دراساتدفاع

معركة #الموصل نموذجا في #حرب_المدن

اعداد : هشام العلي، باحث متخصص في الدفاع والتسلح
المركز الاوربي العربي لدراسات مكافحة الارهاب

قد يكون من المفارقة أن نستمع إلى قادة الحربين العالميتين وهم يطلقون مفهوم ( الضرورة الأخلاقية ) على عمليات تحرير مدنهم المحتلة من خلال تدميرها على رؤوس ساكنيها وتحويلها إلى مقابر تحوي رفات المدنيين الذين لم يسعفهم الحظ ليستوعبوا فلسفة حرب المدن وحقيقتها الوحشية … إن عجز القادة والمنظرون العسكريون عن وضع خطط واستراتيجيات حقيقة لتحرير المدن من دون دمار شامل وإبادة جماعية جعلهم يتهربون من واقع الإخفاق مستخدمين بعض المفاهيم الإنسانية العجيبة كسلاح للإقناع حينما يعجز سلاحهم عن القيام بواجبه المنطقي في تنفيذ عملية التحرير بصورة نظيفة .

يجب الاعتراف بان حرب المدن هي حرب تدمير كما أثبتت تجارب القرن الماضي وأيضا كما أثبتت معركة الفلوجه عام 2004م بين قوات الاحتلال الأمريكي والمسلحين الإسلاميين .. أما في معركة اليوم وفي الحرب النوعية الدائرة فان إستراتيجية الدفاع والانسحاب الناسف التي يتبعها المسلحون قد رسخت هذا المفهوم بصورة لا مجال للتهرب منها .. قد تكون هناك بعض الخطط العامة التي تم وضعها من قبل المؤسسات العالمية في مجال اجتياح المدن وتحريرها , كما كنا قد اقترحنا بعض الخطط لاستنزاف المسلحين وتحطيمهم نفسيا قبل الشروع بتحرير المدن في الحرب الدائرة , لكننا نعترف بان  جميع تلك الخطط قد تكون مخففة لحجم الدمار والموت الجماعي وكارثة النزوح التي تخلفها المعركة بنسبة محدودة جدا لا يمكن اعتبارها حلا مثاليا لمشكلة حرب الشوارع والمناطق الحضرية , وقد كانت الحرب النوعية الدائرة اكبر دليل على أن مفاهيم الحرب الحديثة لم تضع إجابات حقيقية أو حلول مجدية لتلافي الموت والدمار والكارثة الإنسانية التي تخلفها حرب المدن , خصوصا وان المسلحين ( العدو النوعي الجديد ) يستخدمون إستراتيجية الدفاع والانسحاب الناسفكمانوهنا أعلاه ما يعقد المشكلة إلى ابعد الحدود … وللتوضيح نود استعراض أهم الخطط العامة الموضوعة والمفاهيم العريقة لحرب المدن والتي لم تثبت جدواها في التحرير بلا دمار وأزمات إنسانية :

    تعتمد الإستراتيجية الأمريكية المعروفة لمطاردة المسلحين في المناطق الحضرية على أسلوب التنسيق بين المروحيات والراصدون على الأرض لتمويه المسلحين .. حيث تحلق المروحية فوق البقعة التي تدور عليها المعركة لإيهام المسلحين المدافعين بان تلك المروحيات ترصدهم , في الحين الذي يكون الرصد الحقيقي من قبل القناصة والمتابعون على الأرض وفي أعلى البنايات .. في معارك غرب العراق وجدنا أن المسلحين يقومون بفتح طرق بين المنازل ما يمنحهم القابلية على المناورة على طول زقاقين بأكملهما أو أكثر من غير أن يتم رصدهم أو معالجتهم سواء من قبل الراصدين والقناصون أو المروحيات .. ما يحكم بالفشل وبنسبة كبيرة على تلك الإستراتيجية التي يعول عليها الجيش الأمريكي في حربه .. كما أن المسلحين يستخدمون أسلوب ترطيب نقاط المقاومة بالماء أو ببقايا قطع القماش المبللة من اجل عدم إثارة الغبار أثناء الرمي , ما يفوت الفرصة على الراصدين ومروحياتهم في كشف تلك النقاط ومعالجتها , وبالتالي يضطر المهاجمون إلى استخدام الصواريخ والأسلحة المتوسطة في معالجة أماكن تواجد المسلحين , ليؤدي ذلك إلى دمار هائل أثناء الاشتباك ..

