المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير
تصفح الملف نسخة PDF ملف حرب أوكرانيا ـ من الجبهة العسكرية إلى استهداف البنى التحتية
المقدمة
لم تعد الحروب الحديثة تدور حصراً على خطوط الجبهة، بل امتد ميدان المواجهة بصورة متزايدة إلى عمق الدول والمجتمعات، حيث أصبحت البنى التحتية الحيوية، من شبكات الطاقة والمياه والنقل والاتصالات إلى المنشآت الصناعية والرقمية، جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية والاستراتيجية.
ولا يقتصر الملف على تحليل التداعيات العسكرية والإنسانية لهذه الظاهرة، بل يحاول استشراف مستقبلها، في ظل التطور المتسارع للصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والقدرات التقنية الجديدة، وطرح سؤال مركزي حول ما إذا كانت البنى التحتية ستتحول إلى “جبهة جديدة” في حروب المستقبل، وما الذي يعنيه ذلك لأمن الدول وقدرة المجتمعات على الصمود.
1ـ أمن قومي ـ عندما تصبح البنى التحتية جزءًا من ميدان الحرب
أصبحت البنى التحتية الحيوية جزءًا بالغ الأهمية من ميدان الصراع، مع انتقال الحروب الحديثة من استهداف القوات والجبهات إلى ضرب شبكات الطاقة والاتصالات والنقل والإمداد والمنشآت الرقمية. يكشف ذلك عن تحول استراتيجي يجعل العمق الاقتصادي والمدني للدول جزءًا من معادلة الردع والحرب. وبينما توفر هذه الاستراتيجية مكاسب عسكرية محتملة، فإنها تثير مخاطر إنسانية وقانونية واقتصادية متزايدة.
لماذا أصبحت البنى التحتية جزءًا من ميدان الحرب؟
ـ التحول في طبيعة الحروب الحديثة: تشهد طبيعة الحروب تحولًا عميقًا، فقد أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة والهجمات الإلكترونية الأدوات المهيمنة في الصراعات الحديثة، مما غيّر جذريًا كيفية خوض الحروب وتحقيق الحسم فيها. فمن حرب أوكرانيا إلى التصعيد الأخير في حرب إيران، هناك حقبة جديدة من الحروب تتحدى العقائد العسكرية التقليدية والأطر القانونية الدولية. تُظهر هذه الصراعات كيف أن التقدم التكنولوجي لا يُغيّر تكتيكات ساحة المعركة فحسب، بل يزيد كذلك من عدم تكافؤ القوى في الحروب، وقد يُجبرالدول على إعادة النظر في استراتيجيات الحروب التقليدية.
ـ انتقال الصراع من الجبهات العسكرية التقليدية إلى العمق: سمحت التطورات السريعة في العلوم والتكنولوجيا للطائرات المسيّرة بضرب أهداف ليس فقط على طول خطوط المواجهة، بل وفي عمق المناطق العملياتية. وقد جعل هذا أي معدات أو قوة نارية أو احتياطيات عرضة للخطر، حتى تلك البعيدة عن الجبهة. أصبحت الضربات الدقيقة على طرق الإمداد اللوجستي إجراءً روتينيًا. بل إنها باتت جزءًا من التكتيكات المعتادة لإجبار العدو على الانسحاب. نتيجةً لذلك، تشكلت منطقة بعمق يتراوح بين (10 و15) كيلومترًا أمام خط التماس بسبب شفافية ساحة المعارك ولم يعد من المستغرب أن تلاحق طائرة مسيّرة جنديًا واحدًا بدلًا من مجموعة أهداف أو مركبة مدرعة.
ـ البنى التحتية تمثل نقطة ضعف للدول والمجتمعات: تتعرض البنية التحتية للطاقة في أوروبا لهجوم، وتشن روسيا بالفعل هجمات هجينًا، مستهدفةً كابلات الكهرباء وخطوط أنابيب الغاز في بحر البلطيق، وكاشفةً عن نقاط ضعف عميقة. فالبنية التحتية الحيوية لا تواجه نقاط ضعف لم تُحل فحسب، بل تواجه مخاطر جيوسياسية متزايدة، لا سيما في شبكة نقل الطاقة البحرية. وطالما استمر هذا الوضع، سيبقى الاتحاد الأوروبي تحت تهديد مستمر من هجمات منخفضة المخاطر تُسبب اضطرابات اجتماعية واقتصادية وعسكرية كبيرة. أكد “جان شارل إيلرمان كينغومب” الأمين العام المساعد لحلف الناتو، في يونيو من العام 2025: “تُظهر حرب أوكرانيا بوضوح أن البنية التحتية للطاقة الأوروبية هدفٌ ذو أولوية بالنسبة لروسيا”.
ـ الفرق بين استهداف القدرات العسكرية واستهداف البنية المدنية: تحظر اتفاقيات “جنيف” لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977 الهجمات أو الأعمال الانتقامية على البنية التحتية المدنية. وتشمل البنية التحتية المدنية “جميع الأشياء التي ليست أهدافًا عسكرية”، كما ينص القانون، والتي “عادةً ما تكون مخصصة لأغراض مدنية، مثل مكان العبادة أو منزل أو مسكن آخر أو مدرسة”. تشمل كذلك على سبيل المثال “الطرق والجسور والسكك الحديدية والمطارات ومحطات الكهرباء وشبكات الصرف الصحي والمستشفيات وأنظمة الهاتف والإنترنت”. ينص القانون على أنه عندما يكون هناك شك حول ما إذا كان شيء ما يخدم غرضًا عسكريًا أو مدنيًا، يجب على الأطراف أن تفترض أنه مدني، وبالتالي لا يمكنها مهاجمته.

ما المقصود بالبنى التحتية؟
تُعرَّف البنية التحتية بأنها الأنظمة المادية الأساسية لشركة أو منطقة أو دولة، وغالبًا ما تشمل إنتاج السلع العامة أو عمليات الإنتاج، تتسم الاستثمارات في البنية التحتية بارتفاع تكلفتها وكثافة رأس المال فيها، إلا أنها حيوية للتنمية الاقتصادية والازدهار في أي منطقة. يمكن تمويل المشاريع المتعلقة بتحسين البنية التحتية من القطاع العام أو الخاص، أو من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص. من أمثلة البنية التحتية البنى التحتية الحيوية كـ”الكهرباء، المياه، الاتصالات، الصرف الصحي”. كذلك البنى التحتية للنقل كـ”الطرق، الجسور، السكك الحديدية، الموانئ والمطارات”. بالإضافة إلى البنى التحتية الاقتصادية كـ”المصانع، منشآت الطاقة، شبكات الإمداد”. كذلك البنى التحتية الصحية كـ”المستشفيات ومراكز الطوارئ”. كذلك البنية الرقمية كـ”مراكز البيانات، شبكات الاتصالات والإنترنت” والبنى ذات الاستخدام المزدوج وتشمل المنشآت المدنية التي يمكن أن تكون لها وظيفة عسكرية أو لوجستية. الإمارات والاتحاد الأوروبي ـ التشريعات والحوكمة الأمنية، لمكافحة الجريمة المنظمة؟
لماذا تستهدف الدول البنى التحتية في الحروب؟
ـ تعطيل حركة القوات والإمدادات: واصلت أوكرانيا في يوليو من العام 2026 ضرب البنية التحتية العملياتية واللوجستية للقوات الروسية. حيث شنت القوات الأوكرانية هجمات على (14) جسرًا للسكك الحديدية والطرق، بالإضافة إلى جسور علوية ومعابر عائمة تستخدمها القوات الروسية لأغراض عسكرية. وكانت أهدافها الرئيسية طرق الإمداد، ومنشآت الدفاع الجوي، وقواعد الطائرات المسيرة، والبنية التحتية للطيران والوقود للعدو. وأشارت وزارة الدفاع الأوكرانية إلى أن “التركيز كان على تعطيل طرق الإمداد في مناطق “دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريزهيا، وكذلك في شبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتًا”.
ـ إضعاف القدرة الاقتصادية على مواصلة الحرب: يساهم استهداف البنى التحتية في انهيار اقتصادات الدول، فعلى سبيل المثال أثبتت أوكرانيا فعاليتها بشكل ملحوظ في استهداف البنية التحتية للطاقة الروسية، باستخدام طائرات مسيرة رخيصة الثمن، بالإضافة إلى صواريخ محلية الصنع، حيث بلغت الضربات الأوكرانية في البداية نطاقًا واسعًا أدى إلى تعطيل أكثر من (40%) من قطاع النفط الروسي. قد تزامن ذلك مع تجاوز عجز الموازنة الروسية توقعاتها لعام 2026.
