المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ كيف أظهرت نقاط ضعف الناتو؟
أظهرت حرب إيران أن حلف الناتو غير مستعد للدفاع والردع في حالة هجوم روسي محتمل، من نقص الذخيرة إلى نقص الاستثمار في القوات البحرية، لذلك فإن التحالف بعيد كل البعد عن الجاهزية القتالية. لقد نأى حلف الناتو بنفسه عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران، لكن الصراع كشف مع ذلك عن ثغرات في دفاعات الحلف من شأنها أن تجعله يواجه صعوبة إذا شنت روسيا هجومًا. يقول الجنرال دومينيك تارديف، نائب قائد القوات الجوية الفرنسية: “إن الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط ليستا ظاهرتين منفصلتين؛ فهناك الكثير مما يمكن تعلمه من كلتيهما عند التفكير في حروب المستقبل. وينبغي أن تقودنا هذه الدروس مجتمعةً إلى فهمٍ أفضل لكيفية توجيه تطوير القدرات”. وحذر مسؤولون عسكريون أوروبيون من أن موسكو قد تكون في وضع يسمح لها بمهاجمة أحد أعضاء التحالف بحلول عام 2029، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى الجاهزية القتالية والتماسك السياسي في جميع أنحاء التحالف. فما هي ثغرات الحلف التي كشفت عنها الحرب في الشرق الأوسط.
أولًا، نفاد الذخيرة
لقد أبرزت الحرب مع إيران بشكل حاد النقص الحاد في الذخيرة لدى حلف الناتو. استهلكت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها الإجمالي من صواريخ باتريوت الدفاعية الجوية الحيوية، بينما حذر مسؤولون فرنسيون من أن مخزون صواريخ أستر وميكا بدأ ينفد خلال الأسبوعين الأولين من الحرب. كما أشارت شركات دفاعية مثل راينميتال وإم بي دي إيه إلى ارتفاع الطلب ونقصٍ وشيكٍ في الإمدادات. يقول دبلوماسي رفيع المستوى في حلف الناتو: “إذا استمرت الولايات المتحدة في تحويل اهتمامها إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فسيتم سحب أصول كبيرة من أوروبا. لدينا القليل جدًا من هذه الأصول”.
حذر كالفن بيلي، وهو مشرع من حزب العمال الحاكم في بريطانيا وعضو في لجنة الدفاع بالبرلمان البريطاني، من أنه ما لم يغير حلف الناتو مساره، فإن روسيا “ستجبرنا على الخروج من الحرب بسرعة بسبب ارتفاع الأسعار”. يرى جاستن برونك، وهو باحث أول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إنه مع إنتاج موسكو “من 6000 إلى 7000” طائرة هجومية أحادية الاتجاه شهريًا، سيجد حلفاء الناتو أنفسهم بدون صواريخ دفاعٍ جويٍ عالية القيمة في غضون “أسابيع”. وأضاف أن ذلك يخلق “حاجة ملحة إلى صواريخ اعتراضية جو-جو بأسعارٍ معقولة أكثر”، مؤكدًا بأن على الناتو التركيز على بدائل أرخص لصاروخ باتريوت مثل صاروخ AGR-20 الموجه بالليزر وبناء دفاعات سلبية مثل ملاجئ الطائرات الخرسانية المقواة.
ثانيًا، التفوق الجوي الروسي
يوضح بيتر ويزمان، الباحث في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن قدرة إيران على مواصلة قصف دول الخليج المجاورة بأكثر من 5000 هجومٍ صاروخي وطائرات بدون طيار على الرغم من الحملة الجوية الأمريكية تظهر “الحدود الواضحة لتوقع إمكانية قصف بلد ما لإخضاعه” باستخدام الطائرات التقليدية. وقال برونك إنه ردًا على ذلك، يجب على حلف الناتو إعادة التفكير في الهيمنة الجوية والبحث عن حلولٍ إبداعية لردع روسيا، مثل زيادة الاستثمار في أسلحة الضربات الدقيقة بعيدة المدى القادرة على استهداف مواقع إنتاج الطائرات بدون طيار والمواقع العسكرية في موسكو في عمق البلاد. وتابع: “إذا استطعنا تحقيق التفوق الجوي فوق منطقة متنازعٍ عليها، فإن أوروبا بمفردها قادرة على تدمير القوات الروسية في الميدان”، مقترحًا تعزيز مشتريات صواريخ AGM-88G الأمريكية الصنع، والتي يصل مداها إلى 300 كيلومتر.
ثالثًا، القوات البحرية ذات القدرات الضعيفة
كما أظهر الانتشار المحدود لأوروبا لمساعدة حلفاء الخليج النقص الكبير في الاستثمار في القوات البحرية التابعة لحلف الناتو. وأوضح مثالًا على ذلك هو المملكة المتحدة، فبعد أن استغرقت ثلاثة أسابيع لنشر مدمرتها “إتش إم إس دراغون” باتجاه البحر الأبيض المتوسط، أُعيدت السفينة إلى الميناء بسبب عطلٍ فني. هذا ليس مفاجئًا. فقد أقر قائد القوات البحرية البريطانية، الجنرال غوين جينكينز، الشهر الماضي بأن البحرية الملكية غير مستعدة للحرب، مشيرًا إلى أن حلفاء آخرين متأخرون كذلك. وكان رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، قد صرّح سابقًا بأن أقل من نصف أسطول بلاده جاهز للعمليات.
