المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران: لماذا ترى أوروبا إن تأمين مضيق هرمز أمراً صعباً؟
يؤثر إغلاق مضيق هرمز على أسعار الطاقة للصناعات والمنازل، كما أن هذا الممر التجاري الحيوي يمثل نسبة كبيرة من شحنات الأسمدة، مما يهدد الإنتاج الغذائي على المدى الطويل. دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحلفاء إلى إرسال سفن لتأمين مضيق هرمز، المغلق فعليا منذ بدء الحرب في إيران في فبراير 2026 والذي يعد شريانا حيويا لخمس حركة النفط العالمية. وهدد ترامب، في حال عدم استجابة الحلفاء للولايات المتحدة أو ردهم السلبي، بمستقبل مظلم لحلف الناتو. بينما يصف الأمريكيون إعادة فتح الممر المائي بأنه “مسعى صغير”، يقول الأوروبيون إن الواقع على الأرض أكثر تعقيدا وخطورة بكثير حيث تطلق طهران الصواريخ والطائرات بدون طيار بشكل عشوائي.
لكن لماذا يعد تأمين المرور أمرا بالغ الأهمية؟
يرجع ذلك لسبب بسيط، إنه أحد أهم الممرات الاستراتيجية والحيوية لنقل الطاقة. يقع مضيق هرمز بين الخليج العربي وخليج عمان، ويساهم بنسبة 20% من إنتاج النفط العالمي. وبدونه، قد يختنق سوق الطاقة العالمي. في الواقع، ارتفعت أسعار النفط منذ أن تجاوزت 100 دولار للبرميل، ويحذر المحللون من أنها قد تتداول في نطاق 150 إلى 200 دولار إذا اتسع نطاق الصراع من حيث الحدة والمدة. بالنسبة لأوروبا، التي عانت من أجل تأمين إمدادات طاقة مستقرة منذ قطع علاقاتها مع روسيا عقب حرب أوكرانيا، فإن الصراع في الشرق الأوسط قد يترجم إلى أزمة طاقة أخرى تؤثر على الأسر والصناعة.
يعد مضيق الخليج ممرا رئيسيا للأسمدة إلى أوروبا. فإلى جانب نقل إمدادات النفط والغاز، يمر عبره نحو 13% من صادرات الأسمدة العالمية، وفقا للأمم المتحدة، وهو المنفذ الوحيد للخليج إلى المحيط المفتوح، ما يجعله مساهما هاما في إنتاج الغذاء العالمي. “إذا كان هناك نقص في الأسمدة في العام 2026، فسيكون هناك حرمان من الغذاء العام المقبل”. هذا ما صرحت كايا كالاس، كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي.
ما الذي يطلبه دونالد ترامب؟
حث ترامب المملكة المتحدة وفرنسا والصين واليابان على إرسال سفن حربية إلى المنطقة لحماية شحنات النفط، حيث ارتفعت أسعار الطاقة في أعقاب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران والإغلاق الفعلي للممر المائي في الأزمة اللاحقة. طالب الرئيس الأمريكي هذه الدول بحماية أراضيها، زاعما أنها المنطقة التي تستمد منها طاقتها. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن فرنسا ستقود بعثة الاتحاد الأوروبي لإعادة فتح مضيق ملقا. تأتي دعوة ترامب للمساعدة بعد وصفه أوروبا بأنها “ضعيفة” نظرا لاعتمادها على حلف الناتو للحماية العسكرية في مواجهة روسيا المتحدية التي تكتسب أرضا ضد الأوكرانيين. رفضت كل من اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة دعوات ترامب لمرافقة السفن عبر المضيق.
قدر يوهانس راوبال، كبير محللي النفط الخام في شركة Kpler المتخصصة في البيانات الآنية ومعلومات السوق، أن الاضطرابات المتعلقة بمضيق هرمز ستستمر لمدة ثلاثة إلى أربعة أسابيع أخرى، مما يبقي أوروبا عرضة لارتفاع الأسعار والتقلبات، حيث تحمل أسعار النفط الخام حاليا علاوة مخاطر تبلغ حوالي 15 دولارا (13 يورو) للبرميل. تابع راوبال: “ستبدأ الأسعار بالاستقرار بمجرد ظهور احتمالات موثوقة لإجراء محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، أو في حال استئناف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. ونتوقع أن ينخفض معظم علاوة المخاطرة عندما تبدو المفاوضات ملموسة، وأن تختفي إلى حد كبير بمجرد التوصل إلى اتفاق منظم”.
