المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
حرب إيران ـ خيارات أوروبا بين التنسيق العسكري والتحالفات الإقليمية
كشفت حرب إيران، عن اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة، وتباعد الرؤى بشأن إدارة الأزمات والصراعات الدولية، خاصة وأنها جاءت في أعقاب توترات غير مسبوقة بين أعضاء حلف الناتو، بشأن الإنفاق الدفاعي وحرب أوكرانيا وأزمة غرينلاند، ورغم ذلك، ظل هناك تعاون استخباراتي وعسكري عبر الناتو. ولكن يبدو، أن أزمة مضيق هرمز ستغير طبيعة هذا التعاون وهذه العلاقة، في ضوء إصرار واشنطن على الحصار البحري للمضيق والموانئ الإيرانية، وتمسك أوروبا بقيادة مهمة دولية لحماية الملاحة، ورفضها لأي تصعيد عسكري في الممر المائي.
طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في الأزمات الأمنية
رغم أن قمة الناتو في يونيو 2025، أعادت التزام الحلف بالدفاع الجماعي وفقًا للمادة الخامسة للميثاق. ولأول مرة، اتفق الأعضاء على هدف إنفاق (5%) من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا على الدفاع بحلول 2035، إلا أن الولايات المتحدة انتقدت أوروبا في تعاملها مع الإنفاق العسكري، حتى أشارت وثيقة الأمن القومي الأمريكي في ديسمبر 2025، إلى تخلي واشنطن عن أوروبا في الأمور الدفاعية والأمنية.
ظهر تباين الرؤى بين الجانبين الأمريكي والأوروبي تدريجيًا ، ومارست واشنطن ضغوطًا على أوكرانيا للقبول بشروط روسيا، بينما رفضت أوروبا هذه الشروط، واعتبرتها مهددة للأمن القومي الأوروبي. على الصعيد الإقليمي، اختلف موقفا أوروبا وواشنطن في حرب غزة، وحمل المسؤولون الأوروبيون، إسرائيل تداعيات استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، بينما قدمت واشنطن الدعم السياسي والعسكري لتل أبيب، قبل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
تشير العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة في أزمة مضيق هرمز، التي تأججت جراء حرب إيران، إلى شراكة أمنية متقاربة، ولكنها غير متطابقة في آليات التعامل مع الأزمة، على عكس عملية “حارس الازدهار”، التي أعلنتها الولايات المتحدة في ديسمبر 2023، وضمت أكثر من (20) دولة لحماية البحر الأحمر من هجمات الحوثيين.
تتجه واشنطن إلى سياسة الضغط الأقصى والأدوات العسكرية والعقوبات ضد إيران، وفي 15 مارس 2026، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، (7) دول للانضمام إلى تحالف عسكري لتأمين الملاحة بمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن هذه الدول هي المستفيد الأكبر من النفط الذي يمر عبر المضيق. بينما تحفظت بريطانيا وألمانيا وفرنسا على الدخول إلى الحرب، وأن يتحول الناتو لأداة اشتباك لفتح المضيق أو مع إيران. عقب الجولة الأولى من المباحثات بين طهران وواشنطن، أعلنت الأخيرة في 13 أبريل 2026، فرض حصارًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، ردًا على عدم إعادة فتح المضيق. في المقابل حذر مفوض الطاقة بالاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، من أن أوروبا ستواجه نقصًا للوقود. واتفق الاتحاد الأوروبي في 20 أبريل 2026، على توسيع العقوبات لتشمل المسؤولين الإيرانيين المتورطين في انتهاك حرية الملاحة.
تتفق الولايات المتحدة وأوروبا، على أن المضيق ممر حيوي للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، ولكن تختلف أوروبا مع سياسة التصعيد التي تنتهجها واشنطن، لتخوفها من أن استمرار الأزمة قد يفضي إلى أزمة طاقة عالمية، لذا طالب الاتحاد الأوروبي بحرية المرور الآمن بمضيق هرمز، وتعزيز جهود الشركاء الإقليميين في هذه المهمة. أكدت أوروبا في بيانات رسمية في 8 و9 أبريل 2026، أن الحل يجب أن يكون عبر المسار الدبلوماسي، ودعت إلى اتفاق تفاوضي سريع ودائم.