أفادت صحيفة “واشنطن بوست” في يوليو من العام 2026 إن الأشهر الأولى من حرب إيران لم تشهد تأثيرًا اقتصاديًا واسعًا داخل طهران، رغم آلاف الغارات الجوية والحصار البحري، إلا أن المشهد تغير بعد توسع الولايات المتحدة في استهداف منشآت البنية التحتية. تسببت الاستهدافات في “انقطاع الكهرباء والمياه، ونقص الوقود، وتعطل شبكات الاتصالات، إلى جانب تباطؤ حركة التجارة”، وهو ما انعكس على أداء المصانع والمزارع وسلاسل الإمداد، في ظل ارتفاع تكلفة نقل البضائع وتراجع النشاط الاقتصادي.
ـ قطع الاتصالات: تدعم شبكات الاتصالات مجموعة واسعة من الخدمات الرقمية التي تتجاوز الاتصالات، بما في ذلك المعاملات المالية ومنصات الخدمات اللوجستية والوصول إلى الخدمات العامة. باتت إيران تستهدف بصورة متزايدة البنية التحتية الرقمية في المنطقة باعتبارها جزءًا من الصراع الأوسع، مع ضربات حديثة أثرت على أنظمة الحوسبة السحابية والأقمار الصناعية والاتصالات. يعكس ذلك تحولًا من استهداف الأنظمة المعزولة إلى البنية التحتية التي تدعم طبقات متعددة من الاقتصاد الرقمي. تنظر أوكرانيا إلى روسيا باعتبارها منظومة مترابطة للطاقة والإمداد، ويحدد المخططون العسكريون نقاط الارتكاز الحرجة التي يؤدي استهدافها بضربة محدودة إلى إحداث أضرار واسعة في النظام بأكمله وأصبحت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على أهداف داخل روسيا أكثر فاعلية خلال العام 2026، وشملت مصافي النفط ومستودعات الوقود للتأثير على قطاع الطاقة.
ـ التأثير تقديم الخدمات ورفع كلفة الحرب على المجتمع: يقول “فيليب لاوسبرغ”، كبير محللي السياسات في مركز السياسات الأوروبية “EPC”: “تشكل وايلدبيريز منصة لوجستية تقع في قلب الاقتصاد الاستهلاكي الروسي. وبمعالجتها لنحو (50%) من طلبات البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في روسيا، أصبحت بنية تحتية اقتصادية حيوية، مما يجعلها هدفًا استراتيجيًا”. تابع “لاوسبرغ”: “تحاول أوكرانيا ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث تعطل الإمدادات التي تصل إلى خط المواجهة بينما تجبر روسيا على تحويل الأموال والاهتمام الإداري وموارد الدولة لحماية أحد الشرايين اللوجستية الرئيسية للبلاد”. مضيفًا كما تتناسب هذه الضربات مع هدف الرئيس فولوديمير زيلينسكي المعلن والمتمثل في تقريب تكاليف الحرب من المواطنين الروس العاديين.
ـ الضغط على القيادة السياسية للتفاوض أو تغيير الحسابات: تعرضت مستودعات خاضعة لشركة “وايلدبيريز”، أكبر شركة لتجارة التجزئة عبر الإنترنت في روسيا، لضربات عسكرية أوكرانية ضمن حملة ضربات بعيدة المدى لتجبر موسكو على المفاوضات. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الهجمات، موضحًا أنها استهدفت مراكز لوجستية تستخدم لتزويد الجيش الروسي بمكونات الطائرات المسيرة ومعدات الملاحة وأجهزة أخرى. تأتي الضربة الأخيرة متزامنة مع موجة هجمات مماثلة”. الأمن والدفاع الأوروبي ـ كيف تدير أوروبا الصراع مع روسيا مع الإبقاء على خيار الحوار؟
كيف تغيرت طبيعة استهداف البنى التحتية؟
لم تعد المسافة الجغرافية عن خط الجبهة ضمانة للأمن القومي للدول في ظل الحروب الغير تقليدية، بالتزامن مع تطور استهداف الحروب الحديثة للبنى التحتية للدول بداية من استهداف “الجسور والموانئ والمنشآت الصناعية” إلى استهداف “شبكات الكهرباء والاتصالات والأقمار الصناعية والمنشآت الرقمية والبنية اللوجستية”. وهنا يمكن التوقف عند مفهوم “الحرب على العمق”، تعتمد هذه المرحلة على نقل الحرب أو المعركة بعيدًا عن خطوط القتال التقليدية، إلى خلف خطوط الجبهة، كذلك نقل كلفة الحروب إلى المدن الرئيسية الكبرى والسكان والمقدرات الاقتصادية للدول.
تقول “ريبيكا هاينريش” الزميلة البارزة في معهد “هدسون”: “إن تركيز الهجمات على طول الساحل الجنوبي لإيران وتزايدها في العمق يشير إلى أن الولايات المتحدة تتجاوز الرد على الضربات الفردية وتستهدف البنية التحتية التي تسمح لطهران بالحفاظ على القدرات العسكرية التي تدعم عملياتها حول مضيق هرمز وإعادة بنائها في نهاية المطاف”. ألمانيا وروسيا هل تدفع فجوة أوروبا ـ واشنطن إلى إعادة فتح القنوات مع موسكو؟
المخاطر الاستراتيجية والإنسانية
يتسبب استهدف البنى التحتية أثناء الحروب إلى انعدام الأمن، وتعطيل العمليات الإنسانية ويحد من الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية ما يساهم في نزوح ملايين الأشخاص. كما ينجم عن استهداف البنى التحتية أثناء الحروب والصراعات ما يعرف بـ”صدمة الحرب”، ويمكن أن تنطوي تلك التجربة على أحداث قد تهدد حياة الشخص أو السلامة الجسدية مثل “التعرض للقصف، أو التعرض لإصابة خطيرة، وما إلى ذلك”. وجميع صدمات الحرب يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات الصحة العقلية مثل اضطراب ما بعد الصدمة “PTSD”، والاكتئاب والقلق طويل الأمد.
رصدت منظمة مرصد النزاعات والبيئة “CEOBS” غير الربحية ومقرها المملكة المتحدة في 12 مارس من العام 2026 أكثر من (300) حادثة من الأضرار البيئية المحتملة من الضربات على قواعد الصواريخ إلى الهجمات على ناقلات النفط في الخليج العربي. كما حذرت الأمم المتحدة من أن الضربات على المنشآت النفطية في منطقة الشرق الأوسط قد تنطوي على “عواقب بيئية خطيرة في جميع أنحاء المنطقة، مع آثار فورية محتملة على المياه الصالحة للشرب، وعلى الهواء الذي يحتاج الناس إلى تنفسه، وعلى الغذاء”.
أوضحت البروفيسورة “راشيل فانلاندينغهام”، المحامية العسكرية الأمريكية السابقة في السابع من أبريل 2026: أن القانون الدولي يسمح بشن غارات على مواقع مدنية في ظروف محدودة معينة، حيث تُستخدم هذه الغارات لتحقيق ميزة عسكرية واضحة. لكنها شددت على ضرورة ألا تتسبب أي إجراءات في إلحاق ضرر مفرط بالمدنيين”.
**
2ـ أمن قومي ـ استهداف البنى التحتية، حرب أوكرانيا نموذجاً
لم تعد البنية التحتية المدنية في الحروب الحديثة مجرد خلفية مادية تجري فوقها العمليات العسكرية، بل أصبحت جزءاً مركزياً من قدرة الدولة والمجتمع على الاستمرار في أداء وظائفهما الأساسية. فشبكات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والموانئ والمنشآت الصحية والغذائية ترتبط بمنظومة واحدة شديدة الاعتماد المتبادل، بحيث يمكن لضربة تستهدف منشأة واحدة أن تنتج آثاراً تتجاوز بكثير حدود موقعها الجغرافي أو وظيفتها المباشرة. وتكشف التطورات الميدانية خلال عام 2026، ولا سيما في الحرب الروسية ـ الأوكرانية، أن استهداف البنية التحتية أصبح أكثر انتظاماً واتساعاً، بالتوازي مع تنامي استخدام الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة. الطائرات المسيّرة والطاقة ـ جبهة جديدة للاستنزاف في حرب أوكرانيا
وتكتسب هذه الظاهرة أهمية قانونية وإنسانية خاصة، لأن القانون الدولي الإنساني لا يمنح صفة “الهدف العسكري” لكل منشأة تقع داخل دولة طرف في نزاع مسلح. والأصل هو حماية الأعيان المدنية، بينما تخضع المنشأة المدنية لشروط دقيقة عندما تصبح مرتبطة بصورة فعلية ومباشرة بالعمل العسكري. كما أن مشروعية استهداف هدف عسكري لا تعني تلقائياً مشروعية كل وسيلة أو نتيجة مترتبة على الهجوم؛ إذ تظل مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات واجبة التطبيق. وتبرز المشكلة بصورة أكبر عندما تكون المنشأة المستهدفة جزءاً من شبكة مترابطة، بحيث يؤدي تعطيلها إلى انقطاع خدمات أخرى. ومن هنا، فإن التحدي القانوني والأخلاقي لم يعد يقتصر على تحديد “ما الذي ضُرب؟”، بل أصبح يتعلق أيضاً بـ”ما الذي سيحدث بعد الضربة؟”، ومدى قدرة المهاجم على توقع الآثار المباشرة والمتسلسلة التي يمكن أن تصيب المدنيين. أمن قومي
البنية التحتية المدنية والحماية القانونية
يقوم القانون الدولي الإنساني على قاعدة أساسية مفادها التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. وفي هذا الإطار، أكدت الأمم المتحدة خلال “أسبوع حماية المدنيين” في مايو 2026 أن أطراف النزاعات ملزمة باحترام التمييز والتناسب والاحتياطات، وأن حماية المنازل والمستشفيات والمدارس والأسواق وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات ليست مسألة سياسية اختيارية، وإنما جزء من الالتزامات المرتبطة بقواعد الحرب. وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة بالنسبة إلى البنى التحتية ذات الاستخدام المدني. فالمنشأة التي توفر الكهرباء أو المياه أو الخدمات الصحية تبقى، من حيث الأصل، محمية باعتبارها عيناً مدنية. ولا يكفي أن تكون المنشأة موجودة داخل منطقة حرب أو أن تكون الدولة المالكة لها طرفاً في النزاع حتى تصبح هدفاً عسكرياً مشروعاً.