•    يعتبر القتال الليلي أفضل طريقة لإجراء فعاليات الرصد والتقدم والسيطرة على بعض المناطق المحرمة من اجل التهيؤ للهجوم الفعلي في الصباح , هذا في حرب الجبهات المفتوحة .. أما في حرب المدن فان أية حركة ليلية تعرضيه سوف تكون مرصودة وكافية للاستنفار العام من قبل المدافعين الذين سوف تكون مقاومتهم أكثر فعالية ليلا لأسباب كثيرة يعرفها المقاتلون الذين خاضوا مثل هذه المعارك .. قد يرى البعض أن استخدام القنابل المضيئة مفيد جدا لإجراء الهجمات والفعاليات الليلية , لكن التجارب التي خاضتها الجيوش العالمية في هذا المجال تدل بما لا يقبل الشك على أن استخدام تلك المشاعل والقنابل وأساليب إضاءة ارض المعركة في حرب المدن لها مردود عكسي على خلاف معارك الأرض المفتوحة .. ما يعني أن القتال الليلي لا يعتبر بديلا للاشتباك في وضح النهار , أما مخاطره وسلبياته في حرب المدن فهي تدعوا لعدم التعويل عليه على خلاف المعارك  خارجها..

•    في حرب الجبهات المفتوحة يتمكن القادة والمدافعين  من استخدام بعض الوقت للتفكير بغية المعالجة فيما يلي رصدهم للأهداف والمهاجمون , أما في حرب المدن فالمعركة عبارة عن مفاجئات متسلسلة تحتاج إلى ردود أفعال فورية تفقد القيادة والسيطرة بعض أهميتها وتصيبها بالشلل , وتجعل الجندي الذي يبدد وقته في التفكير يفقد الفرصة لإصابة خصمه , وبالتالي يفقد الفرصة في النجاة .. وهي المشكلة الأساسية التي تواجهها القيادات والأفراد في حرب المدن , ما يحتاج إلى تدريب المقاتلين بصورة مكثفة لإنشاء وحدات يتمتع أفرادها بقدرات بدنية ونفسية فائقة تؤهلهم لإدارة الاشتباك بمفردهم والتغلب على الأحداث وامتصاص المفاجئات .. ومثل هذا التدريب والتأهيل يحتاج إلى إمكانيات اقتصادية قد تكون غير متوفرة لتشكيل قوات من هذا النوع بعديد مناسب .
قد تكون قوات مكافحة الإرهاب والفرقة الذهبية قد وصلت إلى مستوى من التدريب والتسليح والتجهيز يؤهل أفرادها لاقتحام المدن وممارسة حرب الشوارع , لكن المشكلة أن الفرق الخاصة لا يمكن إقحامها في معارك طويلة لكون الإنهاك بسبب طول المعركة وظروفها يؤدي إلى شعور تلك القوات بالإحباط والتراخي , ما يؤدي بالتالي إلى فقدانها للخواص النفسية وبالتالي البدنية التي اكتسبتها من خلال التدريب والدعم المتميزين .

وعليه فان معركة مثل معركة الموصل على سبيل المثال تحتاج إلى ألوية قتال خاصة تتناوب على صفحات المعركة أو تتقاسم المسئوليات على الخارطة , وهذا ما لا يمكن تصوره حاليا حيث تحتاج مثل هذه العملية إلى ما يقارب الثلاثين ألف مقاتل من هذا النوع , وهو أمر صعب التحقيق على المدى القريب وربما حتى البعيد ..

•    الكثير من مدن العراق الغربية المرشحة للمعارك دائما ذات أزقة ضيقة , ما يفقد الدبابات والآليات المدرعة أهميتها , فضلا عن أن المدن وتشكيلتها الحضرية تفقد الدبابة والعجلات المدرعة الكثير من مميزاتها التعبوية والنفسية ..

