المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران ـ تحولات العلاقات الأوروبية الأمريكية في ظل سياسات ترامب
صمدت العلاقات عبر الأطلسي بصعوبة خلال السنة الأولى لعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، على الرغم من انتقادات الرئيس الأمريكي الواضحة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي. لقد تجاوزت الخلافات حول أوكرانيا والتجارة وغرينلاند. والآن يبدو أنها تتفكك بسبب إيران، وهي حرب أمريكية اختيارية تعتبرها الغالبية العظمى من الأوروبيين متهورة وغير قانونية ولم يتم استشارتهم بشأنها. رفضت الحكومات الأوروبية منح الطائرات العسكرية الأمريكية حقوق التحليق فوق مضيق هرمز، وحقوق اتخاذ قواعد عسكرية، وحقوق الهبوط، أو إرسال قوات إلى الخليج في عملية عسكرية لإعادة فتح المضيق. وردا على ذلك، يهدد ترامب بسحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو). وصرح الرئيس الأمريكي: “الحلف مجرد نمر من ورق”.
ما مدى جدية هذه التهديدات؟
مدى جدية هذه التهديدات أمر غير محسوم. فقدرة ترامب على الانسحاب من حلف الناتو مقيدة بتشريع صدر عام 2023 يشترط موافقة ثلثي أعضاء الكونغرس. بإمكان الولايات المتحدة سحب قواتها من قواعدها الأوروبية، لكن هل سترغب حقا في التخلي عن منشآت طورت على مدى عقود، وهي أساسية لقدرتها على بسط نفوذها في المستقبل؟. لطالما خشي القادة الأوروبيون من انسحاب ترامب من أوكرانيا، لكن من الصعب تصور كيف سيخدم منح روسيا نصر استراتيجي هائل مصالح الولايات المتحدة. مع ذلك، فإن تهديدات ترامب وسلوكه المتقلب لن تؤديا إلا إلى تعزيز تصميم العديد من القادة الأوروبيين وجزء كبير من الرأي العام على ضرورة تقليل أوروبا لاعتمادها على الولايات المتحدة وتعزيز استقلالها الاستراتيجي. وكما ورد في تقرير جديد صادر عن مركز الأبحاث الألماني SWP: “لم تعد تعاملات ترامب مع أوروبا مجرد معاملات تجارية، بل باتت تشبه الابتزاز بشكل متزايد، حيث يستخدم أدوات متنوعة لإثبات أن ‘القوة هي الحق”.
فك ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة لن يكون بالأمر السهل
يوضح التقرير إن فك ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة لن يكون بالأمر الهين، لا سيما وأن هذا الارتباط يشمل كل شيء من الدفاع إلى التكنولوجيا والطاقة والتجارة والتمويل. علاوة على ذلك، أظهرت إدارة ترامب خلال نزاع التعريفات الجمركية العام 2025 حيث ربطت دعم أوكرانيا بتأمين اتفاقية تجارية أحادية الجانب أنها مستعدة لاستغلال أي من هذه الارتباطات لتحقيق مآربها في مجالات أخرى. لنأخذ الدفاع كمثال. يضطلع الأوروبيون بالفعل بالعديد من المسؤوليات الرئيسية داخل حلف الناتو، لكنهم يفتقرون إلى المقومات الاستراتيجية التي تمكنهم من بسط نفوذهم بشكل مستقل، كالاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة النقل، والتزود بالوقود جوا. يقدر معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسات أن بناء بدائل أوروبية سيستغرق من عشر إلى خمس عشرة سنة، بافتراض أن أوروبا قادرة على إيجاد طريقة لتمويلها. ولن تكون هذه العملية مستقلة تماما، إذ لن يكون أمام أوروبا خيار يذكر سوى شراء جزء كبير من هذه القدرات من الولايات المتحدة، لافتقارها إلى أنظمتها الخاصة، ما يعطي واشنطن مزيدا من النفوذ. ووفقا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فقد ذهب 34% من الإنفاق العسكري الأوروبي، حتى عام 2022، إلى شركات أمريكية.
ما هو التحدي الأكبر؟
سيبرز تحد أكبر إذا تخلت الولايات المتحدة عن دور القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا (SACEUR)، الذي جرت العادة أن يشغله أمريكي. إن امتلاك قوة ردع نووية أوروبية مستقلة وهو النتيجة المنطقية سيمثل مشروع سياسي ومالي وتقني ضخما، وهو مشروع ستسعى كل من واشنطن وبكين جاهدتين لإحباطه. من الصعب بنفس القدر تصور كيف يمكن لأوروبا تحقيق استقلال أمني حقيقي دون تحقيق استقلال تكنولوجي مماثل. لا تزال أوروبا تعتمد على أمريكا في معظم التكنولوجيا التي تدعم اقتصادها، مما يمنح الولايات المتحدة فعليا القدرة على إيقاف أي تقدم. يتطلب الاستقلال التكنولوجي من أوروبا بناء بنيتها التكنولوجية الخاصة، بدءا من المعالجات الدقيقة وصولا إلى أنظمة البرمجيات. وهذا بدوره سيستغرق عقودا من العمل. ستكون التكلفة باهظة للغاية، بحسب تقرير صادر عن غرفة التقدم عام 2025، سيكلف تحقيق الاستقلال التكنولوجي 5 تريليونات يورو، أي أكثر من 25 ضعف الميزانية السنوية للاتحاد الأوروبي، أو ما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.