لكن القانون يقر، في الوقت نفسه، بأن بعض الأهداف المدنية قد تفقد حمايتها المدنية في ظروف محددة إذا تحولت فعلياً إلى عنصر يقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وكان تعطيلها أو تدميرها يوفر ميزة عسكرية محددة. وهنا تظهر ضرورة الفصل بين الاستخدام العسكري للمنشأة وبين مجرد وجود صلة عامة أو غير مباشرة بالمجهود الحربي. وتزداد صعوبة المسألة عندما يتعلق الأمر بمنشآت ذات طبيعة مزدوجة. فشبكة السكك الحديدية، على سبيل المثال، قد تستخدم لنقل المدنيين والمواد الإنسانية، وفي الوقت نفسه لنقل أفراد أو معدات عسكرية. وكذلك قد تخدم منشأة للطاقة السكان المدنيين بينما ترتبط أجزاء من إنتاجها أو توزيعها بمنشآت عسكرية. وعليه، لا يمكن اعتماد منطق “الاستخدام المزدوج” بوصفه مبرراً شاملاً للهجوم. المطلوب هو تقييم محدد للمنشأة في الظروف القائمة وقت الهجوم، وتحديد مدى مساهمتها الفعلية في العمل العسكري، ثم تقدير الميزة العسكرية المتوقعة مقارنة بالأضرار المحتملة التي يمكن أن تلحق بالمدنيين. الأمن الدولي: المفهوم، التهديدات، ودور أوروبا في مواجهة التحديات العالمية
التمييز والتناسب والضرورة
تمثل المبادئ الثلاثة ـ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية ـ الإطار الأساسي الذي يجب أن يحكم أي عملية تستهدف منشأة يمكن أن تؤثر في السكان المدنيين.
ـ التمييز يعني أن القوة المهاجمة مطالبة بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية. ولذلك فإن مجرد وجود هدف عسكري داخل مدينة أو بالقرب من منشأة مدنية لا يحول تلقائياً المنطقة بأكملها إلى هدف مشروع.
ـ يتعلق التناسب بالآثار المتوقعة للهجوم. فحتى عندما يكون الهدف عسكرياً مشروعاً، يصبح الهجوم محل إشكال قانوني إذا كان من المتوقع أن يؤدي إلى أضرار مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المحددة والمتوقعة. وهذا المعيار يكتسب أهمية استثنائية في حالة البنية التحتية، لأن الضرر لا يتوقف بالضرورة عند المبنى أو المنشأة التي أصابها السلاح.
ـ أما الضرورة العسكرية فلا ينبغي فهمها باعتبارها تفويضاً مفتوحاً لتدمير كل ما يمكن أن يضعف الخصم. فالضرورة العسكرية تعمل داخل حدود القانون الدولي الإنساني، ولا تلغي القواعد التي تحمي المدنيين والأعيان المدنية.
وفي هذا السياق، شددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في يونيو 2026 على أن تجاهل قواعد الحرب يؤدي إلى تصاعد الأضرار الإنسانية والعملياتية، مشيرة إلى أن تدمير الخدمات الأساسية واستهداف الغذاء والمياه والرعاية الصحية يضاعف آثار النزاعات على السكان المدنيين.
متى تتحول المنشأة المدنية إلى هدف عسكري؟
يعد اعتبار المنشأة المدنية هدفًا عسكريًا هو النقطة الأكثر حساسية في الإشكالية القانونية. لا تتحول محطة كهرباء أو جسر أو ميناء أو شبكة اتصالات إلى هدف عسكري لمجرد أن تدميرها يسبب خسائر اقتصادية للخصم. كما أن كون المنشأة جزءاً من الاقتصاد الوطني لا يكفي وحده لإسقاط الحماية المدنية عنها. إنما ينبغي أن تتوافر ظروف تجعل المنشأة تقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وأن يكون استهدافها في الظروف القائمة قادراً على توفير ميزة عسكرية محددة. وحتى عند تحقق ذلك، لا تنتهي عملية التقييم؛ إذ تظل قواعد التناسب والاحتياطات واجبة التطبيق.
روسيا وأوكرانيا ـ حرب متبادلة على العمق الاستراتيجي
لم تعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية محصورة في خطوط التماس، بل اتسعت خلال عام 2026 لتشمل العمق الاستراتيجي لكلا الطرفين. وتستخدم روسيا الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف المدن والبنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا، بينما كثفت كييف هجماتها بعيدة المدى على منشآت الطاقة والنفط واللوجستيات داخل روسيا. وبذلك تحولت الحرب إلى مواجهة تستهدف ليس فقط القوات الموجودة على الجبهة، وإنما أيضاً القدرة الاقتصادية والعسكرية على مواصلة الحرب.
روسيا تضرب البنية التحتية الأوكرانية
اعتمدت روسيا بصورة متزايدة على الهجمات المركبة بالصواريخ والطائرات المسيّرة لإرهاق الدفاعات الجوية الأوكرانية وضرب منشآت الطاقة والنقل. وفي إحدى الهجمات الكبيرة في يوليو 2026، أطلقت روسيا 35 صاروخاً و185 طائرة مسيّرة باتجاه كييف ومناطق أخرى، وأدت الضربات إلى سقوط قتلى وإصابة عشرات الأشخاص وإلحاق أضرار بالبنية التحتية والمباني المدنية. وتسببت الضربات الروسية المتكررة على قطاع الطاقة في اضطرابات بالكهرباء والتدفئة، خصوصاً خلال فترات الشتاء. ويكشف هذا النمط عن محاولة روسية لإضعاف القدرة على الصمود وليس فقط تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة. فاستهداف محطات الكهرباء ومحولات الشبكة والمنشآت اللوجستية يرفع كلفة الحرب على الدولة والمجتمع، ويجبر أوكرانيا في الوقت نفسه على تخصيص جزء كبير من دفاعاتها الجوية لحماية البنية التحتية الحيوية.
أوكرانيا تنقل الحرب إلى العمق الروسي
في المقابل، وسعت أوكرانيا نطاق هجماتها باستخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، مستهدفة بصورة خاصة المصافي النفطية ومنشآت الطاقة ومحطات الضخ والمراكز اللوجستية. في يوليو 2026، استهدفت ضربات أوكرانية ثلاث مصافٍ روسية ومحطات لضخ النفط، فيما وصلت إحدى الهجمات إلى مصفاة أومسك في سيبيريا، على مسافة تقارب 2700 كيلومتر من الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا، في واحدة من أبعد الضربات الأوكرانية المعلنة خلال الحرب.
وتواصلت هذه الحملة خلال أغسطس 2026 . فقد أدت هجمات أوكرانية على عدد من المصافي الروسية إلى تعطيل عمليات التكرير وخفض إنتاج الوقود. وتراجعت صادرات روسيا البحرية من المنتجات النفطية في يوليو 2026 بنسبة 33.3% مقارنة بشهر يونيو2026 ، وسط تأثيرات مرتبطة بأعمال الصيانة غير المخطط لها بعد هجمات الطائرات المسيّرة. كما أُجبرت مصفاة أورسك في منطقة أورينبورغ على وقف عملياتها بعد هجوم بطائرة مسيّرة في أغسطس2026 ، وسط تقديرات بأن إصلاح الأضرار قد يستغرق عدة أشهر بسبب صعوبة الحصول على بعض المعدات. أمن قومي ـ عندما تصبح البنى التحتية جزءًا من ميدان الحرب
الأضرار
تمثل “الأضرار المتسلسلة” إحدى أهم الزوايا التي ينبغي تطويرها في دراسة استهداف البنى التحتية. فالضربة لا تنتهي عند لحظة الانفجار أو عند تدمير المنشأة. ويمكن أن تبدأ بعدها سلسلة من الآثار المتتابعة، مثل: تعطيل الكهرباء ، اضطراب ضخ المياه ، توقف أو تراجع الخدمات الصحية ، تعطل التبريد وحفظ الأغذية والأدوية ، اضطراب النقل والاتصالات ، وزيادة صعوبة الإجلاء والاستجابة الإنسانية.