يعكس الموقف الأوروبي رؤيته حول الأزمة من زاوية إدارة التصعيد، أكثر من الرد العسكري المباشر. بينما تميل الولايات المتحدة إلى المقاربة الصلبة، إذ تصف الوثائق الصادرة عن البيت الأبيض في 2026، الاستجابة الأمريكية لهذه الأزمة بـ “الحملة العسكرية” ضد إيران، وتربطها بمنع التهديد للملاحة في الخليج وتأمين المرور بالمضيق، مؤكدة على أن العقوبات، والحصار والإجراءات العقابية ضد من يتعامل مع إيران أدوات مركزية.
ما احتمالات انضمام أوروبا لجهود يقودها ترامب؟
مارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطه على أوروبا، بشأن الانضمام إلى عملية عسكرية في مضيق هرمز، بينما أوضحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، في 2 أبريل 2026، أن أزمة المضيق تمثل تهديدًا للأمن العالمي، مؤكدة أن المجتمع الدولي عازم على تأمين حرية الملاحة وإعادة فتح المضيق. وفي بيان مشترك أكدت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، على أنهم في اتصال وثيق مع واشنطن، وأن حكوماتهم ستسهم في حماية الملاحة، وأن الحل سيكون دبلوماسيًا، وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن نحو (15) دولة تعمل تحت قيادة فرنسا، على مهمة دفاعية بحتة، لتسهيل استئناف حركة المرور، عقب وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن.
يقول مارك لاندلر، رئيس مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” في باريس، إن “انتقاد دونالد ترامب لأوروبا، لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوح، وضعهم في مأزق مزدوج، نظرًا لأن إغلاق إيران للممر المائي الاستراتيجي، أدى إلى أزمة طاقة حادة بأوروبا، ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز، تصاعد غضب الناخبين بأوروبا، ليضغط على حكومات أوروبا لاتخاذ إجراءات أكثر حزمًا لإعادة فتح الممر الملاحي”. يوضح لاندلر، أن الموقف السياسي الأوروبي ضد حرب إيران، يزيد من مخاطر مشاركة أوروبا فيها، وينتقد العديد من الأوروبيين، وتحديدًا اليسار الحرب، واصفين إياها بـ “غير المبررة” و”غير القانونية”. في إيطاليا خسرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في 23 مارس 2026. استفتاء لإصلاح النظام القضائي، وفي 28 مارس 2026، حقق حزب “فرنسا غير المنحنية”، وهو حزب يساري يعارض التدخل في الشرق الأوسط، مكاسب في انتخابات رئاسة البلديات بفرنسا.
رغم وجود أسباب وجيهة تدفع أوروبا للمشاركة في عملية عسكرية بالمضيق، مثل زيادة أسعار الطاقة، فإن “مارك لاندلر” يرى أن ترامب لم يكسب حلفائه، ولم يبلغهم بقرار الحرب على إيران، وجاء هذا التطور بعد فترة عصيبة صعد ترامب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتراجع في دعمه لأوكرانيا، وهمش دور أوروبا في المباحثات بين روسيا وأوكرانيا.
تتجه التوقعات إلى أن مشاركة أوروبا بالمضيق، يمكن أن تتم عبر نشر كاسحات الألغام أو سفن حربية لمراقبة ناقلات النفط، وربما تكون هذه الخطوة غير كافية لواشنطن، خاصة وأنها ترى أن الانضمام لعملية عسكرية بالمضيق أهم. يقول الجنرال الفرنسي ميشيل ياكوفليف، “قلل ترامب من قيمة المساهمة العسكرية لأوروبا، وهذا يعد أمرًا سياسيًا، وكان القادة الأوروبيون محقين في عدم منح ترامب غطاءً سياسيًا، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو خطة الخروج من الحرب”. يوضح ياكوفليف، أن أوروبا يمكن أن تلعب دورًا دبلوماسيًا أكثر جدوى لإنهاء الصراع مع إيران، ولكنها مقيدة بثلاثة عوامل، عدم ثقة ترامب فيهم، بعد رفض الانضمام للحرب، والمخاوف من أن استعداء ترامب قد يدفعه لمعاقبة أوكرانيا، وشكوك إيران تجاه أوروبا، لترددها في المواجهة بشكل أكثر انفتاحًا.