أوروبا عرضة بشدة للإبتزاز الأمريكي
خلال هذه المرحلة الانتقالية، ستظل أوروبا عرضة بشدة للإكراه الأمريكي. وقد أظهرت إدارة ترامب بالفعل استعدادها لاستخدام القوة غير المتكافئة ليس فقط ضد الدول والمؤسسات، بل ضد الأفراد كذلك: فقد جرد المدعي العام وكبار الموظفين في المحكمة الجنائية الدولية من حساباتهم المصرفية وخدمات البريد الإلكتروني وحقوق دخول الولايات المتحدة. واستُخدمت التهديدات باتخاذ إجراءات مماثلة مؤخرا لحسم تصويت حاسم في المنظمة البحرية الدولية لصالح الولايات المتحدة. لا ينبغي للأوروبيين أن يظنوا أن تهديدات ترامب بالانسحاب من حلف الناتو دليل على التراجع نحو الانعزالية. بل على العكس، لا تزال أوروبا ذات أهمية حيوية لأمريكا في منافستها النظامية مع الصين. وتريد واشنطن من الأوروبيين إزالة العقبات التنظيمية التي تواجه شركات التكنولوجيا الأمريكية، وشراء المزيد من الوقود الأحفوري الأمريكي، بدلا من التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة الصينية. وفي حديثه في بروكسل، صرح وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، جاكوب هيلبرغ، بأن المصلحة الوطنية الأمريكية تكمن في إنقاذ أوروبا من “أزمة حضارية”.
مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية بعد حرب إيران
من الواضح أن الولايات المتحدة تعتزم مواصلة انخراطها الكامل في الشؤون الأوروبية حتى مع تراجعها عن أساليب التدخل التقليدية. ويتجلى هذا بوضوح في المجر، حيث تمارس إدارة ترامب ضغوطا مكثفة لصالح رئيس الوزراء فيكتور أوربان قبيل انتخابات 13 أبريل 2026. والمفارقة تكمن في أنه كلما زاد تدخل الولايات المتحدة المباشر في السياسة الوطنية، زاد الدعم الذي تحظى به السياسيون المستعدون لمواجهتها. ربما حظي قادة أوروبا بإشادة داخلية لموقفهم المتصدي للولايات المتحدة بشأن إيران. لكن النتيجة المرجحة هي علاقة أكثر بعدا وعدائية مع أمريكا، وهو أمر لا تستعد له الحكومات الأوروبية بشكل خطير.
النتائج
تشير التطورات في العلاقات عبر الأطلسي إلى مرحلة جديدة من التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، مع تصاعد التحديات بسبب السياسات الأمريكية المتقلبة وتدخلات إدارة ترامب. فتهديدات الرئيس الأمريكي بالانسحاب من حلف الناتو وانزعاجه من رفض الدول الأوروبية منح حقوق التحليق أو استخدام القواعد العسكرية تؤكد محدودية الاعتماد على الولايات المتحدة كحامي استراتيجي دائم.
من المحتمل أن يواجه القادة الأوروبيون ضرورة تعزيز استقلالهم الاستراتيجي، سواء في المجال العسكري أو التكنولوجي. تتطلب الاستقلالية الدفاعية إنشاء قدرات أوروبية متكاملة تشمل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، أنظمة النقل والتزود بالوقود جوا، بالإضافة إلى تطوير قوة ردع نووية مستقلة. إلا أن بناء هذه القدرات سيستغرق عقدا أو أكثر، مع اعتماد جزئي على التكنولوجيا الأمريكية، مما يخلق توازنًا هشًا بين الاستقلال والاعتماد.
أما على الصعيد التكنولوجي، من المرجح أن يكون تحقيق استقلال أوروبا عن الولايات المتحدة تحديًا طويل الأمد ومكلفا، يتطلب استثمارات هائلة في البنية التحتية الرقمية، المعالجات الدقيقة، والبرمجيات الأساسية. ويرجح أن تمتد هذه العملية لعقود، مع استمرار قدرة واشنطن على ممارسة النفوذ الاقتصادي والسياسي أثناء مرحلة الانتقال.
ستزداد أهمية التعاون الأوروبي الداخلي والتنسيق الدفاعي المشترك لتقليل نقاط الضعف واستغلال الموارد بشكل أمثل. كما ستلعب التحولات في الطاقة والتجارة دورًا رئيسيًا في تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، مع توجيه الاستثمارات نحو مصادر طاقة بديلة وتعزيز السوق التكنولوجية الأوروبية.
من المحتمل أن يؤدي استمرار التوترات مع الولايات المتحدة إلى تعزيز رغبة أوروبا في بناء استراتيجية مستقلة وشاملة للأمن والدفاع والتكنولوجيا، مع إدراك محدودية الموارد والاعتماد الجزئي على الخارج. وسيصبح الاستقلال الأوروبي ليس خيارا فحسب، بل ضرورة لضمان استقرارها السياسي والاقتصادي في عالم يتسم بتقلب التحالفات وصعود قوى منافسة كبرى مثل الصين وروسيا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116847
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
