المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ ما السيناريوهات التي تقلق الاوروبيون مع استمرار الحرب؟
مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وتأثيرها على اقتصاديات الدول الأوروبية ورفض الحلفاء الأوروبيون المشاركة في حرب إيران، يواجه الرئيس الأامريكي دونالد ترامب خيارات صعبة، إما إبرام صفقة قد تكون معيبة والانسحاب، أو التصعيد عسكريا والمخاطرة بصراع مطول قد ينهي رئاسته. على الرغم من النشاط الدبلوماسي المكثف، يختتم ترامب جولة اخرى من الهجمات الأمريكية الإسرائيلية التي تكافح لاحتواء أزمة الشرق الأوسط المتفاقمة، في حين تحافظ إيران على سيطرتها الخانقة على شحنات النفط والغاز، وتواصل ضرباتها الصاروخية وضربات الطائرات بدون طيار في جميع أنحاء المنطقة. يقول المحللون إن السؤال المحوري هو ما إذا كان ترامب مستعدا لإنهاء أو تصعيد ما وصفه النقاد بحرب الاختيار، وهي الحرب التي أشعلت أسوأ صدمة في إمدادات الطاقة العالمية في التاريخ وامتدت إلى ما هو أبعد من المنطقة.
إيجاد مخرج تفاوضي
أكد مسؤول كبير في البيت الأبيض إن ترامب أخبر مساعديه أنه يريد تجنب “حرب لا نهاية لها” وإيجاد مخرج تفاوضي، وحثهم على التأكيد على مدة الأعمال العدائية التي تتراوح بين أربعة وستة أسابيع، والتي حددها علنا، مضيفا أن مثل هذا الجدول الزمني يبدو “غير مستقر”. وفي الوقت نفسه، هدد ترامب بتصعيد عسكري كبير إذا فشلت المحادثات. بدت مبادرات ترامب الدبلوماسية تجاه إيران، بما في ذلك مقترح السلام المكون من 15 بندا، والذي أرسل عبر قناة اتصال غير رسمية مع باكستان، وكأنها تظهر بحثا متزايدا عن مخرج. لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هناك أي آفاق واقعية لمفاوضات مثمرة. يقول جوناثان بانيكوف، نائب مسؤول الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابق لشؤون الشرق الأوسط: “لا يملك الرئيس ترامب خيارات تذكر لإنهاء الحرب. جزء من التحدي يكمن في عدم وضوح ماهية النتيجة المرضية”. وأصر مسؤول في البيت الأبيض على أن حرب إيران “ستنتهي عندما يقرر القائد الأعلى أن أهدافنا قد تحققت”، وأن ترامب قد وضع أهدافا صريحة.
نشر آلاف الجنود الأمريكيين
يبدو أن ترامب يحاول التحوط من المخاطر، حيث يقوم بنشر آلاف الجنود الأمريكيين الإضافيين في المنطقة، ويحذر إيران من هجوم مكثف قد يشمل استخدام القوات البرية، إذا لم تستجب لمطالبه. يقول المحللون إن مثل هذا الاستعراض للقوة قد يهدف إلى خلق نفوذ للحصول على تنازلات من طهران، ولكنه ينطوي على خطر جر الولايات المتحدة إلى صراع أطول أمدا، ومن المرجح أن يثير أي التزام بنشر قوات عسكرية على الأراضي الإيرانية غضب العديد من الناخبين الأمريكيين. ويقول الخبراء إن سيناريو آخر محتمل يتمثل في قيام الولايات المتحدة بشن هجوم جوي كبير أخير في “عملية الغضب الملحمي” لزيادة إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية ومواقعها النووية، وبعد ذلك سيعلن ترامب النصر وينسحب، قائلا إن أهداف حربه قد تحققت. لكن مثل هذا الادعاء سيبدو أجوفا ما لم يعد فتح مضيق هرمز الحيوي بالكامل، وهو ما ترفض إيران السماح به. وقد أعرب ترامب عن استيائه من رفض الحلفاء الأوروبيين إرسال سفن حربية للمساعدة في تأمين الممر المائي.
غياب استراتيجية خروج واضحة
يبدو أن ترامب، الذي تعهد مرارا وتكرارا بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الصراعات الخارجية، يكافح لاحتواء الحرب المتصاعدة التي بدأها مع إسرائيل. على الرغم من استمراره في إصدار تقييمات منتصرة، إلا أنه وجه رسائله بشكل متزايد لطمأنة الأسواق المالية المتوترة، وضغط على كبار مساعديه للتأكيد على أن الحرب ستنتهي قريبا، وفقا لمسؤول كبير في البيت الأبيض، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة المداولات الداخلية. لكن غياب استراتيجية خروج واضحة يحمل مخاطر على إرث ترامب الرئاسي وعلى فرص حزبه، حيث يسعى الجمهوريون جاهدين للدفاع عن أغلبيتهم الضئيلة في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026. كان أكبر خطأ ارتكبه ترامب هو حجم رد طهران. فقد استخدمت ما تبقى لديها من صواريخ وطائرات مسيرة لضرب إسرائيل ودول الخليج المجاورة، وأغلقت مضيق هرمز، الممر المائي الذي يمر عبره خمس نفط العالم، مما أدى إلى اهتزازات في الاقتصاد العالمي. قال جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: “إن رهان الحكومة الإيرانية هو أنها تستطيع تحمل المزيد من الألم لفترة أطول من خصومها، وقد يكونون على حق”.