تعهد القادة الأوروبيون في 17 أبريل 2026، بتسريع الجهود متعددة الجنسيات، لتأمين مضيق هرمز، بعد أن قالت إيران أنها ستعيد فتح المضيق، حتى لو لم يرغب ترامب في مساعدتهم، وأعلن قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، قيادة مهمة دفاعية لضمان حرية الملاحة. وبدأت أكثر من (30) دولة محادثات في لندن، بداية من 22 أبريل 2026، للمضي قدمًا في مهمة فتح المضيق. هل إنفرط عقد الناتو ، عقب رفض طلب ترامب بالمشاركة في فتح مضيق هرمز ؟
حدود الدعم اللوجستي مقابل الانخراط العسكري المباشر
ركزت أوروبا على الجانب اللوجستي لتأمين المرور في مضيق هرمز، وفي 14 أبريل 2026، أعلنت دول أوروبا عن السعي لوضع خطة، لتشكيل تحالف واسع النطاق، من الدول المساعدة في تسهيل الملاحة بالمضيق. ولكن لن تنفذ هذه الخطة إلا بعد انتهاء الحرب، ومن المرجح ألا تضم الولايات المتحدة. أكدت فرنسا على أن الخطة دفاعية بالأساس، لا تشمل الأطراف المتحاربة، ولن تكون تحت القيادة المركزية. من المتوقع أن تشارك ألمانيا في الخطة، بعد أن كانت مترددة في المشاركة في أي مهمة عسكرية، ويعد وجود ألمانيا إضافة للمهمة، لامتلاكها قوة مالية أكبر من فرنسا وبريطانيا، بجانب الأصول العسكرية الرئيسية اللازمة لهذه المهمة.
تتضمن المهمة أهداف: توفير الدعم اللوجستي لضمان مغادرة مئات السفن العالقة بالمضيق، وتوفير مرافقة عسكرية منتظمة ومراقبة مستمرة، عبر الفرقاطات والمدمرات، لمنح شركات الشحن الثقة أثناء المرور. وتنفيذ عملية واسعة النطاق لإزالة الألغام، لتمهيد الطريق أمام عدد كبير من السفن لاستخدام جزء أوسع من المضيق، لاسيما وأن إيران زرعت ألغام بالمضيق، وإزالتها يعد أمرًا بالغ الأهمية. تتفوق أوروبا على واشنطن في مجال إزالة الألغام، لامتلاكها أسطول من كاسحات الألغام يزيد عن (150) سفينة. سيتم تصميم المهمة على غرار عملية “أسبيدس” التابعة للقوة البحرية للاتحاد الأوروبي، والتي انطلقت في فبراير 2024، لتوفير مرافقة بحرية للشحن التجاري، عبر البحر الأحمر والحماية من هجمات الحوثيين. يقول مجتبى رحمن، رئيس قسم أوروبا في شركة “يوراسيا جروب” لتحليل المخاطر، “سيكون من الضروري في مرحلة ما، وجود، نظام مرافقة أو قافلة لحماية السفن”.
استبعدت أوروبا إرسال سفن حربية لمضيق هرمز، رغم تهديدات دونالد ترامب، بشأن الانسحاب من حلف الناتو، وأن يواجه مستقبلًا سيئًا، إذا فشل الأعضاء في المساعدة على إعادة فتح الممر المائي. قال المستشار الألماني فريدرش ميرتس، “لم يكن هناك قرار مشترك بشأن التدخل من عدمه، لذا فإن مسألة مساهمة ألمانيا عسكريًا غير واردة”. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، إن “هذه ليست حربنا، ما الذي يتوقعه ترامب من الفرقاطات الأوروبية بمضيق هرمز، وما الذي لا تستطيع البحرية الأمريكية التعامل معه بمفردها؟”. بالمثل أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أن بلاده لن تُجر لحرب واسعة النطاق، ولكن يجب إعادة فتح المضيق. شدد وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، على أن الدبلوماسية يجب أن تسود، وأن بلاده لن تشارك في أي مهام بحرية يمكن توسيع نطاقها.
سيناريو تحالف أوروبي – خليجي لحماية الملاحة
تتجه تصريحات الجانبين الأوروبي والخليجي، إلى إمكانية التعاون في حماية الملاحة بمضيق هرمز، ولكن يظل هذا التعاون في إطار ائتلاف دفاعي مرن وليس تحالف عسكري رسمي. وفي 19 مارس 2026، قال المجلس الأوروبي إن الدول الأعضاء تعزز التنسيق مع الشركاء في المنطقة، لضمان حرية الملاحة بالمضيق عندما تسمح الظروف.
