بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (27)
حرب إيران ـ دور أوروبا: الدعم العسكري، أمن الخليج، وحماية المصالح الاستراتيجية
تشكل الحرب الدائرة بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين تحدياً استراتيجياً كبيراً لأوروبا، التي تجد نفسها معنية بشكل مباشر بتداعيات الصراع على أمن الطاقة، واستقرار أسواق التجارة العالمية، وأمن حلفائها في الشرق الأوسط. فمع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج والبحر الأحمر وتهديد طرق الملاحة، بدأت الدول الأوروبية في تعزيز حضورها السياسي والعسكري في المنطقة، سواء عبر دعم قدرات الدفاع الجوي لدول الخليج أو عبر زيادة الوجود البحري الأوروبي لحماية التجارة الدولية.
تؤكد المؤسسات الأوروبية أن أمن الخليج بات مرتبطاً بالأمن الأوروبي ذاته، إذ إن أي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية ينعكس مباشرة على الاقتصاد الأوروبي. وقد شدد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي على أن استقرار الخليج يمثل “ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي”، في إشارة إلى الترابط العميق بين أمن المنطقة ومصالح أوروبا الاستراتيجية.
المصالح الأوروبية في الشرق الأوسط
يُعد أمن الطاقة أحد أهم محددات السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على واردات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. فحوالي خُمس إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة هناك تهديداً مباشراً لاستقرار الأسواق الأوروبية. وقد أدى التصعيد العسكري في المنطقة إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية وتزايد المخاوف من اضطرابات في الإمدادات، الأمر الذي دفع الدول الأوروبية إلى تعزيز حضورها السياسي والعسكري في المنطقة لحماية هذه المصالح الحيوية.
كذلك أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز علاقاته مع دول الخليج المنتجة للطاقة مثل السعودية والإمارات وقطر. ومن هذا المنطلق، تسعى أوروبا إلى الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع توسع الصراع بما يهدد إمدادات النفط والغاز العالمية.حرب إيران: لماذا ترى أوروبا إن تأمين مضيق هرمز أمراً صعباً؟
مخاطر على طرق التجارة العالمية
بجانب الطاقة، تعتمد أوروبا بشكل كبير على طرق التجارة البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر والخليج العربي. وتشكل هذه الممرات البحرية شرياناً أساسياً للتجارة العالمية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة بين آسيا وأوروبا. وقد أدت الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر إلى زيادة القلق الأوروبي بشأن أمن الملاحة البحرية. لذلك أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية لحماية السفن التجارية في المنطقة، في محاولة لضمان استمرار حركة التجارة العالمية دون تعطيل. كما تدرس الدول الأوروبية توسيع هذه المهمة لتشمل مناطق أخرى مثل مضيق هرمز في حال استمرار التوترات العسكرية.
ترتبط المصالح الأوروبية أيضاً بالحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني في الشرق الأوسط، نظراً لأن أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى موجات جديدة من الهجرة غير النظامية أو انتشار التنظيمات المتطرفة. ويرى صناع القرار في أوروبا أن احتواء الصراع مع إيران ومنع توسعه إلى حرب إقليمية شاملة يمثل أولوية استراتيجية. وقد أكدت القيادة الأوروبية أن سياسات الاتحاد الخارجية يجب أن تكون “أكثر واقعية وتركيزاً على المصالح”، في ظل عالم يتسم بتزايد الصراعات وعدم الاستقرار.
التعاون العسكري الأوروبي مع دول الخليج
شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في التعاون العسكري بين أوروبا ودول الخليج، خاصة في مجال الدفاع الجوي والصاروخي. ويأتي هذا التعاون في إطار مواجهة التهديدات المتزايدة من الصواريخ والطائرات المسيرة التي تستخدمها إيران أو حلفاؤها في المنطقة. وأعلنت دول أوروبية استعدادها لدعم حلفائها في الخليج في مواجهة هذه التهديدات.