وتنبع خطورة هذه السلسلة من الترابط المتزايد بين الخدمات. فالمستشفى يحتاج إلى الكهرباء، والمياه تحتاج إلى الطاقة لتشغيل محطات الضخ والمعالجة، والاتصالات تحتاج إلى الكهرباء، والنقل يحتاج إلى الوقود وشبكات الاتصال، وسلاسل الإمداد الغذائي تعتمد بدورها على الطاقة والنقل والتخزين.
وقد أبرزت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيان صدر عام 2026 أن استهداف البنية التحتية الأساسية يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز المنشأة ذاتها، مؤكدة أن الطاقة والمياه والرعاية الصحية تشكل أساساً مترابطاً للحياة المدنية.
ومن الناحية القانونية، تفرض هذه الحقيقة سؤالاً مهماً: إلى أي مدى ينبغي أن يدخل الضرر غير المباشر والمتوقع في حسابات التناسب؟ فالقاعدة لا تعني أن كل نتيجة بعيدة أو غير متوقعة تجعل الهجوم غير مشروع، لكن ارتفاع مستوى الترابط بين البنى التحتية يجعل من الصعب اعتبار الآثار الثانوية دائماً أمراً خارج نطاق التقدير العسكري. وكلما كانت سلسلة الآثار قابلة للتوقع، ازدادت أهمية إدخالها في عملية التخطيط واتخاذ القرار.

الحالة الأوكرانية
توفر الحرب الروسية ـ الأوكرانية خلال 2026 نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية. فقد وثقت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا ما لا يقل عن (423) هجوماً على منشآت توليد ونقل وتوزيع الكهرباء بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، إضافة إلى (74) هجوماً على محطات التدفئة والطاقة الحرارية وغيرها من البنية التحتية المرتبطة بالتدفئة. وأدت هذه الهجمات إلى انخفاض قدرة توليد الكهرباء وانقطاعات متكررة أثرت في المنازل والمستشفيات والمدارس والخدمات الأساسية. الحرب الهجينة، حرب أوكرانيا نموذجاً، الأسباب، الأدوات والأبعاد. ملف
ولم تتوقف الظاهرة مع انتهاء فصل الشتاء. ففي الربع الأول من 2026، أشارت الأمم المتحدة إلى استمرار الهجمات على الطاقة والسكك الحديدية والموانئ، مع تأثير مباشر في الحياة اليومية وفي عمليات الإجلاء وإيصال الإمدادات. وفي يونيو2026، سجلت الأمم المتحدة استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة، بالتوازي مع تسجيل هجمات أوكرانية على منشآت توليد ونقل وتوزيع الكهرباء في المناطق التي تسيطر عليها روسيا، أدت بعضها إلى انقطاعات طارئة أو مجدولة.
وتشير المعطيات الأحدث إلى أن المسألة مرشحة للاشتداد مع اقتراب الشتاء. فقد أفادت تقارير حديثة في 18 أغسطس 2026 بأن منشآت شركة “نفتوغاز” الأوكرانية تعرضت خلال أسبوع واحد لـ(13) هجوماً، في وقت تحدثت الشركة عن قرابة (300) هجوم على منشآتها منذ بداية العام.
وفي المقابل، اتجهت أوكرانيا بصورة متزايدة إلى استهداف منشآت الطاقة والوقود واللوجستيات داخل روسيا. ففي أغسطس 2026، أدى هجوم بطائرة مسيّرة إلى تعطيل مصفاة أورسك النفطية، مع تقديرات بأن الإصلاح قد يستغرق أشهراً بسبب صعوبة الحصول على بعض المعدات، وهو ما يوضح كيف يمكن لضربة واحدة ضد منشأة استراتيجية أن تمتد آثارها إلى إمدادات الوقود والاقتصاد المحلي. وعليه، لم تعد البنية التحتية في الحرب الأوكرانية مجرد ضحية عرضية للعمليات العسكرية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الضغط الاستراتيجي المتبادل.
الانعكاسات الإنسانية والسياسية
سياسياً، يمكن لاستهداف البنية التحتية أن يتحول إلى وسيلة للضغط على الحكومة والسكان معاً. فإضعاف الكهرباء أو النقل أو الموانئ قد يرفع تكلفة الحرب ويؤثر في الاقتصاد، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى نتائج عكسية إذا عزز التماسك الداخلي ورفع استعداد المجتمع لتحمل الأعباء. أما عسكرياً، فإن نجاح هذا النوع من الاستهداف يعتمد على قدرة الدولة المستهدفة على التعافي. فإذا كانت لديها شبكات بديلة، ومخزونات احتياطية، وقدرة سريعة على الإصلاح، فإن الضربة قد تحقق تأثيراً مؤقتاً فقط. أما إذا كانت الشبكات شديدة المركزية، فإن الأضرار قد تكون أكبر وأكثر استدامة.
يتجاوز السؤال الأخلاقي هنا التقييم القانوني المباشر. قد تكون هناك منشأة مرتبطة بالقدرة العسكرية للخصم، وقد يكون استهدافها مستوفياً لشروط معينة من الناحية القانونية، لكن ذلك لا يعني أن النتائج الإنسانية تصبح غير ذات صلة. فالقانون الدولي الإنساني نفسه يقوم على محاولة الحد من آثار الحرب، وليس فقط على تحديد ما إذا كان الهدف عسكرياً. ومن المنظور الأخلاقي، تصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما يكون الضرر واسع النطاق ومتوقعاً. قطع الكهرباء عن منطقة كبيرة خلال الشتاء، مثلاً، لا يعني فقط توقف الإضاءة؛ بل قد يعني تعطيل التدفئة، والمياه، والمستشفيات، وسلاسل التبريد، والاتصالات.
وقد حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 2026 من أن الهجمات على البنية التحتية المدنية الأساسية يمكن أن تعرض ملايين الأشخاص للخطر، مؤكدة أن الحرب التي تتجاوز القيود القانونية تحول آثار النزاع من صراع بين المقاتلين إلى معاناة واسعة للسكان. ومن ثم، فإن الفارق بين الهدف العسكري المشروع والنتيجة الإنسانية المقبولة يجب ألا يُطمس. فالهدف المشروع لا يمنح حصانة للوسيلة، ولا يلغي واجب تقدير الآثار المتوقعة.
التوصيات
– إدراج البنية التحتية الحيوية في خطط حماية وطنية واضحة، مع تحديد المنشآت الأكثر أهمية للكهرباء والمياه والصحة والاتصالات والنقل.
– اعتماد تقييم للأضرار المتسلسلة قبل العمليات التي يمكن أن تؤثر في منشآت مترابطة، بحيث لا يقتصر التقييم على المنشأة المستهدفة وحدها.
– تعزيز آليات التحقيق والمساءلة في الهجمات التي تلحق أضراراً واسعة بالمدنيين، مع توثيق طبيعة الهدف والميزة العسكرية المتوقعة والنتائج الفعلية.
– تطوير قنوات اتصال لحماية المنشآت شديدة الحساسية، ولا سيما المستشفيات ومحطات المياه والمنشآت النووية وشبكات الطاقة الضرورية لبقاء السكان.
– إدراج حماية البنية التحتية في المفاوضات الإنسانية ووقف إطلاق النار، وعدم التعامل معها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن حماية المدنيين.
– تحديث النقاش القانوني بشأن الهجمات السيبرانية، لأن تعطيل منشأة مدنية رقمياً قد يؤدي إلى نتائج مماثلة للهجوم المادي، خصوصاً في شبكات الطاقة والمياه والصحة.
**
3ـ حرب أوكرانيا ـ انتقال المعارك من الجبهات إلى العمق
تشهد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تحولًا كبيرًا في استراتيجية وتكتيكات المعارك، في ظل معطيات سياسية وعسكرية متعددة تتعلق بالدعم الغربي لأوكرانيا وجمود المفاوضات، الأمر الذي أدى لنقل المواجهات من الجبهات ونقاط التماس إلى العمق، مما جعل البنية التحتية هدفًا رئيسيًا في الهجمات بينهما. وتدريجيًا تحول هذا الهدف إلى سلاح استنزاف بدلًا من أداة ضغط في التفاوض، لذا تتجه التوقعات إلى طول أمد المعارك وتكبد طرفي الحرب خسائر مادية وبشرية، ما يعقد من مسار القتال وأي مباحثات مستقبلية.
البنية التحتية جزءًا من الاستراتيجية
ـ الهجمات الروسية على أوكرانيا: غيرت روسيا من خطتها العسكرية في حرب أوكرانيا منذ 2025، واختار الكرملين استراتيجيته الهجينة القسرية المصممة للعمل بجانب الدبلوماسية، لاسيما وأن المباحثات عادت في نفس التوقيت. ولا تريد روسيا التفاوض من أجل الحفاظ على السيادة الأوكرانية والاستقلال العسكري، إذ أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ديسمبر 2025، استعداد بلاده لحل جميع المهام الموكلة إليها عسكريًا.
