المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ هل تدفع الاتحاد الأوروبي لتفعيل بند الدفاع الجماعي؟
يعتزم الاتحاد الأوروبي وضع سيناريو لكيفية رد فعله في حال تعرض أحد بلدانه للهجوم، يأتي هذا التمرين بعد استهداف قبرص بطائرات بدون طيار خلال الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. في أول عملية من نوعها، ستشرف كبيرة الدبلوماسيين كايا كالاس خلال مايو 2026 على ما يسمى بتمرين “محاكاة” لتحديد كيفية تطبيق بند المساعدة المتبادلة في الاتحاد الأوروبي، المادة 42.7، عمليا، وفقا لما صرح به مسؤول رفيع في الاتحاد. وتهدف الخطة إلى اختبار رد فعل الاتحاد السياسي بدلا من العسكري.
الأعضاء ملزمون بتقديم الدعم بكل الوسائل المتاحة
أكد المسؤول، الذي منح حق عدم الكشف عن هويته بسبب الطبيعة السرية للتخطيط: “سنتابع الأمر بتمرين مع وزراء الدفاع بعد ذلك لنرى كيف سينجح هذا عمليا”. ينص البند على أنه إذا واجه أحد أعضاء الاتحاد الأوروبي “عدوانا مسلحا”، فإن الأعضاء الآخرين ملزمون بتقديم “العون والمساعدة له بكل الوسائل المتاحة”. ولا يحدد البند ما إذا كانت هذه المساعدة تشمل ردا عسكريا، ويتضمن عبارات ذات صلة بالدول المحايدة مثل النمسا وأيرلندا. ستجرى عملية المحاكاة في لجنة الشؤون السياسية والأمنية التابعة للاتحاد الأوروبي، والمؤلفة من كبار الدبلوماسيين الأوروبيين. وليست هذه المرة الأولى التي تناقش فيها اللجنة كيفية تفعيل هذا البند، لكنها ستختبر هذه المرة سيناريوهات مثل حالة مطالبة دولتين في الوقت نفسه بتفعيل هذا البند، وليس سيناريوهات أكثر خطورة، مثل كيفية التصرف في حال إطلاق صاروخ روسي على دولة أوروبية، التي لا تزال ضمن نطاق حلف الناتو، وفقا لما ذكره دبلوماسيان. معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي ينتمون إلى حلف شمال الاطلسي (الناتو) وبالتالي فهم مشمولون ببند الدفاع المشترك في المادة 5، والذي يشير صراحة إلى استخدام القوة العسكرية لمساعدة الدول الموقعة الأخرى.
اهتمام متجدد بالترتيبات الأمنية للاتحاد الأوروبي
تختلف المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي عن المادة 5 من معاهدة حلف شمال الاطلسي (الناتو) في أن هذه المساعدة يمكن تقديمها بطرق متعددة، لا تقتصر على الدعم العسكري فحسب، بل تشمل المساعدات الإنسانية والتمويل والبنية التحتية للطاقة، وفقا لدبلوماسيين. ويتمثل أحد المخاوف في بعض دول الشرق في أن النقاش حول المادة 42.7 قد يعطي انطباعا خاطئا للأمريكيين، ويتيح لهم ذريعة لتقليص اهتمامهم بالناتو. وأكد مسؤول أن المادة 42.7 “مكملة للمادة 5”. لكن التوترات عبر الأطلسي، بما في ذلك تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، زعزعت الثقة في المادة الخامسة وأثارت اهتماما متجددا بالترتيبات الأمنية للاتحاد الأوروبي. وباتت الدول الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تذكر الأمن بشكل متزايد كحافز للانضمام، إلى جانب الثروة والاستقرار.
قمة لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص
من العوامل الأخرى التي تدفع الاهتمام بالمادة 42.7 زيادة خطر الهجوم على دول الاتحاد الأوروبي. بعد استهدافها بطائرات مسيرة انطلقت من لبنان في مارس من العام 2026، أعربت قبرص على وجه الخصوص عن اهتمامها باستكشاف كيفية تطبيق المادة 42.7 عمليا. تعقد قمة لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص خلال أبريل 2026، حيث من المتوقع أن تطلعهم كالاس على العمل الجاري، كما ذكر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في رسالة الدعوة. ووفقا لدبلوماسيين اثنين، فإن قبرص هي التي سعت جاهدة لإدراج هذه النقطة على جدول أعمال القادة. أثارت مزاعم ترامب بشأن غرينلاند جدلا حول المادة 42.7، حيث صرح مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس في يناير بأن بند المساعدة المتبادلة سينطبق في حالة غرينلاند. كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز المادة بهدف تفعيلها بالكامل مع هيكل قيادة عسكرية واضح. بالإضافة إلى التمرين النظري، يقوم فرع الشؤون الخارجية والأمن التابع للاتحاد الأوروبي، وهو جهاز العمل الخارجي الأوروبي، بإعداد ورقة عمل لتوضيح كيفية عمل الضمانات الأمنية عمليا. لم يتم تفعيل المادة 42.7 إلا مرة واحدة فقط. وكان ذلك من قبل فرنسا في نوفمبر من العام 2015 في أعقاب سلسلة من الهجمات الإرهابية التي نفذها تنظيم داعش في باريس.