يوضح مسؤول في البيت الأبيض، متحدثا شريطة عدم الكشف عن هويته، إن ترامب وفريقه كانوا “مستعدين جيدا” لرد إيران في المضيق، وهم واثقون من أنه سيعاد فتحه قريبا. ومع ذلك، فإن أوضح دليل على قلق ترامب المتزايد بشأن الحرب جاء مع تراجعه الدراماتيكي عن تهديده بتدمير شبكة الكهرباء الإيرانية إذا لم تسمح باستئناف حركة الشحن عبر المضيق. في خطوة ينظر إليها على نطاق واسع على أنها تهدف إلى تهدئة الأسواق، أعلن الرئيس تعليقا لمدة خمسة أيام لتنفيذ تهديده لإتاحة الفرصة للدبلوماسية، وفي 26 مارس 2026 مدد هذا التعليق لعشرة أيام أخرى.
إيران، الخطة المكونة من 15 بندا مرفوضة
تتشابه الخطة المكونة من 15 بندا التي طرحها ترامب مع ما رفضته إيران في معظم مفاوضات ما قبل الحرب، وتتضمن بعض العناصر التي يصعب تنفيذها. وتتراوح المطالب بين تفكيك البرنامج النووي الإيراني وكبح ترسانتها الصاروخية، وصولا إلى التخلي عن الجماعات التابعة لها وتسليمها فعليا السيطرة على المضيق. وصفت إيران العرض الأمريكي بأنه غير عادل وغير واقعي، على الرغم من أنها لم تستبعد إجراء المزيد من الاتصالات غير المباشرة. بينما أصر ترامب على أن إيران “تتوسل” للتوصل إلى اتفاق، يقول المحللون إن حكام البلاد لا يبدو أنهم في عجلة من أمرهم للتفاوض على إنهاء الصراع، لأنهم يعتقدون أنهم سيكونون في وضع يسمح لهم بادعاء النصر بمجرد البقاء على قيد الحياة.
حرب إيران قد تتحول إلى صراع أوسع نطاقا يصل إلى اوروبا
يقول محللون إن استبدال بعض القادة الذين قتلوا في غارات جوية أمريكية إسرائيلية بخلفاء أكثر تشددا يعقد أي جهد دبلوماسي. وقد أوضح الحكام عدم ثقتهم بترامب، الذي شن غارتين جويتين خلال العام 2025، بينما كان الجانبان لا يزالان يتفاوضان. وقال مسؤول في البيت الأبيض: “الرئيس مستعد للاستماع، ولكن إذا فشلوا في قبول واقع اللحظة الراهنة، فسوف يتعرضون لضربة أقوى من أي وقت مضى”.قد يستاء حلفاء واشنطن في أوروبا والخليج من انسحاب الولايات المتحدة المتسرع، نظرا لأنهم قد يجدون أنفسهم أمام جار معاد.
إذا كان ترامب مستعدا بالفعل لنشر قوات برية، فبإمكانه الاستيلاء على مركز النفط الإيراني في جزيرة خارك أو جزر استراتيجية أخرى، أو شن عمليات على طول ساحلها، أو إرسال قوات خاصة في محاولة معقدة للاستيلاء على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه دفن معظمه تحت الأرض جراء القصف الأمريكي الإسرائيلي في يونيو 2025. قد تؤدي هذه التحركات إلى صراع أوسع نطاقا يصل غل أوروبا، يذكر بالحروب الطويلة الأمد في العراق وأفغانستان التي وعد ترامب بأن الولايات المتحدة لن تجر إليها أبدا خلال فترة رئاسته. كما أنها ستزيد من احتمالية وقوع المزيد من الخسائر الأمريكية، وتثير تساؤلات إضافية حول أهداف المهمة الأمريكية. “ترامب يروج لإشارات متناقضة”، هذا ما قالته لورا بلومنفيلد من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن. “إنه آلة رسائل ضبابية فردية لإبقاء الخصوم في حالة عدم توازن”.
النتائج
ستظل أوروبا في حالة توازن حذر بين تجنب الانخراط العسكري المباشر ومحاولة حماية مصالحها الاستراتيجية، خاصة في مجالي الطاقة والأمن. فمع استمرار التوترات، ستواجه الدول الأوروبية ضغوطا متزايدة لضمان تدفق إمدادات الطاقة، سواء عبر تنويع مصادرها أو تعزيز مخزوناتها الاستراتيجية، تحسبا لأي اضطرابات طويلة الأمد.
من المرجح أن تتجه أوروبا نحو تعزيز التنسيق الداخلي، إلا أن تباين مواقف الدول الأعضاء قد يظل عائقا أمام تبني سياسة موحدة وحاسمة. بعض الدول قد تدفع نحو دور دبلوماسي أكبر لتخفيف التصعيد، بينما قد تميل أخرى إلى دعم مواقف أكثر تشددا، خاصة في ظل التزاماتها داخل حلف الناتو.
ستبقى أوروبا عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، حيث قد يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، مما ينعكس على معدلات التضخم والنمو. وقد تضطر الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لدعم القطاعات الأكثر تضررا، وهو ما قد يزيد من الأعباء المالية على المدى المتوسط.
من المتوقع أن تعزز الدول الأوروبية قدراتها الدفاعية، سواء بشكل فردي أو جماعي، مع زيادة الانفاق العسكري وتطوير البنية التحتية الدفاعية. كما قد تتصاعد الدعوات إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين في السياسات الأمريكية.
يبدو أن أوروبا ستسعى إلى احتواء التداعيات بدلا من مواجهتها بشكل مباشر، مع التركيز على الحلول الدبلوماسية وتقليل المخاطر الاقتصادية والأمنية. إلا أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يفرض واقعا جديدا يدفع القارة إلى إعادة تعريف دورها في النظام الدولي بشكل أوسع.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116709
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