تشير مؤسسة البحث الاستراتيجي الفرنسية، إلى أن روسيا بين عامي 2025 و2026، كثفت إنتاج الطائرات بدون طيار، وأدخلت أنظمة طائرات بدون طيار أسرع وأكثر استقلالية، قادرة على شن هجمات مكثفة ومستمرة ضد البنية التحتية الحيوية بأوكرانيا. وتنتج روسيا أكثر من (400) طائرة مسيرة من طراز “شاهد” يوميًا، وتخطط لرفع الإنتاج إلى (1000) طائرة يوميًا. تهدف هجمات الطائرات المسيرة إلى إرباك الدفاعات الجوية الأوكرانية، وفرض تكاليف إصلاح كبيرة على البنية التحتية وتحديدًا قطاع الطاقة.
تركز روسيا في العمليات العسكرية على الجهود الهجومية على البنية التحتية الشاملة لأوكرانيا بدلًا من ساحة المعركة، لتقويض قدرتها أوكرانيا العسكرية في الحرب وسياساتها في إدارة هذه القطاعات، لاسيما وأن القوات الروسية سيطرت فقط على (1%) من الأراضي الأوكرانية في 2025، ورغم التقدم العسكري البطيء، فإن الهجمات بالطائرات المسيرة جعلت القتال أكثر عنفًا مقارنة بالأعوام الثلاثة الماضية من عمر الحرب.

أطلقت روسيا في 2025، ما يقرب من (55) ألف طائرة هجومية بدون طيار “كاميكازي” على شبكات الطاقة والتدفئة وإمدادات المياه والإنتاج الصناعي، ما يمثل (5) أضعاف ما أطلقته في 2024. وألقت أكثر من (60) ألف قنبلة جوية و(2400) صاروخ على أنحاء مختلفة في أوكرانيا. ومنذ أكتوبر 2025، عُطلت أو دُمرت نحو (8.5) غيغاواط من قدرة توليد الطاقة في أوكرانيا.
مع دخول شتاء 2026، وسعت روسيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه، لزيادة الضغط على الحكومة الأوكرانية، وحرمان المدنيين من التدفئة في الشتاء. في 9 يناير 2026، شنت روسيا هجومًا كبيرًا على غرب أوكرانيا، بمئات المسيرات وعشرات الصواريخ من بينها صاروخ “أوريشنك” الباليستي القابل لحمل رؤوس نووية. وبعد (4) أيام شنت هجومًا آخر، بنحو (300) مسيرة و(18) صاروخًا باليستيًا و(7) صواريخ كروز، واستهدف هذا الهجوم الشبكة الكهربائية في (8) مناطق، وانخفضت القدرة التوليدية لأوكرانيا لنحو (14) غيغاواط في منتصف يناير 2026.
عقب انتهاء هدنة غير رسمية في 3 فبراير 2026، وبالتزامن مع محادثات في أبوظبي، وجهت روسيا ضربة بـ (450) مسيرة و(70) صاروخًا استهدفت كييف وخاركيف، ما تسبب في انقطاع التدفئة عن أكثر من (1170) مبنى سكنيًا في كييف، وأصبحت أوكرانيا غير قادرة على تلبية سوى (60%) من احتياجاتها من الكهرباء. خلال الأشهر السبعة الأولى في 2026، تم تدمير (32) محطة وقود و(5) منشآت إنتاج. وفي 21 يونيو 2026، استهدفت الهجمات جسورًا قرب سد زابوريجيا الكهرومائي، ومحطات ضغط الغاز في خاركيف.
ـ الهجمات الأوكرانية ضد روسيا: استهدفت الضربات الأوكرانية مصافي النفط والغاز، ومحطات الضخ وموانئ التصدير وخطوط الأنابيب، والجسور، مع تعطيل الإمدادات اللوجستية للقوات الروسية، معتمدة على صواريخ بعيدة المدى. في 9 و10 يناير 2026، ضربت مسيرات أوكرانية مستودع نفط في “فولغوغراد”، ما تسبب في انقطاع الكهرباء عن منطقة بيلغورود.
شنت أوكرانيا ضربة، في 23 مارس 2026، على محطة “بريمورسك” النفطية الرئيسية على بحر البلطيق ومصفاة “أوفا”. وكثفت هجماتها بالمسيرات ضد منشآت “أوست-لوغا” و”بريمورسك”، ومحاور تصدير نفطية. انخفض معدل تشغيل المصافي الروسية لأدنى مستوى منذ أكثر من (16) عامًا، جراء (21) ضربة أوكرانية على مصافٍ نفطية ومحطات تصدير وسفن ومحطات ضخ في أبريل 2026. استمرت الضربات الأوكرانية في مايو 2026، على منشآت نفطية في “كراسنودار وبيرم وأورينبورغ، بينها مصفاة توابسي”، ما أدى لخفض روسيا إنتاجها النفطي بنحو (300-400) ألف برميل يوميًا عن مستويات الربع الأول من العام.
ركزت أوكرانيا ضرباتها على (20) مصفاة ومحطة تصدير نفطية، لتخسر روسيا خمس طاقتها التكريرية من (5.2) مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى (3.8) مليون برميل يوميًا، لاسيما وأن مصفاة ياروسلافل، التي تعد من أكبر (5) مصافٍ في روسيا تعرضت لـ (4) ضربات منفصلة في شهر مايو فقط. وفي إطار التصعيد بينهما، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في يونيو 2026، عن حملة بالمسيرات والصواريخ لمدة (40) يومًا، ضد البنية التحتية للطاقة في القرم وسيفاستوبول.
في يوليو 2026، استهدفت مسيرات أوكرانية منطقة سان بطرسبرغ، مستهدفة محطة نفطية وميناء على بحر البلطيق، ووجهت ضربة على مصفاة “أومسك” أكبر مصفاة روسية وأكبر منتج للبنزين هناك، وتوقفت مصفاة “ساراتوف” عن العمل بعد ضربة مماثلة. وقدرت هيئة الأركان الأوكرانية أن (42%) من الطاقة التكريرية الروسية تعطلت، وأعلنت أن ثلثي المناطق الروسية تعاني من نقص الوقود. في أغسطس 2026، استمرت الهجمات على مصافٍ النفط في موسكو، ما أدى لحرائق وإغلاق طرق. ملف حرب أوكرانيا : العلاقات الأوروبية ـ الروسية، الانفتاح وحدود التقارب،قراءة استشرافية
المنشآت الحيوية هدف مركزي
ـ أهداف موسكو: تركز استراتيجية روسيا في الحرب حاليًا، على استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، وتدمير استقلالها في مجال الطاقة، وممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والنفسي على الحكومة الأوكرانية والمدنيين. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 4 يوليو 2026، ضرورة مواصلة الضربات المكثفة على البنية التحتية للمجمع الصناعي العسكري الأوكراني والمنشآت التي تدعم عمليات أوكرانيا، مشيرًا إلى تدمير (55) منشأة صناعية دفاعية بأوكرانيا في يونيو.
تستهدف روسيا شل الاقتصاد الأوكراني، وتقويض الثقة بين الأوكرانيين والحكومة الأوكرانية، بتعطيل القطاعات الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والصرف الصحي، مما يجعل المدن الأوكرانية غير صالحة للسكن ويدفع السكان للنزوح، ويزيد تكلفة الميزانية العامة، ويجعل عملية إصلاح المرافق الحيوية مكلفة، نظرًا لشدة الهجمات وتكرارها على نفس الأهداف. بين يونيو وديسمبر 2025، تم إجلاء ما يقرب من (150) ألف مدني من مناطق خط المواجهة بأوكرانيا، وفر أكثر من (600) ألف مدني من كييف مؤقتًا، لانقطاع التيار الكهربائي والتدفئة بشكل متكرر.
لم تستهدف روسيا أوكرانيا فقط بتكتيك “الاستنزاف الهيكلي الممنهج”، بل اعتزمت ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أوروبا، نظرًا لأنها الداعم العسكري الأول لأوكرانيا عقب تراجع الدعم الأمريكي، وتستضيف عدد من دول أوروبا ملايين اللاجئين. تشير حوادث اختراق الطائرات المسيرة للمجال الجوي الأوروبي منذ سبتمبر 2025، والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي “GPS”، وحالات التخريب المتعلقة بشبكات روسية، إلى توسيع روسيا هذه الاستراتيجية من أوكرانيا إلى باقي دول أوروبا.