كيف سيرد الاتحاد الأوروبي؟
يظل الموضوع الرئيسي في اجتماع وزراء الخارجية هو كيفية المساعدة في تأمين الوصول إلى مضيق هرمز ومنع حدوث اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط العالمية. قال دبلوماسي أوروبي إن هدف الاجتماع كان هو إنشاء القدرات والتنسيق تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، لكنه لم يتوقع ظهور تحالف أوروبي كبير لمرافقة السفن خارج مضيق هرمز تماشيا مع طلب ترامب. أعربت كل من ألمانيا ورومانيا عن شكوكهما بشأن هذه المهمة. وأشارت وزيرة الخارجية الرومانية، أوانا سيلفيا تويو، إلى أن بوخارست لا ترغب في المشاركة في مهمة أسبيدس، لأن البلاد بحاجة إلى التركيز على قدراتها البحرية في البحر الأسود.
تقول كالاس إنها ستقترح تغيير تفويض عملية أسبيدس التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي تم إنشاؤها في فبراير 2024 كعملية دفاعية في أعقاب الهجمات المتكررة التي شنها الحوثيون المتحالفون مع إيران على الشحن الدولي. وتتمثل مهمتها في “حماية السفن” والحفاظ على حرية الملاحة و”مراقبة الوضع البحري في مضيق هرمز والمياه المحيطة به، بما في ذلك البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب وخليج عمان والخليج العربي”. مع ذلك، أعربت العديد من الدول عن تحفظاتها بشأن تغيير تفويض أسبيدس. لم يؤد إعلان وكالة الطاقة الدولية الأخير عن إطلاق 400 ألف برميل من النفط من الاحتياطيات إلى تهدئة أسواق الطاقة، بل حث قادة الاتحاد الأوروبي على إيجاد سبل لضمان المرور الحر والآمن للسفن التي تحاول عبور مضيق هرمز.
أوضح نائب رئيس الوزراء الإيطالي ووزير الخارجية أنطونيو تاجاني إن “نهج الدبلوماسية” يجب أن يسود فوق كل شيء، مشيرا إلى أن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز لا تهم الدول الغربية فحسب، بل تهم العالم أجمع، بما في ذلك الصين. ومع ذلك، يؤيد السياسي الإيطالي عموما توسيع نطاق مهمة أسبيدس لتشمل دوريات في مضيق هرمز. وقال تاجاني: “نحن نقود مهمة أسبيدس، والتي أعتقد أنه يجب تعزيزها لضمان حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر وقناة السويس. وسنواصل العمل في هذا الاتجاه”. وفي نهاية الاجتماع أكدت كالاس إنه “لا توجد رغبة” في تمديد ولاية مهمة الاتحاد الأوروبي البحرية “أسبيدس” إلى مضيق هرمز على الرغم من الدعوات المتزايدة لأوروبا للمساعدة في تأمين الممر المائي ومنع حدوث اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط العالمية.
يوضح تشارلز هيكر، الزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، إن الأوروبيين غير مستعدين لنشر قوات لتأمين مضيق هرمز، “لأن ذلك يضيفهم إلى قائمة الأهداف المحتملة” لإيران. وتابع هيكر: “إن الرابح الوحيد في الحرب على إيران في الوقت الحالي هو روسيا”. وقال هيكر إن هذه كانت محاولة من ترامب لمحاولة جعل الأوروبيين أكثر انخراطا في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. مضيفا: “لم يتضح بعد نوع التهديد الذي يوجهه الرئيس ضد حلف الناتو وكيف سينفذه. لكنه يبذل قصارى جهده لمحاولة ممارسة نفوذه على الدول التي يرغب في جرها إلى الصراع”. وأوضح: “إنهم غير مستعدين للانضمام إلى الجهود العسكرية الأمريكية في مضيق هرمز، وربما لن يكونوا كذلك في المستقبل المنظور”. وليس ذلك فقط لأن ذلك يجعلهم هدفا إيرانيا، بل كذلك لأنهم غير واضحين بشأن أهداف واستراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب.
