إلى منطق “الشلل الوظيفي”، حيث يصبح الهدف هو تقويض قدرة الدولة على الاستمرار بدلًا من السيطرة على أراضيها، كما تؤكد هذه الحرب أن الأدوات غير التقليدية مثل الهجمات السيبرانية، واستهداف البنية التحتية، والتحكم في تدفقات الطاقة، أصبحت عناصر مركزية في إعادة تشكيل موازين القوة، بما يفرض إعادة النظر في مفاهيم الردع التقليدية. كما تشير التطورات الراهنة إلى أن الصراع لم يعد محصورًا داخل حدود الدول، بل أصبح عابرًا للأقاليم وممتدًا إلى الاقتصاد العالمي، بما يجعل الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز أدوات ذات تأثير مباشر في الاستقرار الدولي.

وعليه، يمكن القول إن “حرب الوظائف” تمثل أحد أبرز ملامح حروب الجيل الجديد متعددة المجالات، حيث تتداخل الأدوات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية في إطار استراتيجية شاملة تستهدف بنية الدولة من الداخل “وظائف الدولة”، وهو ما يجعل تقييم نتائج الصراع أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد القوة في النظام الدولي تُقاس بقدرات الجيوش أو حجم الترسانة العسكرية أو بالسيطرة الميدانية، بل بمدى القدرة على تعطيل وظائف الدولة الخصم وإعادة تشكيل توازنات القوة عبر أدوات غير تقليدية.

وفي ضوء هشاشة الهدنة الحالية بين أطراف الحرب، فإن مستقبل الصراع سيظل مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين الاحتواء المؤقت والتصعيد الشامل، إلا أن المؤكد هو أن طبيعة الحروب قد تغيرت بالفعل، وأن الصراعات القادمة لن تُحسم في ساحات القتال فقط، بل في قدرة الدول على حماية وظائفها الحيوية من التعطيل والانهيار. وبذلك، فإن مستقبل الصراعات لن يُحسم بقدرة الأطراف على السيطرة الميدانية، بل بمدى امتلاكها القدرة على الحفاظ على استمرارية وظائفها الحيوية في مواجهة محاولات الإرباك والتعطيل من الخصوم.

 

رابط نشر مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117151

رابط اعادة نشر .. https://www.europarabct.com/?p=117537

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا

links

[1] – NATO,Countering hybrid threats, 29 January 2026, available at: https://www.nato.int/en/what-we-do/deterrence-and-defence/countering-hybrid-threats

[2] – David S. Alberts ,John Garstka, Frederick P. Stein, Network Centric Warfare: Developing and Leveraging Information Superiority, C4ISR Cooperative Research Program (CCRP), January 2008, pp 5-13.

[3] – Leslie Abrahams and Lauryn Williams, Iran Conflict Heightens Cyber Threats to U.S. Energy Infrastructure, Center for Strategic and International Studies (CSIS), April 2, 2026, available at: https://www.csis.org/analysis/iran-conflict-heightens-cyber-threats-us-energy-infrastructure?utm

[4] – Philip Loft, US/Israel-Iran conflict 2026, UK Parliament, House of Commons Library, 31 March, 2026, available at: https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10521/?

[5] – Sudev Kiyada and Sumanta Sen, Maps and charts of the Iran War, ​Reuters, March 20, 2026, available at: https://www.reuters.com/graphics/IRAN-CRISIS/MAPS/znpnmelervl/?utm

[6] – Leslie Abrahams , op.cit.

[7] – Chris Panella, Epic Fury strikes on Iran were fueled by 2 million energy drinks, about a million gallons of coffee, and nicotine, top general says, Apr 8, 2026, available at: https://www.businessinsider.com/us-war-with-iran-by-numbers-energy-drinks-to-targets-2026-4?utm

[8] -The Guardian, US Warns of Iran-Linked Cyber Attacks on Critical Infrastructure, April 7, 2026. available at: https://www.theguardian.com/world/2026/apr/07/iran-cyberattacks-infrastructure

[9] – Canadian Centre for Cyber Security, Cyber threat bulletin: Iranian Cyber Threat Response to US/Israel strikes, February 2026, available at: https://www.cyber.gc.ca/en/guidance/cyber-threat-bulletin-iranian-cyber-threat-response-usisrael-strikes-february-2026

[10] – U.S. Energy Information Administration (EIA), The Strait of Hormuz Is the World’s Most Important Oil Transit Chokepoint, 2024. available at: https://www.eia.gov/international/analysis/special-topics/Strait_of_Hormuz

[11] -Reuters, US–Iran Ceasefire: What We Know, April 8, 2026. available at:

https://www.reuters.com/world/asia-pacific/us-iran-ceasefire-what-we-know-2026-04-08/

[12] – The Guardian, Middle East Ceasefire in Doubt as Iran Blocks Oil Tankers, April 8, 2026. available at:

https://www.theguardian.com/world/2026/apr/08/middle-east-ceasefire-doubt-israel-lebanon-iran-oil-tankers

[13] – Georgetown Journal of International Affairs (GJIA),The War Against Iran and Global Risks, 2026. available at:

[14] -Center for Strategic and International Studies (CSIS), Iran Conflict Heightens Cyber Threats to Energy Infrastructure, 2026. available at:

https://www.csis.org/analysis/iran-conflict-heightens-cyber-threats-us-energy-infrastructure

[15] -World Economic Forum, Global Risks Report 2026. available at:

https://www.weforum.org/reports/global-risks-report-2026/

[16]  – Georgetown Journal of International Affairs (GJIA)، The War Against Iran and Global Risks, 2026. available at:

[17] – Center for Strategic and International Studies (CSIS)، op.cit.

[18] – Philip Loft, op.cit.

[19] – Cybersecurity and Infrastructure Security Agency ( CISA), Iranian-Affiliated Cyber Actors Exploit Programmable Logic Controllers Across US Critical Infrastructure, April 07, 2026. available at: https://www.cisa.gov/news-events/cybersecurity-advisories/aa26-097a

[20] – International Committee of the Red Cross (ICRC), Armed Conflicts: Building a Culture of Compliance for IHL to Protect Humanity in Today’s and Future Conflicts, 30-09-2024. available at: https://www.icrc.org/en/publication/international-humanitarian-law-and-challenges-contemporary-armed-conflicts-building

[21] -United Nations. Protection of Civilians in Armed Conflict: Report of the Secretary-General, New York, United Nations, 2023. available at:

https://main.un.org/securitycouncil/sites/default/files/2025/27.%2026th%20Suppl_Part_I_PoC.pdf

[22] –  Michael N Schmitt, Military Operations and the Law of Armed Conflict in the Cyber and Infrastructure Age, Cambridge: Cambridge University Press, 2024.

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...