ـ أهداف كييف: أوضح تقرير صادر عن منظمة “تراب أغريسور”، وكلية كييف للاقتصاد، والوكالة الوطنية لمكافحة الفساد في أوكرانيا، أن روسيا تزود جيشها بالموارد والأسلحة اللازمة، وتنقل الأفراد، وتزود المجمع الصناعي العسكري عبر شبكة من خطوط النقل، إضافة إلى أن البنية التحتية اللوجستية تمثل دورًا مهمًا في الالتفاف على العقوبات الغربية عبر الاستيراد الموازي، وطرق العبور عبر الدول الصديقة. وتدعم خطوط النقل البحرية والجوية والبرية الاقتصاد الروسي، حيث لاتزال صادرات الموارد الطبيعية أحد المصادر الرئيسية للناتج المحلي الإجمالي لروسيا.
أشارت منظمة “تراب أغريسور”، إلى أهمية البنية التحتية للطيران الروسي في الحرب، فيما يتعلق بالإمدادات اللوجستية والعملياتية، وتستخدم روسيا النقل الجوي لتزويد القواعد الجوية الاستراتيجية ومناطق العمليات بصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، ويوفر النقل الجوي المدني إمدادات من البضائع الخاضعة للعقوبات، بما في ذلك مكونات الأسلحة الغربية.
نظرًا لمواجهة أوكرانيا نقصًا في الأسلحة الثقيلة التقليدية، لجأت إلى الطائرات المسيرة بعيدة المدى لاستهداف البنية التحتية وخطوط النقل وطرق الإمدادات بروسيا. تستهدف أوكرانيا الجسور والتقاطعات ونقاط التحويل في عمق الأراضي الروسية، وتعد السكك الحديدية الروسية شريانًا رئيسيًا للإمدادات العسكرية الروسية. كثفت أوكرانيا هجماتها على مصافٍ النفط الروسية ومستودعات الوقود ومراكز الإمداد العسكري، ما يرهق الاقتصاد الروسي المعتمد على التصدير والذي يمول عملياتها العسكرية. تستهدف أوكرانيا جسور السكك الحديدية ومنشآت الطاقة في شبه جزيرة القرم، لعزل القوات الروسية عن قواعد الإمداد الرئيسية.
كيف أثرت الضربات على المجتمع الأوكراني؟
– انقطاع الخدمات: تسببت الهجمات شبه اليومية التي شنتها روسيا على البنية التحتية للطاقة في يناير 2026، وشملت (5) مناطق كبرى، في تدمير مكونات رئيسية في شبكة الطاقة في (17) منطقة إدارية وكييف. أصيبت (70%) من قدرات توليد الطاقة الحرارية والمائية بأوكرانيا على مدار عام. وتوقع مركز “DiXi Group” التحليلي الأوكراني، أن تصل الفجوة بين العرض والطلب على الكهرباء إلى ما بين (0.7- 2.4) غيغاواط.
– النزوح: قدرت منظمة الهجرة الدولية “IOM”، في فبراير 2026، أن (325) ألف عائد أوكراني معرضون لخطر النزوح مجددًا بسبب أزمة الطاقة، وأكثر من ثلثهم يفكرون بمغادرة البلاد مجددًا. بلغ عدد النازحين داخليًا (3.9) مليون شخص، ما يمثل (12.5%) من سكان أوكرانيا حتى مارس 2026. بقي ما بين (372- 400) ألف شخص نازح داخليًا من أصل (4.4) مليون عائد منذ بداية الحرب، لعدم قدرتهم على العودة لمنازلهم.
– التكيف المجتمعي: لجأت بعض الأسر إلى أنظمة التدفئة والإضاءة القديمة في المنازل، وأنشأت السلطات المحلية مراكز دافئة مزودة بالكهرباء والمياه والإنترنت، ليلجأ إليها السكان في حال الانقطاعات الطويلة. وزعت منظمات دولية مولدات ووقودًا ومحولات للمستشفيات، ومرافق التدفئة والمياه والملاجئ الجماعية، ورغم هذه الجهود تجاوزت الاحتياجات غير الملباة (90%) في المناطق الأمامية القريبة من القتال.
– الأعباء الاقتصادية: ارتفاع تكلفة الإنتاج في بعض القطاعات، نظرًا لأن تشغيل المولدات أغلى بنسبة (15%-20%) من الكهرباء العادية. أشارت منظمة الهجرة الدولية، في مايو 2026، إلى ارتفاع أعباء الإيجار وفواتير الخدمات على العائلات، بجانب تكاليف تدفئة إضافية. وحددت المفوضية الأوروبية ووزارة الطاقة الأوكرانية، احتياجات غير ممولة بقيمة (650) مليون يورو لصندوق دعم الطاقة الأوكراني قبل الشتاء المقبل. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD”، تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى (1.0%) في 2026، و(0.8%) في 2027، جراء ضربات البنية التحتية المدنية.
– تأثير الحرب على المدن والسكان: شهد 2025، أعلى حصيلة ضحايا من المدنيين منذ بداية الحرب، بنحو (2514) قتيلًا وأكثر من (12) ألف جريج، بزيادة (31%) عن 2024، و(70%) عن 2023، ليصل إجمالي القتلى المدنيين حتى منتصف يوليو 2026، إلى أكثر من (16,800) مدني، وفقًا لبعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. بلغ عدد من هم بحاجة للمساعدة بأوكرانيا (10.8) مليون شخص في 2026. شهدت المدن الكبرى مثل كييف وخاركيف انقطاعات طوارئ متكررة، أثرت على المدارس والمستشفيات. يؤدي تدهور الأوضاع الداخلية في المدن إلى صعوبة عودة اللاجئين لبلادهم، حيث لايزال (5.9) مليون لاجئ أوكراني بالخارج. حرب أوكرانيا ـ لماذا تسعى أوروبا في إعادة فتح قنوات التواصل مع روسيا؟
استهداف البنية التحتية الأوكرانية.. توحد المجتمع أم تفككه؟
– السيناريو الأول: تأثير الالتفاف حول الدولة
يشير تحليل لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في فبراير 2026، إلى أن استمرار التفاف الأوكرانيين حول فولوديمير زيلينسكي بعد (4) سنوات من الحرب، دليل على تماسك مجتمعي رغم الضغوط الخارجية من واشنطن، بجانب أن الشعور بالتهديد الخارجي جراء الضربات على البنية التحتية، يزيد الشعور بالانتماء لدى الأوكرانيين. وثقت تقارير الأمم المتحدة تضامنًا على المستوى المجتمعي، بانطلاق مبادرات مثل “نقاط الصمود” لمواجهة القصف الروسي.
– السيناريو الثاني: تآكل الثقة
أشارت استطلاعات معهد ” KIIS” إلى تراجع الثقة في زيلينسكي، من (90%) في 2022، إلى (65%) في يونيو 2025، ثم (58%) في أغسطس 2025، عقب أزمة قانون تقييد صلاحيات هيئات مكافحة الفساد. ثم تراوحت النسبة ما بين (58-61%) في مطلع 2026. وبظهور عملية “ميداس” واحدة من أكبر فضائح الفساد المالي وتحديدًا في قطاع الطاقة النووية الحكومية، أظهر استطلاع أن (59%) من الأوكرانيين يحملون زيلينسكي مسؤولية ما حدث، وأوضح استطلاع آخر أن (54%) من الأوكرانيين يعتبرون الفساد تهديدًا أكبر من الحرب. يرى الباحث السياسي فولوديمير إيشينكو، أن انتشار التهرب من التجنيد ورفض الأوكرانيين التضحية بأنفسهم، مؤشر على تآكل الثقة بين المواطنين والحكومة. حرب أوكرانيا ـ ما فرص التقارب بين روسيا والاتحاد الأوروبي؟
هل نجح استهداف البنية التحتية بأوكرانيا في تحقيق أهدافه العسكرية؟
أنهكت الضربات الروسية مخزون الصواريخ الاعتراضية الثمينة “باتريوت” في أوكرانيا، ورفعت تكلفة تشغيلية واستنزافية متصاعدة لقطاعات الطاقة والوقود والنقل، التي تدعم المجهود الحربي. دمرت الهجمات أكثر من (9) غيغاواط من القدرة التوليدية الحرارية والمائية، وتم استعادة أقل من النصف حتى أبريل 2026. وبعد عامين من الحرب، تم استعادة (5) غيغاواط من أكثر من (25) غيغاواط من القدرة التوليدية التي تضررت جراء الهجمات، بحسب معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن “EUISS“.
أوضح تحليل معهد “DIIS” الدنماركي، في يوليو 2026، تزايد قيود سلسلة الإصلاح من نقص المهندسين المتخصصين، وطول مهلة توريد المحولات الكهربائية عالية الجهد. ظهرت تحولات في الدعم الخارجي لكييف، إذ أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن بلاده تلقت في 2026 ثلث عدد صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، مقارنة بعام 2025. وأرسلت وزارة الدفاع الأوكرانية، في يوليو 2026، طلبًا لنحو (40) دولة لنقل مؤقت لصواريخ باتريوت من مخزوناتها.