هل تعد الطاقة الروسية جزءا من حل أزمة الكتلة؟
طرح رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر فكرة غير مألوفة تتمثل في استئناف استيراد الطاقة الروسية، حيث صرح لوسائل بأن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو التوصل إلى اتفاق مع روسيا. وانتقد وزير خارجيته ماكسيم بريفو هذا المقترح، واصفا إياه بأنه دليل على الضعف. وقال دي ويفر إن اختيار هذا المسار هو “منطق سليم” فقط لأن الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة يواجه أزمة طاقة متفاقمة تهدد بدفع التكتل إلى ركود اقتصادي. أيد تاجاني إمكانية استيراد الاتحاد الأوروبي للطاقة الروسية في المستقبل. ومع ذلك، أكد أنه طالما استمرت روسيا في عدوانها العسكري على أوكرانيا، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يحافظ على موقفه النقدي وأن يبقي العقوبات المفروضة على موسكو سارية.
لكن بمجرد انتهاء الحرب، كما قال الإيطالي، سيبدأ موسم جديد. “بمجرد تحقيق السلام، لن نكون في حالة حرب مع روسيا، ويمكننا البدء في فعل ما اعتدنا فعله منذ زمن طويل، ولكن الآن هناك وضع يمنعنا من اتخاذ موقف متهاون تجاه الاتحاد الروسي”. هذا ما قاله تاجاني. لكن الوزراء الآخرين كانوا أقل حماسة بكثير لاقتراح دي ويفر. زعمت نائبة رئيس الوزراء السويدي ووزيرة الطاقة إيبا بوش أن التراجع عن هذا القرار بشأن النفط الروسي سيجعل كلمة الاتحاد الأوروبي وقيمه بلا معنى. أكد رئيس قسم الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، مجددا موقف التكتل الحازم الرافض لاستئناف واردات الطاقة الروسية، على الرغم من أزمة الطاقة المتفاقمة الناجمة عن الصراع المستمر في الشرق الأوسط. وأضاف يورغنسن: “نحن مصممون على المضي قدما. سيكون من الخطأ أن نكرر ما فعلناه في الماضي. الرسالة واضحة جدا: لن نستورد أي جزيئات أخرى من روسيا في المستقبل”.
طرق بديلة للنفط
أوضح بيرد لانجنبرونر، محلل الأبحاث في منظمة مراقبة الطاقة العالمية، إن هناك خطي أنابيب نفط قابلين للتطبيق يمكن أن يكونا بمثابة بديل لمضيق هرمز. الخيار الأول هو خط أنابيب النفط الخام السعودي شرق غرب، والذي تبلغ طاقته الاستيعابية 5 ملايين برميل يوميا. ويمتد من الشرق إلى الغرب عبر المملكة العربية السعودية من مركز معالجة النفط في بقيق إلى ينبع على البحر الأحمر. وأضاف لانجنبرونر أنه يمكن تحويل البنية التحتية لخطوط الأنابيب الموازية على طول هذا المسار مؤقتا لنقل كميات إضافية من النفط، مما يزيد إجمالي الكمية المنقولة إلى 7 ملايين برميل يوميا.
تابع لانجنبرونر: “سيؤدي ذلك إلى منافسة نقل السوائل المهمة الأخرى إلى ينبع”. أما البديل الثاني فهو خط أنابيب النفط بين حبشان والفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، والذي يمكن أن ينقل النفط الخام إلى محطة الفجيرة على خليج عمان، لكن لانجنبرر أشار إلى أن طاقته اليومية أقل بكثير وتبلغ 1.8 مليون برميل. وأضاف محلل الطاقة: “تستخدم الإمارات العربية المتحدة بالفعل هذا الطريق كطريق تصدير روتيني، لأنه يتجاوز تكاليف التأمين والأمن لعبور المضيق، ولا توجد طاقة فائضة كبيرة يمكن استخدامها”.
