المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ ما حدود مسؤولية ألمانيا عن العمليات العسكرية الأمريكية؟
تعتبر دائرة الأبحاث في البرلمان الألماني (البوندستاغ) الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران انتهاكا للقانون الدولي، وتشير إلى عواقب محتملة على ألمانيا. ووفقا لرأي خبير صادر عن البوندستاغ، فإن الهجمات التي شنها البلدان تشكل، “بحسب الرأي السائد”، انتهاكا لحظر استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، إذ لا يشملها حق الدفاع عن النفس ولا يأذن بها مجلس الأمن الدولي. وقد كلف بإعداد هذا الرأي أعضاء من الكتلة البرلمانية لحزب اليسار. في تحليلهم المكون من 12 صفحة، يدرس الباحثون ما إذا كان الاستخدام المحتمل للقواعد العسكرية في ألمانيا، مثل قاعدة رامشتاين الجوية الأمريكية، لشن هجمات ضد إيران يعد تحريضا ومساعدة تتحمل ألمانيا مسؤوليتها بموجب القانون الدولي. ويخلصون إلى أنه “مع مراعاة الظروف الخاصة بالاستخدام، لا يمكن استبعاد ذلك”. قد ينظر في احتمال انتهاك حظر استخدام القوة “بسبب الاستخدام غير المباشر للقوة”. ويشير التقرير إلى أن القواعد العسكرية الأمريكية ليست أراضي أمريكية، بل هي تابعة للأراضي السيادية للدولة المضيفة. ويستند الخبراء إلى تحليل سابق أجرته دائرة البحوث البرلمانية حول حرب العدوانية أوكرانيا، حيث اعتبر “مجرد إتاحة الأراضي البيلاروسية لأعمال العدوان الروسية” بمثابة مساعدة وتحريض.
استخدام القاعدة الجوية للهجمات غير واضح
لا يزال مدى استخدام قاعدة رامشتاين في الهجمات على إيران غير واضح. وتعتبر القاعدة عموما مركزا للقوات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. ولا يعرف ما إذا كانت تستخدم بشكل مباشر في العمليات القتالية. حظرت إسبانيا استخدام قاعدتين عسكريتين أمريكيتين لشن الهجمات على إيران في بداية الحرب. في المقابل، امتنعت الحكومة الألمانية عن اتخاذ خطوة مماثلة فيما يتعلق بالقاعدتين الجويتين الأمريكيتين في رامشتاين وسبانغدالم في راينلاند بالاتينات. وأوضح المتحدث باسم الحكومة، ستيفان كورنيليوس، في أوائل مارس 2026: “يخضع استخدام القواعد العسكرية في ألمانيا لاتفاقيات ومعاهدات قانونية سارية المفعول بموجب القانون الدولي، كما أنها تندرج ضمن إطار نظامنا القانوني. لذا، لن نفرض أي قيود عليها”.
وزارة الخارجية الألمانية: لا توجد “أعمال عدوانية” من جانب ألمانيا
رفضت وزارة الخارجية الألمانية صراحة خلال مارس 2026 اتهام ألمانيا بارتكاب “أعمال عدوانية بأي شكل من الأشكال” فيما يتعلق بالحرب في إيران. جاء ذلك عقب طلب من السفير الإيراني لدى برلين، ماجد نيلي، بشأن إمكانية استخدام قاعدة رامشتاين الجوية الأمريكية في عمليات قتالية. ووفقا للسفارة، لم يرد أي رد على هذا الطلب. تتناول خدمات الأبحاث كذلك مسألة ما إذا كان استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج يعد إجراء دفاعيا متوافقا مع القانون الدولي، نظرا لهجمات إيران على دول أخرى. ومع ذلك، فإنها تعرب عن “شكوكها حول جدوى ذلك عمليا”، إذ من غير المرجح أن تميز الولايات المتحدة بين الضربات العسكرية الهجومية والدفاعية.