“منذ عام 2022، ركزنا بشكلٍ أكبر على القوات البرية، والآن فجأةً نلاحظ أن جاهزية الأسطول في جميع أنحاء الناتو ضعيفةٌ للغاية”، هذا ما قاله إد أرنولد، وهو مسؤول سابق في الناتو. يوضح سيدهارث كوشال، خبير الأمن البحري في معهد RUSI، إن القوات البحرية ستكون ضروريةً في أي صراعٍ مع موسكو لمطاردة الغواصات بالقرب من شبه جزيرة كولا الشمالية الروسية وتحييد السفن المجهزة بصواريخ كاليبر بعيدة المدى.
رابعًا، استمرار الانقسام
كما أدت الحرب إلى توسيع الهوة داخل حلف الناتو، حيث تجاهلت أوروبا مطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالدعم العسكري، مما دفع واشنطن إلى وضع خياراتٍ للرد. أثار ذلك مخاوف جديدة داخل الحلف، بحسب ما أفاد به دبلوماسيان من الناتو. في غضون ذلك، واصل ترامب انتقاده للناتو، واصفًا إياه مرارًا بأنه “نمرٌ من ورق”. وأضاف أرنولد أن الخطر بعد إيران هو أن “الرئيس يمكن أن يقول لن نتدخل هذه المرة”، أو يلتزم فقط بنشرٍ محدودٍ إذا غزت موسكو. ردًا على ذلك، يجب على العواصم الأوروبية أن تتبنى نفس “النهج التبادلي” الذي اتبعه ترامب، كما صرّح أندرس فوغ راسموسن، الأمين العام السابق لحلف الناتو. ينبغي عليها أن تربط بوضوحٍ دعمها لإعادة فتح مضيق هرمز بالتزام واشنطن تجاه حلف الناتو.
خامسًا، ردع الطائرات بدون طيار
بعد أيامٍ من بدء الحرب في إيران، أرسلت أوكرانيا خبراءها في مجال الطائرات المسيّرة، ذوي الخبرة الواسعة في استخدام طائراتٍ اعتراضيةٍ محلية الصنع لإسقاط طائرات “شاهد” الإيرانية التي تستخدمها روسيا، لمساعدة دول في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وفي نهاية المطاف، وقّعت كييف شراكات دفاعية طويلة الأمد مع دول الخليج. قام حلف شمال الأطلسي بتوسيع علاقاته المؤسسية مع أوكرانيا بسرعة، بدءًا من مركز تدريبٍ وبحوث مشترك في بولندا وصولًا إلى زيارات عسكرية إلى كييف وبرنامج صناعي جديد للحصول على تكنولوجيا مبتكرةٍ من البلاد. يقول برونك إن على التحالف الآن العمل على إنشاء “حزام” من الأصول المضادة للطائرات بدون طيار بالقرب من حدود روسيا كخط دفاعٍ أول. وقال دبلوماسيون من حلف شمال الأطلسي إنه يمكن بذل المزيد من الجهود لتعزيز علاقاتها الصناعية مع أوكرانيا، بما في ذلك زيادة التمويل للمبادرات المشتركة. قال دبلوماسي ثالث في حلف الناتو: “تؤدي أوكرانيا دورًا أمنيًا”. وقد أثبتت الحرب في إيران ذلك.
النتائج
تكشف المعطيات أن حلف الناتو يتجه نحو مرحلة إعادة تقييمٍ شاملة لعقيدته العسكرية، مدفوعًا بدروس قاسية من الحرب في إيران وأوكرانيا. من غير المرجح أن يظل الحلف على نمطه الحالي، بل سيضطر إلى التحول نحو نموذجٍ أكثر مرونةً واعتمادًا على التكنولوجيا منخفضة التكلفة ومرتفعة الكفاءة.
أولًا، سيصبح ملف الذخائر أولويةً قصوى، مع توجه متزايد نحو الإنتاج الكمي السريع بدلًا من الاعتماد على أنظمة باهظة محدودة العدد. وهذا قد يدفع الدول الأوروبية إلى توطين صناعاتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، خاصةً في ظل احتمالات تحول الاهتمام الأمريكي نحو آسيا.
ثانيًا، ستتغير عقيدة التفوق الجوي، حيث لم يعد القصف الجوي وحده كافيًا لحسم الحروب. من المتوقع أن يستثمر الحلف أكثر في أنظمة غير مأهولة، وحرب إلكترونية، وقدرات سيبرانية قادرة على شل البنية التحتية للخصم بدلًا من تدميرها فقط.
ثالثًا، سيُعاد إحياء الدور البحري بعد سنواتٍ من الإهمال، خصوصًا مع تزايد أهمية حماية خطوط الإمداد ومواجهة الغواصات الروسية. وقد نشهد برامج تسليح بحرية مشتركة داخل أوروبا لتعويض فجوة الجاهزية.
رابعًا، يمثل الانقسام السياسي الخطر الأكبر على تماسك الحلف. إذا استمرت الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، فقد يتجه الناتو نحو صيغة هجينة، حيث تتحمل أوروبا عبئًا دفاعيًا أكبر مع بقاء المظلة الأمريكية بشكل انتقائي.
ستتعزز مكانة أوكرانيا كشريكٍ أمنيٍ محوري، ليس فقط كميدان مواجهة، بل كمصدر خبرةٍ قتالية وتكنولوجية. وقد يؤدي ذلك إلى دمجٍ تدريجيٍ لقدراتها داخل منظومة الناتو دون عضوية كاملة. المستقبل يشير إلى حلف أقل اعتمادًا على التفوق التقليدي، وأكثر تركيزًا على السرعة، والتكلفة، والتكامل بين القدرات العسكرية المختلفة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=117918
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