مستقبل إيران يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الأوروبي
يقول البروفيسور أليخو فيدال كوادراس رئيس اللجنة الدولية للبحث عن العدالة. ونائب رئيس البرلمان الأوروبي السابق من عام 1999 إلى عام 2014. بصفتي شخصا تعامل مع السياسة الأوروبية لعقود، أدرك أن الغموض قد يكون، في بعض الاحيان، أداة ضرورية في صنع السياسات”. تابع “كوادراس “: “لكن لا مكان للغموض عند مواجهة مواقف ملحة، مصيرية. إيران تمثل لحظة كهذه. في وقت تقف فيه إيران على مفترق طرق حاسم، لا يسع أوروبا التردد أو سوء التقدير. فمستقبل إيران سيؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة، ومصداقية التزام أوروبا بالديمقراطية وحقوق الإنسان. إن الخيارات التي نتخذها خلال العام 2026، ولا سيما فيما يتعلق بمن نتعامل معهم، ستحدد ملامح هذا المستقبل”.
أضاف كوادراس: “يجب على أوروبا أن تأخذ هذه الحقائق على محمل الجد. فالتواصل مع إيران ليس خيارا، بل هو ضرورة استراتيجية وأخلاقية. ويتطلب القمع المستمر الذي يمارسه النظام، بما في ذلك استمراره في استخدام الاعدامات ضد المعارضين السياسيين، استجابة أوروبية واضحة ومبدئية تتماشى مع القيم الاساسية للاتحاد. في الوقت نفسه، يعد التروي ضروريا”. وتابع قائلا: “فدعم التغيير الديمقراطي لا يعني تضخيم شأن الافراد الذين ساهمت مواقفهم في تفتيت المجتمع الذي يدعون تمثيله”. مؤكدا: “ينبغي لاوروبا أن تتجنب اغراء اختزال المشهد السياسي الإيراني المعقد في شخصية واحدة، وأن تبقى منتبهة للطيف الاوسع للقوى الديمقراطية، بما في ذلك حركات مثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية. إن مسار إيران سيتحدد في النهاية من قبل شعبها. ومسؤولية أوروبا تكمن في ضمان توافق سياساتها مع تلك التطلعات، وعدم اضفاء مصداقية، دون قصد، على روايات مثيرة للانقسام أو مضللة. إن فهم إيران بشكل صحيح يبدأ برفض البدائل الزائفة”.
النتائج
تشير المبادرة الأوروبية لإجراء تمرين محاكاة حول تفعيل المادة 42.7 إلى تحول تدريجي في مقاربة الاتحاد الأوروبي لمفهوم الأمن الجماعي، من إطار نظري قانوني إلى ممارسة سياسية تشغيلية أكثر واقعية. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لدى المؤسسات الأوروبية بأن التهديدات لم تعد افتراضية أو بعيدة، بل أصبحت محتملة حتى داخل حدود الاتحاد نفسه، كما أظهرت حادثة قبرص الأخيرة.
على المدى القريب، من المرجح أن يؤدي هذا التمرين إلى توحيد أكبر في فهم الدول الأعضاء لطبيعة الالتزامات الأمنية المشتركة، مع التركيز على السيناريوهات السياسية أكثر من العسكرية. إلا أن غياب تعريف ملزم لطبيعة “المساعدة” في المادة 42.7 سيبقي مساحة واسعة للتباين في ردود الفعل الوطنية، خصوصا بين الدول المحايدة وتلك الأكثر اندماجا في البنية الدفاعية لحلف الناتو.
في المدى المتوسط، قد يدفع هذا المسار نحو إعادة تفسير وظيفي للبند، بحيث يشمل آليات أكثر تنظيما للتنسيق الاستخباراتي والدعم اللوجستي والاقتصادي، وربما إنشاء هياكل دائمة لإدارة الأزمات داخل الاتحاد الأوروبي. كما يمكن أن يعزز ذلك من التكامل بين السياسة الأمنية الأوروبية وحلف شمال الأطلسي، رغم استمرار الجدل حول حدود الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
أما على المدى البعيد، فإن تكرار هذه التمارين قد يمهد لتطور تدريجي نحو “عقيدة دفاع أوروبي مشترك” غير معلنة، تقوم على اختبار الجاهزية السياسية قبل العسكرية، وتعيد تعريف مفهوم الردع داخل الاتحاد. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرهونا بمدى قدرة الدول الأعضاء على تجاوز التباينات السياسية وتوحيد رؤيتها لمفهوم التهديد.
يبدو أن المادة 42.7 تتحول من بند رمزي نادر التفعيل إلى أداة اختبار لبنية الأمن الأوروبي، في سياق دولي تتزايد فيه الضبابية الجيوسياسية وتتداخل فيه أدوار الاتحاد الأوروبي مع منظومة الناتو بشكل أكثر تعقيدا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117431
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