أكد وزير الخارجية الفرنسي أن بلاده مستعدة للمساعدة في الدفاع عن دول الشرق الأوسط في حال تعرضها لهجمات إيرانية، مشيراً إلى أن أي دعم عسكري سيتم وفق القانون الدولي وبالتنسيق مع الشركاء الإقليميين. ويشمل هذا التعاون تزويد بعض دول الخليج بأنظمة دفاع جوي متقدمة، إضافة إلى المشاركة في عمليات اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ التي قد تستهدف المنشآت الحيوية أو القواعد العسكرية في المنطقة.حرب إيران ـ إلى أي مدى تعمق الانقسام داخل أوروبا وبين ضفتي الأطلسي؟
التدريب العسكري والتعاون الدفاعي
يشمل التعاون العسكري بين أوروبا ودول الخليج أيضاً برامج التدريب المشترك وتبادل الخبرات العسكرية. فقد وقعت عدة دول أوروبية اتفاقيات دفاعية مع دول الخليج تشمل التدريب العسكري، وإجراء المناورات المشتركة، وتطوير القدرات العسكرية المحلية. وتلعب فرنسا وبريطانيا دوراً محورياً في هذا المجال، حيث تمتلك كل منهما قواعد عسكرية في المنطقة، مثل القاعدة الفرنسية في الإمارات والقواعد البريطانية في قطر وقبرص. وتتيح هذه القواعد تعزيز التعاون الدفاعي مع دول الخليج والمشاركة في عمليات الأمن الإقليمي.
يشكل تبادل المعلومات الاستخباراتية أحد أهم جوانب التعاون الأمني بين أوروبا ودول الخليج. فمع تصاعد التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية، أصبح التعاون الاستخباراتي ضرورياً لتعزيز القدرة على مواجهة هذه التحديات. يعمل الاتحاد الأوروبي ودول الخليج على تطوير آليات مشتركة لتبادل المعلومات حول التهديدات الأمنية، بما في ذلك الإرهاب والتهديدات البحرية والهجمات السيبرانية. كما يشمل هذا التعاون مراقبة التحركات العسكرية في المنطقة وتحليل المخاطر الأمنية المحتملة.
مبادرات فرنسا لتعزيز القدرات الدفاعية للحلفاء
تعد فرنسا من أبرز الدول الأوروبية التي تسعى إلى تعزيز دورها العسكري في الشرق الأوسط. فقد اتخذت باريس عدة مبادرات لدعم القدرات الدفاعية لحلفائها في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع إيران. وشملت هذه المبادرات نشر أنظمة دفاع جوي وسفن حربية في شرق المتوسط والبحر الأحمر، إضافة إلى إرسال حاملة الطائرات الفرنسية لتعزيز الوجود العسكري في المنطقة. وتهدف هذه التحركات إلى حماية الحلفاء الأوروبيين وضمان أمن الملاحة البحرية.
ترتبط فرنسا بعلاقات دفاعية وثيقة مع عدد من دول الخليج، حيث تمتلك قواعد عسكرية وقوات منتشرة في عدة دول بالمنطقة. كما تشارك الطائرات الفرنسية في عمليات اعتراض الطائرات المسيرة التي قد تهدد أمن هذه الدول. وقد شاركت طائرات مقاتلة فرنسية بالفعل في اعتراض طائرات مسيرة استهدفت بعض دول الخليج، في إطار التعاون الدفاعي بين فرنسا وشركائها الإقليميين. ويعكس هذا التعاون الدور المتزايد الذي تسعى فرنسا إلى لعبه كقوة أمنية فاعلة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تراجع نسبي للانخراط العسكري الأمريكي في بعض الملفات الإقليمية.
أهمية الصناعات الدفاعية الأوروبية
يمثل التعاون الدفاعي مع دول الخليج أيضاً فرصة لتعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، التي تسعى إلى توسيع صادراتها العسكرية. وتعد دول الخليج من أهم الأسواق العالمية للسلاح الأوروبي، حيث تستورد أنظمة دفاع جوي وطائرات مقاتلة وسفن حربية من شركات أوروبية. ويعزز هذا التعاون من قدرة أوروبا على تطوير صناعاتها الدفاعية، كما يسهم في تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين أوروبا ودول الخليج.