عقدت دول أوروبية في أبريل 2026، عدة اجتماعات بمشاركة شركاء إقليميين، لمناقشة سبل إعادة فتح المضيق. ودعا الاتحاد الأوروبي، في 9 أبريل 2026، إلى المرور الحر والآمن بالمضيق، مؤكدًا على مساهمته في الجهود الدبلوماسية بالتنسيق مع الشركاء. فيما قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، في 13 أبريل 2026، إن الوضع في هرمز حجة لصالح ائتلاف بحري دولي قوي. وفي 17 أبريل 2026، أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وجود أكثر من (10) دول مستعدة للالتحاق بمهمة دفاعية، وقالت وزير الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، في 18 أبريل 2026، إنه أكثر من (50) دولة تؤيد حرية الملاحة ومستعدة لتقديم مساعدة بحرية بعد التصعيد.
على الجانب الآخر، رحبت الإمارات في 19 مارس 2026، بقرار المنظمة البحرية الدولية، مؤكدة تحمل المجتمع الدولي مسؤولية ضمان حرية الملاحة. وأصدرت الإمارات والبحرين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا ودول أخرى، في 21 مارس 2026، بيانًا مشتركًا، أدان الهجمات على السفن بالمضيق. شاركت السعودية في اجتماع وزاري برئاسة بريطانيا، في 2 أبريل 2026، حول تنسيق إعادة فتح المضيق، مؤكدة على أن الوضع يستدعي عملًا جماعيًا. قدمت البحرين نيابة عن الإمارات والكويت والسعودية، وقطر والأردن، في 8 أبريل 2026، مقترحًا لمجلس الأمن، لحماية الملاحة بمضيق هرمز، ما يؤكد على تنسيق خليجي جماعي، يمكن أن يتقاطع مع التنسيق الأوروبي بشأن الوضع بالممر المائي.
مصالح دول الخليج في تأمين مضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز أهمية استراتيجية لدول الخليج، كونه ممرًا لتصدير النفط والغاز من الخليج، ولاستيراد الغذاء والسلع الأساسية التي تعتمد عليها دول الخليج، ما يجعل آمنًا بحريًا واقتصاديًا وغذائيًا. يربط المضيق بين الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب، ما يسهل تصدير الطاقة بشكل أسرع وأوسع نطاقًا للأسواق العالمية، حيث عبر نحو (20) مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته في 2025 بالمضيق، وعبر نحو (19%) من تجارة الغاز الطبيعي العالمية، وتمر (93%) من صادرات قطر، و(96%) من صادرات الإمارات عبر مضيق هرمز.
تستورد دول الخليج أكثر من (75%) من الغذاء من خلال المضيق، الذي يعد شريانًا حيويًا لنقل الحبوب والأغذية المبردة والسلع الأساسية للموانئ الخليجية. يفتح المضيق الأسواق الآسيوية الكبرى لدول الخليج، نظرًا لأنها الوجهة الأساسية لأغلب صادرات الغاز والنفط، ما يعني أن الاستقرار في هرمز، يساوي استقرارًا في إيرادات الخليج من الطاقة، ويحافظ على الأسعار داخل الخليج، لأن أي تهديد للمضيق، يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤخر الواردات. مضيق هرمز بين الردع والتصعيد، مستقبل أمن الممرات البحرية في ظل التوترات الإقليمية
التوازن بين الاستقلالية الأوروبية والالتزامات الأطلسية
تسعى أوروبا إلى تحقيق التوازن في أزمة مضيق هرمز، لاسيما وأنها ترفض الانضمام للحرب أو لأي عملية عسكري لفتح المضيق، في ضوء انتقادات دونالد ترامب لسياسات أوروبا. تواصل أوروبا بقيادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، عقد اجتماعات مشتركة مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لإنشاء مهمة سلمية لاستعادة حرية وأمن الملاحة بالمضيق، بالتوازي مع خطوة فرض العقوبات على إيران، كوسيلة للضغط في إطار محدود، دون إثارة أي صراع عسكري أوسع. في الوقت نفسه، دعت أوروبا إلى إصلاح المؤسسات الدولية، نظرًا لإساءة بعض الدول لاستخدام حق الفيتو بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. تراعي أوروبا السير في اتجاه الاستقلالية الدفاعية، مع الحفاظ على تماسك حلف الناتو، والتأكيد على التزامها الدفاعي وميثاق الحلف، حتى لا تمنح واشنطن فرصة لتوسيع الفجوات داخل الحلف.
