المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ تقييم لجاهزية القواعد العسكرية الأوروبية ضد طهران
زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يستطيع ببساطة “الوصول جوا واستخدام” القواعد المشتركة في إسبانيا، ولدى مدريد تفسير مختلف تماما للاتفاقية، وكذلك لدى جهات أخرى. وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددا في الأول من ابريل 2026 بالانسحاب من حلف الناتو بعد أن جدد الشركاء الأوروبيون رفضهم لاستخدام واشنطن للقواعد المشتركة لتنفيذ عمليات في الشرق الأوسط. تمتلك واشنطن ثماني قواعد دائمة و11 موقعا عسكريا آخر يمكنها الوصول إليها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بالإضافة إلى 31 قاعدة دائمة و19 موقعا عسكريا آخر منتشرة في جميع أنحاء أوروبا. مع ذلك، لا تعد أي من هذه القواعد قواعد سيادية، ما يسمح للولايات المتحدة بالدخول والخروج منها متى شاءت، بل تخضع شروط استخدامها لاتفاقيات ثنائية تسمح عموما للولايات المتحدة باستخدامها لأغراض حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهذا يجعل واشنطن تعتمد على حلفائها للحصول على إذن إضافي.
مشاركة القواعد الإيطالية تتطلب موافقة البرلمان الإيطالي
إحدى القواعد التي يستهدفها ترامب هي القاعدة الإيطالية في سيغونيلا بجزيرة صقلية. ويعود سبب الغضب الأمريكي إلى حظر مزعوم على الطائرات العسكرية الأمريكية المتجهة إلى إيران. وأكدت إيطاليا أن بنود اتفاقها لم تتغير، لكن طبيعة هذه الرحلة الأمريكية المسلحة والمتجهة إلى الشرق الأوسط تتطلب موافقة البرلمان. غالبا ما يتذكر الإيطاليون القاعدة بسبب لحظة نادرة من السيادة ردا على الضغط الأمريكي، عندما رفضت البلاد مطالب الولايات المتحدة بتسليم الإرهابيين في الثمانينيات، مما أدى إلى مواجهة بين القوات الأمريكية والإيطالية في القاعدة. تتمركز القواعد الإيطالية الأقرب إلى إيران في جيبوتي، الدولة الواقعة في شرق أفريقيا، وفي الكويت، التي تطل على إيران عبر الخليج العربي. ويتمركز نحو 300 جندي إيطالي في الكويت، التي تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية في بداية الحرب.
رفض فرنسي لاستخدام القواعد العسكرية
كانت فرنسا عرضة لانتقادات دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد وصف الرئيس الأمريكي فرنسا بأنها “غير متعاونة على الإطلاق” بسبب ما زعمه من منعها الطائرات الأمريكية المتجهة إلى إسرائيل من عبور المجال الجوي الفرنسي. يتمركز نحو 900 فرد من المدنيين والعسكريين الفرنسيين في قاعدة بحرية وجوية تابعة لفرنسا في الإمارات العربية المتحدة. وكما هو الحال في إيطاليا، تمتلك فرنسا أيضا قاعدة في جيبوتي تضم نحو 1500 شخص.
حضور قوي في منطقة الشرق الأوسط للقواعد البريطانية
لطالما كان للمملكة المتحدة حضور قوي في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها. وقد جعلها هذا هدفا لانتقادا دونالد ترامب بشأن رفض لندن المبدئي السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في حرب إيران، فضلا عن الهجمات الإيرانية. للمملكة المتحدة وجود عسكري في البحرين والكويت وعمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كما تمتلك قاعدتين سياديتين في قبرص، إحداهما استهدفت بطائرة مسيرة إيرانية خلال مارس 2026. وقد لفتت القاعدة البريطانية في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي انتباه ترامب وإيران كذلك.
إسبانيا، ترفض الانجرار إلى الصراع عبر قواعدها العسكرية
لكن لم تتعرض أي دولة لتدقيق أمريكي مكثف لرفضها الانجرار إلى الصراع أكثر من إسبانيا، حيث تتشارك الولايات المتحدة قاعدتين مع القوات المحلية في الأندلس. وقد أثار موقف مدريد انتقادات ترامب، الذي ادعى في بداية الحرب أن الولايات المتحدة يمكنها “ببساطة التحليق واستخدام” هذه المنشآت كما تشاء. ومع ذلك، تم نقل الطائرات الأمريكية من هاتين القاعدتين تحسبا لمزيد من التعقيدات في استخدامهما. أكد مسؤولون إسبان في 31 مارس من العام 2026 إن “كلمة مشترك لها معان عديدة” وأن هذه الأسس تهدف إلى دعم التعاون العام بين البلدين.
النتائج
تشير الأحداث المتعلقة بالقواعد العسكرية الأمريكية المشتركة في أوروبا إلى أن المستقبل الاستراتيجي للوجود العسكري الأمريكي والأوروبي في منطقة الشرق الأوسط سيشهد تحولات كبيرة في الآليات القانونية والسياسية للتعاون الدفاعي.
التباين في تفسير الاتفاقيات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وخاصة إسبانيا، يوضح محدودية القدرة الأمريكية على استخدام هذه المنشآت بشكل تلقائي دون الرجوع إلى السلطات الوطنية، وهو ما قد يدفع إلى إعادة تقييم الشروط القانونية والسياسية لاستخدام القواعد المشتركة.
من المرجح أن يزداد تركيز الدول الأوروبية على حماية سيادتها في صنع القرار العسكري، بما في ذلك وضع ضوابط أكثر صرامة على التحركات الجوية والعمليات العسكرية العابرة للمجال الجوي الإقليمي.
سيضطر الحلفاء الأمريكيون إلى تطوير آليات أكثر وضوحا للتنسيق مع السلطات الوطنية لضمان توافق العمليات العسكرية مع القوانين المحلية والدولية، مما يعكس ضرورة تحقيق توازن بين الاحتياجات الاستراتيجية الأمريكية واحترام السيادة الأوروبية.
من المتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى تعزيز دور البرلمانات والمؤسسات التشريعية الأوروبية في مراقبة استخدام قواعدها العسكرية، بما يخلق بيئة من الشفافية والمساءلة حول التدخلات العسكرية الخارجية. كما ستبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للاتفاقيات الثنائية والثلاثية لضمان وضوح البنود المتعلقة بالاستخدام المشترك للقواعد، وتقليل احتمالات النزاع السياسي والدبلوماسي في المستقبل.
من المحتمل أن يشهد الحلف الأوروبي الأمريكي تعزيز آليات التخطيط المشترك والتدريب العسكري المتقاطع لضمان جاهزية العمليات في الشرق الأوسط دون الإضرار بالسيادة الوطنية، فضلا عن تطوير بروتوكولات لإدارة الأزمات والتدخل السريع.
من المترجح ان تصبح القضايا القانونية والسياسية المتعلقة بالقواعد العسكرية المشتركة محور نقاشات أكاديمية واستراتيجية واسعة، مع التركيز على إيجاد توازن بين القوة العسكرية الأمريكية وحماية مصالح الدول الأوروبية، بما يضمن استقرار الحلف وتماسكه في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116848
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