وأوضح أن خط أنابيب النفط الخام غوره-جاسك الذي تم بناؤه في إيران سيكون، من الناحية النظرية، قادرا على تجاوز المضيق، ولكن ليس بدون تعقيدات. وقال لانجنبرونر: “يقع خط الأنابيب هذا في إيران، التي كانت تخضع بالفعل لعقوبات أمريكية شديدة، وتتعرض بنيتها التحتية لهجوم عسكري مباشر. بالإضافة إلى ذلك، تبلغ طاقته المؤكدة حوالي 300 ألف برميل يوميا، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بما ينقله المضيق يوميا”. في نهاية المطاف، لن يتمكن سوى جزء صغير مما يتدفق عادة عبر المضيق من المرور عبر مسارات خطوط الأنابيب البديلة، مقارنة بـ 20 مليون برميل يوميا التي تمر عبر هذا الممر. وفي الوقت نفسه، توقفت حركة الشحن عبر مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان بشكل شبه كامل بعد أن تعرضت السفن في المنطقة للهجوم ردا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
أعلنت شركات التأمين البحري أنها ستلغي تغطية مخاطر الحرب بعد أن أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، الحرس الثوري، إغلاق المضيق، ومن المرجح أن تتجنب ناقلات النفط عبور البحر الأحمر للوصول إلى أوروبا. قال لانجنبرونر: “بالنسبة للكميات التي لا يمكن نقلها عبر خطوط الأنابيب وتعتمد على السفن، يتمثل البديل في إعادة توجيه ناقلات النفط حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى أوروبا، مما يضيف وقتا وتكلفة كبيرين إلى عملية النقل. وهذا لا يفيد إلا النفط الذي لم يحتجز بعد في الخليج العربي”.
لا يزال إنتاج بحر الشمال أحد أكثر مصادر الإمداد البديلة أمانا في أوروبا. ويمكن شحن النفط الخام من الحقول البحرية في النرويج والمملكة المتحدة مباشرة بواسطة ناقلات النفط إلى الموانئ الأوروبية. كما توفر الولايات المتحدة وغرب إفريقيا بدائل قابلة للتطبيق، حيث يقوم منتجون مثل نيجيريا وأنغولا بشحن النفط الخام مباشرة إلى أوروبا عبر طرق ناقلات النفط في المحيط الأطلسي. توفر شمال أفريقيا طرق إمداد قصيرة المدى عبر البحر الأبيض المتوسط إلى جنوب أوروبا. وتتجنب هذه الشحنات نقاط الاختناق الرئيسية في العالم، وتستفيد من مسافة النقل القصيرة. إلا أن عدم الاستقرار السياسي، وخاصة في ليبيا، يشكل مخاطر متكررة على استدامة الإمدادات.
يوفر منتجو النفط في بحر قزوين وآسيا الوسطى، مثل كازاخستان وأذربيجان، تنويعا إضافيا. وعادة ما ينقل نفطهم الخام عبر خطوط الأنابيب إلى محطات التصدير في البحر الأسود قبل شحنه عبر المضائق التركية إلى البحر الأبيض المتوسط. بإمكان الموردين من أمريكا اللاتينية، ولا سيما البرازيل، توصيل النفط الخام إلى أوروبا عبر طرق ناقلات النفط في المحيط الأطلسي التي تتجنب نقاط الاختناق في الشرق الأوسط تماما. تقول بولين هاينريش، المحاضرة في دراسات الحرب في كلية كينجز كوليدج لندن، إنه إذا أرادت أوروبا أن تأخذ استراتيجية الأمن على محمل الجد، فسيتعين عليها الحد من انعدام الأمن الناجم عن الاعتماد على الوقود الأحفوري. تابعت هاينريش: “إن استراتيجيتنا الأمنية تقتصر حاليا على الاستجابة للأزمات الناجمة عن الوقود الأحفوري، وأعني بذلك كلا من الوقود الأحفوري نفسه، ولكن كذلك القوى التي تعتمد على الوقود الأحفوري لدعم قوتها، بما في ذلك الولايات المتحدة”.
ما هو الدور الأوكراني؟
عرضت أوكرانيا تقنيتها المضادة للطائرات بدون طيار على دول الخليج على أمل أن تتمكن من استخدام طائراتها الأوكرانية المحلية المضادة للهجوم والاحتفاظ بأنظمة باتريوت فقط للهجمات الصاروخية. يقول رافائيل لوس، الباحث في السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “تمتلك أوكرانيا سنوات من الخبرة في اعتراض الطائرات المسيرة الروسية من طراز شاهد وهي نفس الطائرات التي تطلقها إيران على جيرانها. كما طورت صناعة الدفاع الأوكرانية أنظمة مضادة للطائرات المسيرة تم اختبارها في المعارك، وهي تعرضها على دول الخليج”. وقال لوس إن الفكرة هي “تقليل الطلب على صواريخ باتريوت الاعتراضية في الخليج حتى تتمكن أوكرانيا من الحصول على المزيد في المستقبل”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116296
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