كيف أثرت الضربات الأوكرانية على المجتمع الروسي؟
ـ انقطاع الخدمات: أدت الضربات على المصافي ومستودعات الوقود إلى اضطرابات في سوق الطاقة، إذ انخفضت صادرات المنتجات النفطية الروسية بحرًا في يوليو 2026 بنسبة 33.3% مقارنة بيونيو2026 ، و54.7% على أساس سنوي، مع تزايد القيود على بيع البنزين في عدد من المناطق
ـ النزوح والتكيف المجتمعي: دفعت الهجمات المتكررة في المناطق الحدودية السلطات الروسية إلى إجلاء سكان بعض المناطق وتعزيز الملاجئ والدفاعات الجوية وحماية المنشآت الحيوية. إلا أن حجم النزوح ظل محدودًا مقارنة بأوكرانيا، واقتصر تأثيره الأكبر على مناطق بيلغورود وكورسك وبريانسك.
ـ الأعباء الاقتصادية : تضرر قطاع التكرير بصورة متزايدة؛ إذ قدرت Reuters تعطّل نحو 700 ألف برميل يوميًا من طاقة التكرير الروسية خلال يناير ـ مايو 2026، بعد استهداف 16 مصفاة. وانخفض إنتاج البنزين في يوليو إلى نحو 65% من متوسط الطلب الموسمي، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من النقص تأثير الحرب على المدن والسكان : اتسع نطاق الضربات ليشمل منشآت تقع على مسافات بعيدة عن الحدود الأوكرانية؛ إذ تعرضت مصفاة Orsk لهجوم على بعد نحو 1,900 كم من الحدود، بينما طالت هجمات أخرى منشآت في تتارستان. ويعكس ذلك انتقال جزء من كلفة الحرب إلى العمق الروسي، وإن ظل تأثيره على الحياة اليومية أقل بكثير من الحالة الأوكرانية
يمكن أن تعزز الهجمات الشعور بوجود تهديد خارجي، وتدعم الرواية الرسمية الروسية بشأن ضرورة مواصلة الحرب وتشديد الإجراءات الأمنية. قد يؤدي تكرار وصول المسيّرات إلى العمق الروسي، وتعطل المطارات والطاقة وارتفاع أسعار الوقود، إلى زيادة التساؤلات حول قدرة الدولة على حماية أراضيها، خصوصًا إذا تحولت الاضطرابات المؤقتة إلى أزمات مستمرة.
استهداف البنية التحتية الروسية.. توحد المجتمع أم تفككه؟
السيناريو الأول: تأثر الالتفاف
أشارت استطلاعات رأي لمركز “ليفادا” إلى ثبات نسبة تأييد العمليات العسكرية في روسيا ما بين (66% إلى 72%)، وأن (59%) من الروس يرون أنه في حال عدم التوصل لسلام بشروط روسية، يجب على بلادهم تكثيف الضربات المضادة. بحسب دراسات مؤسسة “Open Mind” ينظر أكثر من ثلثي الروس إلى الهجمات عبر الحدود واستهداف المنشآت كحرب نفسية، ما يدفعهم للاقتناع برواية الحكومة الروسية بشأن حماية أمنهم. أوضح استطلاع “ليفادا” في فبراير 2026، أن أغلب الروس أيدوا ضربات الجيش الروسي على البنية التحتية للطاقة بأوكرانيا. رغم تعرض سكان المناطق الحدودية مثل “كورسك” و”بيلغورود” لهجمات، فإن روسيا لم تفقد دعمهم للحرب.
السيناريو الثاني: تآكل الثقة
أدى تدهور تقييم الوضع الاقتصادي بروسيا منذ مطلع 2026، إلى انخفاض نسبة المستطلعين الذين أفادوا بتحسن أوضاعهم المالية من (20%) إلى (13%)، وتضاعفت نسبة من أفادوا بتدهور أوضاعهم من (20%) إلى (41%) خلال الفترة (يناير 2024- مارس 2026) بحسب استطلاع “إكستريم سكان”. وفقًا لاستطلاع لمؤسسة “غالوب”، تحولت النظرة الروسية للاقتصاد إلى نظرة سلبية، وقال (60%) بين مارس ومايو 2026 إن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءًا.
بحسب استطلاع لمعهد دراسات الصراع وتحليل روسيا “IKAR”، دعم (81%) من المشاركين إنهاء الحرب، بالتزامن مع انخفاض الثقة في الجيش الروسي بمقدار (13) نقطة لتصل إلى (66%)، وتراجعت الثقة في الحكومة بمقدار (14) نقطة لتصل إلى (53%)، وفي نزاهة الانتخابات بمقدار (16) نقطة لتصل إلى (40%). وسجل مركز “ليفادا” انخفاضًا لنسبة تأييد بوتين من (87%) في أغسطس 2025، إلى (79%) في أبريل 2026.
هل نجحت الضربات الأوكرانية في العمق الروسي في تحقيق أهدافها العسكرية؟
ألحقت الضربات أضرارًا ملموسة بقطاع الطاقة؛ إذ تعطلت نحو 700 ألف برميل يوميًا من طاقة التكرير خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، فيما خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لإنتاج النفط الروسي لعام 2026 إلى نحو 8.9 مليون برميل يوميًا . ومع ذلك، تمكنت روسيا في حالات عديدة من إعادة تشغيل المنشآت أو إعادة توزيع الإنتاج، ما يشير إلى أن التأثير الأبرز حتى الآن يتمثل في رفع تكلفة الحرب واستنزاف الموارد وتعطيل الإنتاج مؤقتًا، أكثر من إحداث شلل استراتيجي للاقتصاد الروسي.
الحرب المقبلة: هل ستكون أكثر اعتمادًا على استهداف العمق؟
تتجه التوقعات إلى أن أي حرب مستقبلية في أوروبا ستركز على المسيرات بعيدة المدى. ويقول الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، إن “المسيرات غيرت طبيعة الحرب الحديثة، وأصبحت عاملًا حاسمًا في المعارك”، وأعلن في 7 يوليو 2026، مبادرة “حافة الطائرات المسيرة” باستثمارات تزيد عن (40) مليار دولار خلال (5) سنوات لتعزيز قدرات مواجهة المسيرات. بلغت شركات إنتاج المسيرات بأوكرانيا في 2022 نحو (41) شركة، ووصلت إلى (183) شركة في 2024، بإنتاج (4.5) مليون مسيرة في 2025.
حذر معهد ” CEPA” من أن أوروبا ليست جاهزة للمرحلة القادمة من حرب المسيرات، وأن ضرب البنية التحتية لروسيا بمسيرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي بهدف التعطيل أكثر من التدمير الكامل. وطالب مستشار البرلمان البريطاني السابق أليستير كارنز، أوروبا بالاستعداد لتكرار نمط الاستهداف بالمسيرات بعيدة المدى. وخلصت دراسة لمعهد ” Ifri” الفرنسي، إلى أن الدفاع الجوي الحديث يجب أن يعطي الأولوية لضبط التكلفة والتكامل بين أنظمة بسيطة متعددة، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الأسلحة عالية التقنية، نظرًا لأن الدفاع الجوي الأوروبي يعاني من التكلفة غير المستدامة أمام الأزمات الاقتصادية الحالية، موضحة تطور المسيرات عبر (8) مراحل خلال (4) سنوات من أدوات بسيطة إلى أنظمة أسلحة مدعومة جزئيًا بالذكاء الاصطناعي.
رصدت خدمة الاستخبارات والتحليل الأمني التابعة لشركة “دراغون فلاي”، (23) هجومًا سيبرانيًا ناجحًا على قطاع الطاقة الأوروبي منذ بداية الحرب وحتى أكتوبر 2024. وعطل هجوم سيبراني روسي مشتبه به، المراقبة عن بعد لـ (5,800) توربين رياح ألماني عبر اختراق شبكة أقمار “KA-SAT”. واتهمت بولندا روسيا بشن هجوم سيبراني على شبكة الطاقة البولندية في ديسمبر 2025، ما كان قد يتسبب في ترك نصف مليون شخص بلا تدفئة. وصنف تقرير ميونيخ للأمن 2026، الهجمات السيبرانية والبنية الرقمية والطاقة كالتهديد الأول لدول مجموعة السبع. حرب أوكرانيا ـ أين تقف أوروبا والناتو بين التصعيد العسكري ومفاوضات السلام؟
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– يشهد استهداف البنى التحتية في الحروب الحديثة المزيد من التعقيد، مع تداخل المجالات العسكرية والاقتصادية والرقمية والمدنية، يؤدي هذا التداخل الشامل إلى تحويل الخدمات إلى سلاح استراتيجي عابر للحدود، يهدف زيادة الضغوطات على متخذ القرار وإنهاك خطوط الدفاع.
– من المرجح أن تصبح شبكات الطاقة والاتصالات ومراكز البيانات والأقمار الصناعية وسلاسل الإمداد أكثر حضورًا في الحسابات العسكرية، باعتبارها نقاط ارتكاز يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى التأثير في قدرة الدولة على مواصلة الحرب وإدارة اقتصادها وخدماتها الأساسية.