حماية المصالح الأوروبية في المنطقة
تُعد حماية طرق الملاحة البحرية إحدى الأولويات الرئيسية للسياسة الأوروبية في الشرق الأوسط. وقد أطلق الاتحاد الأوروبي عدة مهام بحرية تهدف إلى حماية السفن التجارية في البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية. وتأتي هذه العمليات في إطار الجهود الأوروبية لضمان حرية الملاحة الدولية ومنع الهجمات على السفن التجارية، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة. تملك الشركات الأوروبية استثمارات كبيرة في دول الخليج، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الدفاعية. ولذلك تسعى الدول الأوروبية إلى حماية هذه الاستثمارات من أي تهديدات أمنية محتملة. كذلك استقرار المنطقة يعد عاملاً أساسياً لاستمرار التعاون الاقتصادي بين أوروبا ودول الخليج، الذي يشمل التجارة والاستثمارات المشتركة.
بعد تصاعد التوترات العسكرية، بدأت الدول الأوروبية في تعزيز وجودها العسكري البحري في الشرق الأوسط. وقد أرسلت عدة دول أوروبية سفناً حربية للمشاركة في العمليات البحرية الهادفة إلى حماية الملاحة الدولية. وتبحث الدول الأوروبية إمكانية توسيع هذه العمليات لتشمل مناطق أخرى مثل مضيق هرمز، في حال استمرار التهديدات للملاحة البحرية.حرب إيران ـ ما موقف الأحزاب الألمانية من المشاركة العسكرية في حماية الملاحة بمضيق هرمز؟
حدود الدور الأوروبي
رغم تنامي الاهتمام الأوروبي بالشرق الأوسط، فإن الدور الأوروبي يواجه قيوداً سياسية داخلية. إذ تختلف مواقف الدول الأوروبية بشأن مدى الانخراط العسكري في الصراعات الإقليمية، ما يؤدي أحياناً إلى بطء اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي. وأي قرار أوروبي بشأن العمليات العسكرية الخارجية يتطلب توافقاً بين الدول الأعضاء، وهو أمر قد يكون صعباً في بعض الحالات. فضلًا عن ذلك، لا تزال القدرات العسكرية الأوروبية أقل من نظيرتها الأمريكية، خاصة في مجالات مثل القوة الجوية الاستراتيجية والقدرات اللوجستية. ولذلك تعتمد أوروبا في كثير من الأحيان على التعاون مع الولايات المتحدة في العمليات العسكرية الكبرى. تواجه أوروبا أيضاً تحديات جيوسياسية معقدة في الشرق الأوسط، حيث تتداخل مصالح القوى الدولية والإقليمية. ويجعل هذا الواقع من الصعب على أوروبا لعب دور مستقل بالكامل في إدارة الأزمات الإقليمية.
تقييم وقراءة مستقبلية
– تشير التطورات الحالية إلى أن الدور الأوروبي في الشرق الأوسط مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة، خاصة في مجالات الأمن البحري والدفاع الجوي والتعاون العسكري مع دول الخليج. فالتصعيد العسكري في المنطقة أظهر بوضوح مدى ارتباط الأمن الأوروبي باستقرار الشرق الأوسط، ما يدفع الدول الأوروبية إلى تبني سياسة أكثر انخراطاً في القضايا الإقليمية.
– ومن المرجح أن تستمر أوروبا في تعزيز حضورها العسكري البحري لحماية طرق التجارة الدولية، إضافة إلى تطوير شراكات أمنية مع دول الخليج في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات. كما قد تسعى بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، إلى لعب دور قيادي في هذا المجال من خلال تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.
– ومع ذلك، فإن مستقبل الدور الأوروبي سيظل مرتبطاً بعدة عوامل، أبرزها تطور الصراع مع إيران، وموقف الولايات المتحدة من الانخراط العسكري في المنطقة، إضافة إلى قدرة الاتحاد الأوروبي على توحيد مواقفه السياسية والعسكرية. وفي حال تمكنت أوروبا من تجاوز هذه التحديات، فقد تتحول إلى فاعل أمني أكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية في عالم يتسم بتزايد المنافسة الجيوسياسية.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=116312
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
The Iran war ‘is not NATO’s war:’ EU allies demand clarity from Trump after he asked for their help
Britain scrambles to shield Gulf allies as Iran war pounds on
How Gulf Defense Capabilities Are Preventing Further Escalation with Iran
Europe’s reaction to Trump’s war on Iran is a disaster – for Europe itself