•     كنا قد اقترحنا منذ أعوام وأيضا خلال معركة تحرير الفلوجة أن يتم استخدام إستراتيجية القتال ألاستدراجي من خلال فرض معركة محيطية تمثل قوس ناري الهدف منه  استدراج المسلحين إلى شن هجمات تتمكن قواتنا من خلالها أن تقوم بإدارة حرب الإنهاك على محيط المدينة ليتم استنزاف الاحتياطي الخاص بالمسلحين والمكلف بالدفاع عن المركز , كما أن قوس النار سوف يسمح لبعض المسلحين بالهروب من المدينة ما يؤدي إلى انهيار المتبقين منهم نفسيا .. لكن وبعد إطلاعنا وتقييمنا لمعركة الفلوجة ومعركة الموصل وجدنا أن مقترحنا في القتال ألاستدراجي لم يكن له أية جدوى إلا بنسبة ضئيلة جدا , نظرا لان المسلحين يقومون بهجمات تقتصر على العجلات المفخخة وبعض الانتحاريين أثناء دفاعهم عن المدن ما لا يؤثر على احتياطيهم في داخلها , كما أن استخدام إستراتيجية الأقواس ( حذوة الحصان ) لترك مجال لهروب المسلحين أصبحت محل جدل بين الأوساط السياسية والإعلامية , وبالتالي أصبحت قضية رأي عام ما افقدها خواصها التعبوية والنفسية في الجدل الدائر حولها ..

•    في منتصف العقد الماضي قامت قوات الاحتلال الأمريكي باجتياح الفلوجة بطريقة وحشية تم من خلالها قنص كل ما هو متحرك ممن لم يسعفه الحظ في ترك جحيم المدينة للعيش في العراء لحين زوال لعنة المارينز .. حدث ذلك بعد نوبة بكاء هستيري قامت به واشنطن على مقتل أربعة عناصر استخبارات , حيث ادعت واشنطن حينها أنهم مقاولين جاءوا لاعمار المدينة كي تكتمل حلقة اللطم وتكون قصيدتها أكثر تأثيرا على الرأي العام قبل تنفيذ عمليتها الوحشية التي كانت بحاجة إلى مادة إعلامية توازي تأثير وحشية الاجتياح سياسيا وإعلاميا .. نحن كأصحاب نظرية في الحرب كنا نرى أن عمل قوات الاحتلال الأمريكي كان كافيا كي نقتنع بان الحرب القذرة هي الأسلوب الوحيد لاجتياح المدن .. لكن وبعد عمليات التحرير الأخيرة التي خاضتها القوات العراقية المشتركة , ثبت لنا بان المقاتلون الذين تتوفر لديهم الإمكانيات المناسبة والإرادة على صنع النجاح وحماية المدنيين سوف يكون بإمكانهم وضع مفاهيم جديدة لحرب المدن أكثر إنسانية من المفاهيم الأمريكية والغربية .. وهنا نقول بكل فخر أن قواتنا المشتركة هي أول من وضعت مفاهيم إنسانية ترافق حرب المدن , على الرغم من أن تلك المفاهيم قد فرضت على قواتنا خسائر في الأرواح تعادل عشرات أضعاف الخسائر فيما لو كانت قاتلت على الطريقة الأمريكية ..

باختصار حرب المدن هي حرب تدمير وفضائع , والمدن المحررة تحتاج إلى بنائها من جديد أكثر من كونها تحتاج إلى ترميم إن صح التعبير .. ومن يريد التخفيف من الضغط على المدنيين وحمايتهم وإنقاذهم أثناء صفحات حرب الشوارع فعلية أن يتحمل أضعاف الخسائر التي من الممكن أن يتحملها فيما لو اختار مبادئ القتال النمطي للمدن .. إذن فالكارثة حتمية لا مجال لتلافيها أثناء التحرير .. وإذا كان هناك بديل مطروح على الطاولة اليوم , فهو لا يتجاوز البدء في دراسة وتنفيذ خطة دفاعية لحماية المدن وعدم السماح بخسارتها مرة أخرى .. وهو ما نسعى إليه حاليا حيث نقوم بإجراء اتصالات مكثفة مع بعض الكتل والأوساط السياسية والضباط والجامعات العراقية , من اجل وضع فلسفة جديدة للدفاع تعتمد على مبادئ علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وباقي المجالات إضافة إلى مجالات علوم الحرب…

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق