المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ لماذا أصبحت صادرات الأسلحة الأالمانية إلى إسرائيل قضية بالغة الحساسية؟
أصبحت صادرات الأسلحة إلى إسرائيل مؤخرا قضية بالغة الحساسية بالنسبة للحكومة الألمانية، أولا بسبب حرب غزة، وثانيا بسبب الحرب مع إيران. وقد نُشرت أرقام جديدة في هذا الشأن. وافقت الحكومة الألمانية على تصدير أسلحة إلى إسرائيل خلال الأسابيع الأولى من حرب إيران، وإن كان ذلك على نطاق ضيق نسبيا. فمنذ 28 فبراير 2026، بدء الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وحتى 27 مارس 2026، أعطت حكومة الائتلاف بين يمين الوسط ويسار الوسط الضوء الأخضر لتصدير أسلحة بقيمة 6.6 مليون يورو، وذلك وفقا لردود وزارة الاقتصاد والطاقة الاتحادية على استفسارات عديدة من النائب عن حزب اليسار، أولريش ثودن، والتي اطلعت عليها وكالة الأنباء الألمانية. للمقارنة: في الأشهر الأربعة الأولى بعد أن رفعت الحكومة الألمانية القيود المفروضة على صادرات الأسلحة من إسرائيل في 24 نوفمبر 2025، والتي كانت قد فُرضت مؤقتا بسبب حرب غزة، تمت الموافقة على شحنات أسلحة بقيمة إجمالية قدرها 166.95 مليون يورو. مع ذلك، لم يشمل هذا الرقم أسلحة الحرب مثل الدبابات والمدفعية أو ما شابهها من معدات، بل اقتصر على “السلع العسكرية الأخرى”.
عادة ما تكون عمليات التسليم إلى مناطق الحرب محظورة
تحظر المبادئ التوجيهية للتصدير، التي اعتمدها الائتلاف الحاكم آنذاك عام 2000 والتي لا تزال سارية المفعول حتى العام 2026، بشكل عام، تسليم الأسلحة إلى مناطق الحرب والأزمات. ومع ذلك، توجد استثناءات، منها دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وإسرائيل كذلك حالة خاصة. حيث تشعر ألمانيا بالتزام خاص تجاه أمن إسرائيل. ولهذا السبب، على سبيل المثال، يتم دعم تصدير الغواصات إلى إسرائيل بأموال دافعي الضرائب. عقب الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، قامت ألمانيا في البداية بزيادة صادرات الأسلحة إلى إسرائيل تضامنا معها. ومنحت حكومة الائتلاف برئاسة المستشار آنذاك أولاف شولتز (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي) تراخيص تصدير بقيمة تقارب نصف مليار يورو خلال العام ونصف العام التاليين، وذلك حتى تولي الحكومة الجديدة مهامها في السادس من مايو 2025.
إنهاء القيود على الصادرات بعد وقف إطلاق النار في غزة
نظرا لتزايد الغضب الشعبي إزاء سلوك إسرائيل في الحرب، أصدر المستشار فريدريش ميرز (من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي) في الثامن من أغسطس 2025 قرارا بتعليق أي صادرات أسلحة إلى إسرائيل يمكن استخدامها في حرب غزة في الوقت الراهن. وقال ميرز حينها: “إن التضامن مع إسرائيل لا يعني الموافقة على كل قرار تتخذه أي حكومة، ولا يعني حتى تقديم الدعم لها، بما في ذلك الدعم العسكري عبر الأسلحة”. أثار الحظر الجزئي غضبا واسعا في إسرائيل، وكذلك داخل حزبي الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي. وبعد ثلاثة أشهر ونصف، رفعت الحكومة القيود عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. ومع ذلك، وحتى خلال فترة الحظر الجزئي، صدرت تراخيص تصدير بقيمة 10.44 مليون يورو، وفقا لوزارة الشؤون الاقتصادية.
سياسي يساري يدعو إلى حظر تصدير الأسلحة
يتهم النائب اليساري ثودن الحكومة الألمانية بتأجيج الحرب مع إيران من خلال تراخيص التصدير التي تمنحها. ويطالب بوقف فوري وكامل لصادرات الأسلحة إلى إسرائيل. ويقول: “إن مصالح الربح التي يسعى إليها المجمع الصناعي العسكري لا تخدم السلام أبدا، لا في الشرق الأوسط ولا في أي مكان آخر؛ بل إنها تحرض على حروب تحصد أرواحا لا حصر لها، وقد تُفقد دولا بأكملها ازدهارها الاقتصادي”. لقد نأت الحكومة الألمانية بنفسها بوضوح عن الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، لكنها امتنعت حتى العام 2026 عن إجراء تقييم بموجب القانون الدولي. ويسري وقف إطلاق نار لمدة 14 يوما. إلا أن المفاوضات الأولية بين الأطراف المتحاربة لم تسفر عن أي نتائج.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن سياسة ألمانيا تجاه صادرات السلاح إلى إسرائيل ستظل رهينة توازن دقيق بين اعتبارات تاريخية وأخلاقية من جهة، وضغوط سياسية وقانونية داخلية وخارجية من جهة أخرى. ففي المدى القريب، من المرجح أن تواصل برلين نهج “الضبط الانتقائي”، أي السماح بصادرات محدودة لا تشمل الأسلحة الهجومية الثقيلة، مع إبقاء الباب مفتوحا لإعادة فرض القيود إذا تصاعدت العمليات العسكرية أو زادت الضغوط الشعبية.
على المستوى الأوروبي، قد تتزايد الدعوات لتوحيد معايير تصدير السلاح داخل الاتحاد الأوروبي، ما قد يفرض على ألمانيا قدرا أكبر من الشفافية والتنسيق مع شركائها، خصوصا في ظل تباين مواقف الدول الأعضاء من الصراع في الشرق الأوسط. كما أن أي تطورات قانونية، مثل تحقيقات دولية أو أحكام محتملة تتعلق بانتهاكات القانون الدولي، قد تدفع الحكومة الألمانية إلى تشديد سياستها تفاديا للمساءلة.
أما على الصعيد الداخلي، فمن المتوقع أن يحتدم الجدل السياسي، خاصة مع تنامي نفوذ التيارات المنتقدة لصادرات السلاح، سواء من اليسار أو من بعض أوساط المجتمع المدني. وقد ينعكس ذلك في مطالب بفرض حظر أشمل أو إعادة صياغة الإطار القانوني المنظم لهذه الصادرات.
في المقابل، ستظل الاعتبارات الاستراتيجية، بما في ذلك الالتزام بأمن إسرائيل والعلاقات عبر الأطلسي، عاملا حاسما في منع حدوث تحول جذري وسريع. لكن في حال استمرار التوتر مع إيران أو تجدد الحرب في غزة، فقد تجد ألمانيا نفسها أمام ضغوط متزايدة لاتخاذ موقف أكثر صرامة، سواء بتقييد الصادرات أو ربطها بشروط سياسية واضحة.
يبدو أن المرحلة المقبلة ستتسم بسياسة حذرة ومرنة، تتكيف مع تطورات الميدان وتوازن بين المبادئ والمصالح، دون أن تحسم بشكل نهائي اتجاهها الاستراتيجي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117287
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
