المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ كيف كشفت فجوة الصواريخ الباليستية في أوروبا؟
مع اندلاع حروب متعددة على أطراف أوروبا، تسعى دول الاتحاد الأوروبي جاهدة لتطوير قدرات عسكرية جديدة تتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية المتزايدة. وقد أدت الضربات الصاروخية الباليستية المتكررة التي شنتها إيران في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط إلى زيادة الوعي الأوروبي بالدور المحوري الذي تلعبه الصواريخ الباليستية في الحروب الحديثة، كما أثارت تساؤلات جدية حول حجم القدرات الصاروخية التي تمتلكها الدول الأوروبية ومدى جاهزيتها للتعامل مع مثل هذه التهديدات المتطورة.
تسريع برامج التحديث العسكري
تحاول عدة دول أوروبية تسريع برامج التحديث العسكري وتطوير منظومات ردع جديدة، سواء عبر مشاريع وطنية أو من خلال مبادرات دفاعية مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي. وتشمل هذه الجهود العمل على تطوير أنظمة دفاع جوي وصاروخي أكثر تطورا، إضافة إلى تحسين قدرات الضربات بعيدة المدى التي باتت تشكل عنصرا أساسيا في موازين القوة العسكرية الحديثة. ومع ذلك، تشير التقديرات العسكرية إلى أن أوروبا لا تزال غير مستعدة إلى حد كبير لمتطلبات الحرب الحديثة، خاصة في مجال الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. فهذه القدرات لا تزال محدودة ومحصورة في عدد قليل من الجيوش الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا والمملكة المتحدة، اللتان تمتلكان برامج متقدمة نسبيا في هذا المجال مقارنة ببقية الدول الأوروبية. ويرى خبراء الدفاع أن هذا الواقع يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير بشكل متزايد في تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء، بهدف سد الفجوات العسكرية القائمة وبناء قدرات مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات المتنامية في البيئة الأمنية المحيطة بالقارة.
القدرات الصاروخية الباليستية في أوروبا
الصاروخ الباليستي سلاح يدفع بالصواريخ ويطير على ارتفاعات شاهقة، ليصل أحيانا إلى حافة الفضاء قبل أن يواصل مساره نحو الهدف. وخلال هذه المرحلة يكتسب الصاروخ سرعة عالية جدا تمكنه من قطع مسافات طويلة في وقت قصير، ثم يعود ليدخل الغلاف الجوي متجها نحو هدفه بدقة نسبية. وتستخدم هذه الصواريخ عادة لضرب أهداف بعيدة مثل القواعد العسكرية أو المنشآت الاستراتيجية. ويمكن تحقيق هدف مماثل بواسطة ما يسمى بصواريخ كروز، التي تختلف في طريقة عملها ومسارها. فهي تطير على ارتفاعات منخفضة نسبيا وتستخدم محركات نفاثة، ما يسمح لها بالتحليق لفترات أطول والمناورة أثناء الرحلة. كما يمكن توجيهها بدقة عالية لتجنب أنظمة الدفاع الجوي والرادارات، وهو ما يجعلها سلاحا فعالا في العمليات العسكرية الحديثة.
تمتلك فرنسا مجموعة متقدمة من الصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات، وتعد صواريخ M51، التي طورتها مجموعة أريان، جزءا أساسيا من الترسانة النووية الفرنسية. ويتميز هذا الصاروخ بقدرته على الوصول إلى أهداف تبعد أكثر من 8000 كيلومتر، ما يمنح فرنسا قدرة استراتيجية على الردع النووي بعيد المدى. وتعمل مجموعة أريان نفسها أيضا على تطوير صاروخ أرضي جديد، يبلغ مداه حوالي 2000 كيلومتر، ليعزز القدرات الدفاعية والهجومية البرية للدولة. ويشكل هذا الصاروخ جزءا من جهود فرنسا لتحديث ترسانتها الصاروخية وضمان جاهزيتها لمواجهة أي تهديدات محتملة في المستقبل.
تمتلك لندن صواريخ باليستية تُطلق من الغواصات، وتعرف هذه الصواريخ باسم ترايدنت دي 5، وهي أمريكية الصنع وتشكل جزءا أساسيا من الترسانة النووية للمملكة المتحدة، ما يمنحها قدرة ردع نووي استراتيجية على المدى البعيد. وتعمل الحكومة البريطانية حاليا على تطوير صواريخ باليستية أرضية المدى، يبلغ مداها حوالي 500 كيلومتر، في إطار ما يعرف بمشروع نايتفول. ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز القدرات الدفاعية والمساعدة في دعم أوكرانيا ضد الضربات الروسية، ما يعكس التزام المملكة المتحدة بالمساهمة في الاستقرار الأمني الأوروبي.