ما هي “أشكال التعويض” الممكنة؟
يعد مشروع المادة الصادر عن لجنة القانون الدولي عام 2001، والذي يتناول كذلك الدعاوى المحتملة للمطالبة بالتعويضات، أساسا رئيسيا لتقييم خدمات الأبحاث. وفي حال ثبوت مسؤولية ألمانيا عن أفعال تنتهك القانون الدولي، فإن “أشكال التعويض” الممكنة تشمل، من جهة، التعويض المالي، ومن جهة أخرى، الاعتراف بالانتهاك، أو إعلان الأسف، أو تقديم اعتذار رسمي. بررت الولايات المتحدة الهجمات على إيران بحقها وحق إسرائيل في الدفاع عن النفس، مشيرة إلى التهديد النووي المحتمل الذي تشكله إيران. ولم تقيم الحكومة الألمانية الحرب بعد في ضوء القانون الدولي. مع ذلك، صنفت قيادة الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD، أحد شريكي الائتلاف الحاكم، الهجمات بأنها غير قانونية بموجب القانون الدولي.
حظر استخدام قاعدة رامشتاين في الحرب مع إيران
دعا النائب عن حزب اليسار، أولريش ثودن، الحكومة الألمانية، في أعقاب تقرير الخبراء، إلى منع الحكومة الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي الألمانية في الحرب على إيران. وقال: “وإلا، فإن المستشار ميرز ينتهك قسمه بحماية الشعب الألماني من الأذى”. وأضاف: “سيكون من الكارثي أن تضطر ألمانيا في نهاية المطاف إلى تقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات لنظام الملالي الإيراني بسبب مغامرات دونالد ترامب الحربية الإمبريالية”. تعنى دائرة الأبحاث التابعة للبرلمان الألماني (البوندستاغ)، والتي تضم حوالي 70 موظفا، بتزويد أعضاء البرلمان بمعلومات محايدة وموضوعية عند الطلب لدعم عملهم. ولذلك، فهي لا تمثل رأي البرلمان ككل.
النتائج
من المتوقع ان تواجه ألمانيا في المرحلة المقبلة تحديات قانونية وسياسية متزايدة نتيجة تداعيات الحرب على إيران، خاصة في ظل الجدل حول استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها. فمن المرجح أن يتصاعد الضغط الداخلي، سواء من الأحزاب المعارضة أو من الرأي العام، للمطالبة بمراجعة الاتفاقيات العسكرية مع الولايات المتحدة، ووضع قيود أو آليات رقابة أكثر صرامة على استخدام هذه القواعد بما يتوافق مع القانون الدولي.
على الصعيد القانوني، قد تتزايد المخاوف من تعرض ألمانيا لمساءلة دولية في حال ثبت تورط غير مباشر في عمليات عسكرية مخالفة للقانون الدولي. وهذا قد يدفع الحكومة الألمانية إلى تبني مواقف أكثر حذرا، وربما السعي للحصول على ضمانات واضحة من الجانب الأمريكي بشأن طبيعة استخدام القواعد العسكرية. كما قد تلجأ برلين إلى تعزيز دورها الدبلوماسي لتخفيف حدة التوتر، ومحاولة إثبات التزامها بالقانون الدولي لتجنب أي تداعيات قانونية أو سياسية.
سياسيا، من المرجح أن يؤدي هذا الملف إلى تعميق الانقسامات داخل الائتلاف الحاكم، حيث قد تختلف مواقف الأحزاب بشأن كيفية التعامل مع الضغوط الأمريكية ومتطلبات الالتزام الدولي. كما قد تستغل الأحزاب المعارضة هذه القضية لتعزيز خطابها الداعي إلى استقلالية القرار الألماني وتقليل الاعتماد على واشنطن في القضايا الأمنية.
أما على المستوى الأوروبي، فقد يدفع هذا الخلاف دولا أخرى إلى إعادة تقييم دور القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، ما قد يفتح نقاشا أوسع حول السيادة والأمن الجماعي داخل أوروبا. وفي حال استمرار الحرب وتصاعد التوترات، قد تتجه ألمانيا إلى لعب دور أكبر في الوساطة السياسية، محاولة تحقيق توازن بين التزاماتها الدولية ومصالحها الوطنية.
تبدو ألمانيا أمام اختبار معقد بين الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية والالتزام بالقانون الدولي، وهو ما قد يعيد تشكيل سياستها الدفاعية والخارجية في السنوات المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116708
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
