المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ هل بات إنشاء قيادة دفاعية أوروبية موحدة ضرورة استراتيجية؟
بعد أن بدأت العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد النظام الإيراني في نهاية الأسبوع الماضي، مما دفع طهران إلى شن ضربات انتقامية وصلت إلى قبرص، كشف رد الاتحاد الأوروبي عن افتقار التكتل للتنسيق والجاهزية. فقد برزت فجوة واضحة في قدرة الاتحاد على الاستجابة بشكل سريع ومنسق للأزمات العسكرية التي تهدد أمن المنطقة. وأوضح كريستوف جومارت، الجنرال الفرنسي المتقاعد ونائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي، أن الأزمات المستمرة في الشرق الأوسط كشفت بوضوح عن الحاجة إلى وجود رئيس أركان دفاعي للاتحاد الأوروبي، يكون مسؤولا عن تخطيط وتنسيق الاستجابات الأوروبية للأزمات العسكرية بكفاءة وفعالية. وقال جومارت: “لا يمتلك التكتل ردا دفاعيا ناضجا”، مشيرا بذلك إلى النقص في الهياكل القيادية والتنظيمية التي تسمح للاتحاد بالتعامل مع تهديدات عاجلة وطارئة من دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة أو الدول الأعضاء الفردية.
حماية المصالح الأوروبية الحيوية في الشرق الأوسط ضرورة
منذ أن شنت إيران أول هجوم لها على قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص، يسارع الأوروبيون إلى نقل قواتهم إلى مناطق أقرب إلى نيقوسيا لتعزيز انتشارهم العسكري وضمان حماية مصالحهم الحيوية في الشرق الأوسط. وكانت اليونان من الدول الأولى التي استجابت، حيث أرسلت طائرات مقاتلة وفرقاطات لتعزيز تواجدها العسكري، وهو ما تبعته فرنسا بنقل حاملة طائرات إلى المنطقة لدعم عمليات الاستطلاع والمراقبة وتوفير غطاء دفاعي إضافي. وفي خطوة مماثلة، أرسلت إسبانيا فرقاطة لتعزيز انتشار القوات البحرية، رغم أن رئيس وزرائها، بيدرو سانشيز، قد أدان الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي أسفرت عن مقتل قيادات إيرانية بارزة.
أشار جومارت إلى أن الرد الأوروبي كان في معظمه رد فعل على الأحداث، وليس جزءا من استراتيجية مسبقة أو خطة مدروسة مسبقا. فقد كانت الولايات المتحدة تلمح بشكل علني منذ عدة أشهر إلى إمكانية شن ضربة على إيران، وحركت طائرات مقاتلة وقاذفات منذ بداية العام 2026، بالتزامن مع حملة القمع الواسعة التي شنتها الحكومة الإيرانية في الداخل. ورغم هذه التحركات، لم يكن لدى الاتحاد الأوروبي خطة جاهزة للتعامل مع هذه التطورات أو توقع تداعياتها على المستوى الإقليمي والأوروبي، مما أظهر ضعف التنسيق والاستعداد العسكري على مستوى التكتل.
كيف يمكن توقع الأزمات؟
يرى جومارت أن وجود هيئة دفاعية متخصصة تابعة للاتحاد الأوروبي، تضم دولا مستعدة للمشاركة في العمليات المشتركة، سيكون له أثر بالغ في تمكين التكتل من توقع الأزمات والتعامل معها بفاعلية قبل أن تتصاعد إلى صراع مفتوح. وأوضح أن هذه الهيئة الدفاعية ستحتاج إلى مجموعة متكاملة من القدرات، بما في ذلك المعلومات الاستخباراتية المحدثة، والقدرات اللوجستية، وهيكل قيادة وسيطرة قادر على التنسيق بين الدول الأعضاء، إضافة إلى آليات اتخاذ قرار سريعة وفعالة. طرح مفوض الدفاع الأوروبي، أندريوس كوبيليوس، فكرة إنشاء قوة مسلحة تابعة للاتحاد الأوروبي، تضم عناصر من الدول الأعضاء، لكنها تطرح تحديات سياسية كبيرة، لأنها تعني تخلّي الدول عن جزء من سيادتها في مجال الدفاع. وأوضح جومارت أن فكرة إنشاء جيش أوروبي “هي حلم”، مشيرا بذلك إلى التعليقات السابقة لكل من الأمين العام لحلف الناتو وكبار الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي حول صعوبة الوصول إلى توافق كامل على سياسات الدفاع الموحدة.
التخطيط الإستراتيجي والتنسيق العملياتي
يُشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل لجنة عسكرية متخصصة تعرف باسم اللجنة العسكرية الأوروبية (EUMC)، برئاسة الجنرال شون كلانسي، وتتلقى هذه اللجنة الدعم من طاقم عسكري صغير وميزانية محدودة. وتعمل اللجنة على تقديم المشورة العسكرية للمفوضية الأوروبية عند وضع السياسات الدفاعية والتخطيط لإجراءات مشتركة في أوقات الأزمات، لكنها تفتقر إلى القدرة التنفيذية المباشرة على نشر قوات أو تنسيق عمليات معقدة على الأرض أو في البحر. يمتلك حلف الناتو هيئة تخطيط خاصة به تعرف بقيادة العمليات الخاصة في أوروبا (SHAPE)، وهي تحت القيادة الأمريكية، وتضطلع بدور رئيسي في التخطيط الإستراتيجي والتنسيق العملياتي. ومع ذلك، يرى جومارت أن الأوروبيين بحاجة إلى تطوير هيكل مماثل داخل الاتحاد الأوروبي ليقللوا من اعتمادهم على الولايات المتحدة في الأزمات المستقبلية، ويمنحهم القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة تضمن حماية مصالحهم الأمنية الحيوية.
الحاجة إلى إعادة تقييم شامل لقدرات الاتحاد الأوروبي العسكرية
أوضح جومارت: “سيقرر مجلس الاتحاد الأوروبي الأولويات، وسيتولى رئيس الأركان التخطيط”، مؤكدا أن الاستثمار في القدرات الدفاعية وحده ليس كافيا. وأضاف: “على المدى الطويل، ما زلنا نكافح من أجل التفكير في بنية الدفاع الأوروبية”، مشيرا بذلك إلى الحاجة إلى إعادة تقييم شامل لقدرات الاتحاد الأوروبي العسكرية والإدارية والاستراتيجية، بما يشمل التدريب، والتجهيزات، والهياكل التنظيمية. تشير هذه التطورات إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يواجه تحديات كبيرة في بناء قدراته الدفاعية المستقلة، خصوصا في مواجهة أزمات مثل الهجمات الإيرانية، التي تتطلب استجابة سريعة ومتزامنة عبر عدة دول أعضاء. ويعد تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، وتطوير أنظمة قيادة مركزية، وضمان توفر الموارد اللوجستية والمعلومات الاستخباراتية الحديثة، من الأمور الضرورية لضمان استعداد الاتحاد الأوروبي لأي صراع مستقبلي في المنطقة، ولحماية مصالحه الإستراتيجية والسياسية.
يسلط هذا الموقف الضوء على النقاشات الجارية حول مستقبل التعاون الدفاعي الأوروبي، وإمكانية إنشاء قوة أوروبية مشتركة قادرة على التصدي للتحديات الخارجية الكبرى دون الاعتماد الكامل على الناتو أو الولايات المتحدة، وهو هدف يبدو طموحا لكنه حيوي لضمان أمن أوروبا في ظل التغيرات الإقليمية المتسارعة في شرق البحر الأبيض المتوسط.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