اليونان، إحدى دول الاتحاد الأوروبي الأقرب إلى إيران، لم تطور سوى ترسانة من الصواريخ قصيرة المدى. ويستخدم الجيش اليوناني صواريخ MGM الباليستية التكتيكية قصيرة المدى أرض-أرض أمريكية الصنع. كما حصل مؤخرا على صواريخ LORA إسرائيلية الصنع، يصل مداها إلى 400 كيلومتر. وكانت اليونان أول دولة في الاتحاد الأوروبي تقدم دعما عسكريا لجارتها قبرص بعد أن استهدفت غارات متكررة من طهران قواعد عسكرية بريطانية في الجزيرة المتوسطية.
التطورات المستقبلية
ومع ذلك، فبينما تواصل أوروبا تعزيز دفاعاتها، يحتل تطوير الصواريخ مرتبة أعلى على جدول الأعمال. بحسب شركة أريان جروب المتخصصة في صناعة الطيران، فإن ألمانيا وفرنسا مهتمتان بالحصول على صاروخ باليستي أرضي. يقول مدير برامج الدفاع في الشركة، فينسنت بيري خلال العام 2026 “يحاول الناس فهم ما هو على المحك فيما يتعلق بالأنظمة الباليستية”. يهدف نهج الضربات بعيدة المدى الأوروبي ELSA، وهو مبادرة تعاونية تم إطلاقها في عام 2024، أيضا إلى مساعدة أوروبا في الحصول على الوسائل اللازمة للرد بسرعة عالية من الفضاء. في يوليو 2024، أطلقت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا المشروع. وانضمت السويد والمملكة المتحدة وهولندا بعد ذلك بوقت قصير، حيث لا تمتلك أي منها صواريخ أرضية قادرة على الوصول إلى مسافة تزيد عن 300 كيلومتر. لكن المشروع لم يحقق أي نتائج حتى مارس 2026.
النتائج
مع تصاعد الصراعات على أطراف أوروبا وتفاقم التهديدات الصاروخية الإيرانية في الشرق الأوسط، أصبح الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تعزيز قدراته الدفاعية والحفاظ على استقراره الداخلي. تشير المعطيات الحالية إلى أن أوروبا غير جاهزة بشكل كامل لمواجهة تهديد الصواريخ الباليستية الحديثة، إذ تقتصر القدرات بعيدة المدى على عدد محدود من الدول، وعلى رأسها فرنسا والمملكة المتحدة، بينما تبقى معظم الدول الأخرى تعتمد على صواريخ قصيرة المدى أو قدرات دفاعية محدودة.
من المتوقع أن تركز أوروبا على تطوير برامج صاروخية أرضية وبحرية متقدمة، سواء من خلال مشاريع وطنية أو مبادرات تعاونية مثل نهج الضربات بعيدة المدى الأوروبي ELSA. يهدف هذا التوجه إلى سد الفجوات الدفاعية وتحقيق قدرة ردع سريعة وفعالة ضد أي هجوم محتمل، مع تعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء في مجالات المراقبة الجوية والاستخباراتية والدفاع الصاروخي.
قد تؤدي هذه التحركات إلى تعزيز مكانة أوروبا في الساحة الدولية كجهة مستقلة قادرة على حماية مصالحها، لكنها قد تخلق أيضا تحديات سياسية داخل الاتحاد الأوروبي بسبب اختلاف أولويات الدول الأعضاء، خصوصا بين الدول الكبرى التي تمتلك ترسانة صاروخية متقدمة والدول الصغيرة ذات الإمكانات المحدودة.
ستظل أوروبا متأثرة بتقلبات أسواق الطاقة وتكاليف تطوير الأسلحة المتقدمة، ما يجعل الحاجة إلى تخطيط طويل المدى أمرا حاسما. وفي ظل هذه الظروف، يبدو أن النهج المستقبلي لأوروبا سيقوم على الموازنة بين تعزيز القدرات الدفاعية والاستعداد للطوارئ، مع تجنب الانخراط المباشر في النزاعات الخارجية ما لم يهدد الأمن القاري بشكل مباشر.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115918
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