ترى صوفيا بيش، زميلة أولى في برنامج أوروبا بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، رغم دخول واشنطن حرب إيران، دون استشارة أوروبا، سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التنصل من المسؤولية، واتهام حلفائه بالتقاعس لرفضهم تقديم الدعم، موضحة أن أوروبا لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي، فالحرب تعيد تشكيل واقعها الأمني والاقتصادي، ويستند رد أوروبا على الدروس التي استخلصتها من أزمة غرينلاند، وهي أن الضغط والموقف الموحد كفيلان لتغيير حسابات واشنطن. تشير صوفيا بيش، إلى ضرورة أن تتحدى أوروبا منطق حملة “ضربات متواصلة كفيلة لردع إيران”، فهي استراتيجية مبنية على التصعيد المستمر، وستورط أوروبا في حرب لم تختارها، ذات نتائج غير مؤكدة وتداعيات خطيرة، مشددة على أهمية تحديد الخطوط الحمراء وتنسيق الضغط، مع مقاومة الانحياز إلى عمل عسكري تقوده واشنطن لا يسيطرون عليه، خاصة وأن جمهورها لا يقتصر على ترامب، بل يشمل المجتمع الدولي، والناخبين الأوروبيين، ومؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية الأوسع.
انعكاسات هذه الخيارات على الأمن الإقليمي والدولي
أدى الصراع الحالي بين واشنطن وطهران، إلى أن يحول الحرس الثوري الإيراني قدراته البحرية والصاروخية إلى مضيق هرمز، والتهديد بالسيطرة عليه، ما فرض مسارًا ملاحيًا جديدًا وفقًا لرؤية إيران. أعادت طهران توجيه صادراتها عبر الخليج الشرقي، وطبق الحرس الثوري الإيراني رسومًا على عبور المضيق، بنحو مليوني دولار من كل ناقة عابرة. في المقابل، أعلنت واشنطن الحصار على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، مستهدفة عددًا من القطع البحرية التابعة لإيران أو مرتبطة بموانئها، مثل سفينة “توسكا” وفرقاطة “سليماني”. نشرت واشنطن، أسطول من بوارج الحرب مثل حاملات الطائرات ومدمرات، و(10) آلاف جندي من مشاه بحريين وبحارة ولواء بحري، لمراقبة المضيق وتطبيق الحصار. أما من جانب بريطانيا، التي تمتلك فرقاطة وصواريخ بحرية، اتخذت موقف المراقبة والدعم لقوات التحالف الدولي.
تؤثر الاضطرابات في مضيق هرمز، على الاقتصاد العالمي، بارتفاع أسعار النفط وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتشير التقديرات إلى أن تكلفة تأمين ناقلة نفط قيمتها (100) مليون دولار، قد وصلت لنحو (5) ملايين دولار، أي (5) أضعاف المعدلات العادية قبل الحرب. تعرضت أكثر من (20) سفينة لحوادث أمنية منذ أوائل مارس 2026 بالمنطقة، وتصاعدت التوقعات بشأن ارتفاع أقساط التأمين على الناقلات العابرة للمنطقة. تتجه توقعات وكالة الطاقة الأمريكية، إلى أن يستمر سعر خام برنت فوق (90) دولارًا للبرميل بمعدل سنوي. أمن دولي ـ كيف يمكن لإيران إغلاق مضيق هرمز؟
تقييم وقراءة مستقبلية
– بالرغم من تدهور العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة، بعد حرب إيران وأزمة مضيق هرمز، وما خلفته من تداعيات أمنية واقتصادية قاسية على المشهد العالمي، إلا أن أوروبا استطاعت انتزاع مكاسب استراتيجية، أولًا: لأول مرة يصبح القرار الأوروبي مستقلًا عن القرار الأمريكي بشكل واضح، بشأن رفض الانضمام لعملية عسكرية في مضيق هرمز، في الوقت الذي يشكل فيه المضيق أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة لأوروبا وشركاءها بالمنطقة، ثانيًا: أعادت أوروبا تموضعها على الساحة الدولية، كقوة دولية فاعلة محايدة تمثل ثقلًا سياسيًا وأمنيًا، ولديها قدرة على التفاوض والوساطة بشكل أفضل بين الأطراف المتحاربة، ثالثًا: ترميم العلاقات بين الحكومات الأوروبية ومواطنيها، حيث جاءت التوجهات السياسية الرسمية متناغمة مع الرفض الشعبي، للانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة بالمنطقة.