– من المتوقع أن تتزايد أهمية مفهوم “الحرب على العمق”، بحيث لا تعود المسافة عن خطوط المواجهة معيارًا كافيًا للحماية. فانتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى والقدرات السيبرانية يتيح الوصول إلى أهداف استراتيجية في مناطق كانت تُعد سابقًا بعيدة عن دائرة الخطر.
– من المحتمل أن يدفع استهداف النى التحتية الدول إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وإعادة توزيع منشآتها الحيوية، وتطوير شبكات أكثر مرونة وقدرة على العمل في ظروف الاستهداف المستمر. وأن تصبح حماية البنية التحتية الحيوية جزءًا أساسيًا من سياسات الأمن والدفاع
– يمكن القول أن التحول في طبيعة الحروب الحديثة سيضع الدول أمام معادلة صعبة بين الضرورات العسكرية وحماية المدنيين. فكلما زاد اعتماد المجتمعات على البنى التحتية الرقمية والمادية، ارتفعت تكلفة تعطيلها إنسانيًا واقتصاديًا.
**
– تشير الاتجاهات المسجلة خلال 2026 إلى انتقال واضح من استهداف المنشآت الكبرى وحدها إلى محاولة التأثير في الشبكات نفسها، بما فيها المحطات الفرعية ومراكز التوزيع والمنشآت اللوجستية. وهذا يعني أن “جبهة البنية التحتية” قد تصبح أكثر انتشاراً وأقل وضوحاً من الجبهة العسكرية التقليدية.
ـ من المرجح أن تتحول البنية التحتية الحيوية بصورة متزايدة إلى إحدى أهم ساحات الصراع في الحروب المقبلة، لكن ليس بالضرورة عبر القصف التقليدي وحده. فالتطور المتزامن في الطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والقدرات السيبرانية، وأنظمة الاستطلاع والاستهداف، يتيح للقوى المتحاربة التأثير في شبكات الطاقة والنقل والاتصالات من مسافات بعيدة وبكلفة أقل نسبياً من العمليات البرية واسعة النطاق.
– أما على المستوى القانوني، فمن المرجح أن يزداد النقاش حول الحاجة إلى قواعد أكثر تفصيلاً بشأن البنى التحتية الحيوية، ولا سيما تلك التي تؤدي وظيفة مزدوجة. وقد يكون السؤال المستقبلي ليس بالضرورة إنشاء “قواعد جنيف جديدة”، وإنما تطوير تفسيرات وممارسات أكثر دقة للقواعد القائمة، بحيث تأخذ في الحسبان طبيعة الشبكات الحديثة وترابطها والأضرار المتسلسلة التي يمكن أن تنتج عن تعطيل نقطة واحدة منها.
ـ وتكمن المفارقة الأساسية في أن نجاح الدولة في حماية بنيتها التحتية لن يعتمد فقط على الدفاعات العسكرية، وإنما على قدرتها على بناء منظومة مدنية مرنة تستطيع امتصاص الضربة، وتقليل آثارها، واستعادة الخدمات بسرعة. وبذلك، قد يصبح الصمود أمام استهداف البنية التحتية أحد أهم مؤشرات القوة الوطنية في حروب المستقبل، إلى جانب القوة العسكرية التقليدية.
– وفي المقابل، ستدفع هذه التطورات الدول إلى الاستثمار بصورة أكبر في المرونة الوطنية: تعدد مصادر الطاقة، وتوزيع منشآت الخدمات، والاحتياطيات الاستراتيجية، والقدرة السريعة على الإصلاح، وشبكات الاتصال البديلة، والحماية السيبرانية.
**
– يُفسر تغير استراتيجية روسيا من المعارك التقليدية على الجبهات إلى استهداف البنية التحتية الأوكرانية، والقصف بالمسيرات ضد مدن مثل كييف وخاركيف، إلى إدراك القيادة العسكرية الروسية صعوبة السيطرة على مساحات شاسعة في أوكرانيا كما حدث في بداية الحرب، لاسيما وأن هذه التحركات العسكرية أكثر تكلفة وتُكبد الجيش الروسي خسائر كبيرة، بجانب أن الحرب تحولت لمعارك استنزاف، وتسعى روسيا لكسب الوقت وتشتيت انتباه دول أوروبا قبل العودة لأي محادثات مستقبلية.
– من المتوقع أن روسيا ستشن هجمات أوسع على أهداف استراتيجية في أوكرانيا خلال 2026 و2027، لتعطيل أي محاولات إصلاح البنية التحتية المدمرة، ولزيادة الأعباء على الحكومة الأوكرانية قبل فصل الشتاء.
– من المرجح أن توظف روسيا الهجمات المتكررة على البنية التحتية في أوكرانيا، لإثارة غضب الأوكرانيين وتأجيج الاحتجاجات، ما يعني السير في مسارين: الأول يتعلق بإدارة الحرب وتغير التكتيكات العسكرية، والثاني يتعلق بتغيير الحكومة الحالية إلى حكومة موالية ومقربة من روسيا، ما يصب في صالح روسيا في أي مفاوضات مقبلة.
– ستكثف أوكرانيا من هجماتها بالمسيرات على المواقع العسكرية والصناعية والجسور وطرق النقل، ويعد نقل الهجمات إلى العمق الروسي استهدافًا خطيرًا في الحرب، للإضرار بإيرادات موسكو النفطية ولتغيير الصورة الثابتة المتعلقة بأن روسيا الأقرب للانتصار والمتحكم الأوحد في خيوط المعادلة السياسية والعسكرية في هذه الحرب.
– تشير الاتهامات الموجهة من قبل روسيا إلى بريطانيا، بشأن استخدام أوكرانيا مسيرات بريطانية لضرب العمق الروسي، إلى احتمالية توسع التوترات بين روسيا وأوروبا، والابتعاد عن أي فرص للتفاوض، واتجاه الأمور إلى مزيد من التصعيد الأشهر المقبلة.
– يعد استهداف روسيا للبنية التحتية الأوكرانية، مجرد اختبار لاستراتيجية الهجمات الهجينة التي يمكن أن تصدرها لباقي دول أوروبا، لتقويض الدعم المستمر لأوكرانيا، وزعزعة الاستقرار بالمجتمعات الأوروبية.
ـ من المرجح أن تستمر أوكرانيا في استهداف قطاع الطاقة والمصافي الروسية باعتباره وسيلة لرفع كلفة الحرب والضغط على الاقتصاد الروسي، خصوصًا مع ظهور نقص متجدد في الوقود واتساع نطاق القيود على بيعه في عدد من المناطق.
ـ من المستبعد أن تؤدي هذه الضربات بمفردها إلى إحداث شلل في الاقتصاد الروسي؛ إذ لا يزال قطاع النفط قادرًا على التكيف من خلال إعادة توزيع الإنتاج، وزيادة تدخل الدولة، واستيراد بعض المشتقات النفطية. لكن استمرار الضربات لفترة طويلة قد يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع تكاليف الإصلاح، وتراجع كفاءة قطاع التكرير، وزيادة الأعباء على الموازنة الروسية.
– تتراوح سيناريوهات الحرب المقبلة في أوروبا بين ثلاثة سيناريوهات، الأول يتعلق بأن تكبد روسيا وأوكرانيا خسائر كبيرة جراء الهجمات على البنية التحتية الحيوية، يجبر الطرفان على التراجع بشكل مؤقت عنها، ويمنع أن تركز أي حرب محتملة على هذه الأهداف، ويتجه السيناريو الثاني إلى أن تصبح قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات أهدافًا رئيسيًا في أي حروب مقبلة، ويشير السيناريو الثالث إلى تداخل الضربات العسكرية التقليدية مع الهجمات السيبرانية والتضليل الاقتصادي، ما يعني أن البنية التحتية ستصبح جزءًا في أي حرب شاملة محتملة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123351
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Trump’s Iran strategy depends on economic pain. The pain is mounting
https://tinyurl.com/bdhjefnz
The New Nature of War Has Changed the Foundations of Global Security: The Ukrainian Experience and the Future World Order
https://tinyurl.com/mvkwhf82
Wars in cities: three rules for protecting the built environment during conflict
https://tinyurl.com/4p56f5v6
Iran war risks long-term toxic legacy for people and nature
https://tinyurl.com/4kkxremh
**
Russian missile attack kills 10 in northeast Ukraine, Zelenskiy vows response
Russian drones swarm smaller Ukrainian power stations, data shows
Ukraine war briefing: Russian campaign to ‘weaponise winter’ under way
Middle East: Indiscriminate warfare is indefensible and incompatible with law
Protection of Civilians in Armed Conflict — June 2026
**
Russia launches ‘brutal’ attack on Ukraine as peace talks continue
From attrition to coercion: Russia’s strategy in Ukraine
Ways of war: the role of Russian infrastructure in the war against Ukraine
3.9 Million People Displaced in Ukraine as Families Struggle to Cope, IOM Report Finds
Moscow’s fuel stations limit sales amid shortages
Second wave of fuel shortages at petrol stations sweeps across Russia
Ukrainian attack shuts Russia’s Orsk refinery for months, causing fuel problems