– تمثل أزمة مضيق هرمز وحرب إيران اختبارًا لقدرات أوروبا العسكرية، أمام ضغوط الولايات المتحدة، حيث رفضت عدد من دول أوروبا فتح مجالها الجوي أمام العمليات العسكرية الأمريكية، وتبنت أوروبا موقفًا موحدًا، بشأن عدم الانضمام لعملية عسكرية بالمضيق، ومن المتوقع أن الخطة الدفاعية المقدمة من أوروبا، لحماية الملاحة والمرور بمضيق هرمز، قد تصبح ضمن الخيارات التي يلجأ لها مجلس الأمن، لضمان حركة العبور بالمضيق، في حال التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران، أو جمود الصراع بينهما، في ظل تدهور الاقتصاد العالمي. وتعد هذه الأزمة كاشفة، لحجم النفوذ الأوروبي لدى الولايات المتحدة، ونظرة الإدارة الأمريكية للحلفاء، ما قد يدفع أوروبا لتسريع خطوات الاستقلال الدفاعي والأمني، واتخاذ خطوات أكثر صرامة مع واشنطن داخل الناتو.
– إن إدراك أوروبا لرغبة إدارة دونالد ترامب، بشأن الانسحاب من الناتو في إطار الضغط عليها في ملفات متعددة، وتحول العلاقة بينهما من المصالح المشتركة والتحالف، إلى المصالح المتضاربة والتوترات، قد يدفعها إلى ترتيب أولويات حلف الناتو، وتوحيد المواقف بداخله أمام الموقف الأمريكي، لاسيما وأن واشنطن باتت بمعزل عن باقي الدول الأعضاء، في القرارات والمواقف، ولتخوفهم من تبعات التصعيد العسكري في مضيق هرمز، على أمن الحلف وقدراته العسكرية، في ظل حرب أوكرانيا والتهديدات الروسية.
– من المرجح أن تستغل أوروبا تفوقها في مجال إزالة الألغام، كوسيلة داعمة لمقترحها بشأن تأسيس مهمة دفاعية لتأمين المضيق، خاصة وأن هذه العملية مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، في ضوء الغموض حول مسار الجولة الثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، ومع ذلك، يظل موقف واشنطن من أوروبا، عائقًا أمام دخول أوروبا على خط الأزمة، عبر بوابة الدبلوماسية والتهدئة، ولكن تصاعد الضغوط الاقتصادية مع استمرار إغلاق المضيق، ربما قد يدفع الوسطاء الحاليين إلى إقناع واشنطن، بأهمية دور أوروبا لتأمين الملاحة وتولي مهمة إزالة الألغام من مضيق هرمز، لإعادة فتحه أمام الملاحة بصورة آمنة.
– من المتوقع أن تتوصل أوروبا خلال الفترة المقبلة، إلى اتفاق حول تأسيس عملية دفاعية تتضمن عدد كبير من دول أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، للضغط على طهران وواشنطن، لإنهاء الحصار المفروض على المضيق. وقد لجأت أوروبا إلى توسيع نطاق الدعوة، وضم دول من خارج القارة، لإرسال رسالة واضحة لدونالد ترامب، بأنه أخطأ عندما أعلن رفضه مساعدة الحلفاء، ولكن يتوقف هذا السيناريو المحتمل، على إمكانية التوصل لاتفاق مستدام بين طرفي الأزمة، ما يعني أن أوروبا قد تفتح قنوات تواصل مباشرة مع الوسطاء مثل باكستان وتركيا ومصر، للدفع نحو جولة مباحثات جديدة، والتوصل لصيغة تفاهم بين طهران وواشنطن.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117572
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
European countries reject Trump’s call for help to reopen strait of Hormuz
Europe Cannot Sit Out the Iran War
Europe Drafts Postwar Plan to Free Up Hormuz Without U.S.
Europe to accelerate effort to secure Hormuz despite Trump’s order to stay away
