المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب أوكرانيا ـ ما انعكاسات الانقسام الأوروبي على فرص الحوار مع موسكو؟
لا تزال مسألة الانخراط المباشر للاتحاد الأوروبي مع روسيا لإنهاء حرب أوكرانيا تثير انقسامًا حادًا بين الدول الأعضاء، وسط تباين واضح بشأن جدوى الحوار مع موسكو في المرحلة الحالية، وما إذا كانت فوائده السياسية والدبلوماسية ستتجاوز مخاطره المحتملة على وحدة الموقف الأوروبي.
غياب التوافق السياسي بين العواصم الأوروبية
يواصل الاتحاد الأوروبي محاولاته لتحديد ما إذا كان ينبغي له فتح قنوات تواصل مباشرة مع روسيا، وكيف ومتى يمكن القيام بذلك لدفع مسار المفاوضات نحو سلام دائم في أوكرانيا، إلا أن غياب التوافق السياسي بين العواصم الأوروبية لا يزال يمثل عقبة رئيسية أمام أي تحرك موحد. برزت الانقسامات بوضوح خلال اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين الذي عقد في 11 مايو 2026 في بروكسل، حيث دعا عدد من الوزراء إلى تشديد العقوبات على موسكو بدلًا من الانخراط في حوار مباشر معها. تقول وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرجارد لدى وصولها إلى الاجتماع إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “غير مهتم فعلًا بمحادثات سلام حقيقية”، مضيفة أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى “ممارسة مزيد من الضغط على روسيا لتغيير حساباتها وجعلها مهتمة”.
الغموض حول طبيعة الحوار مع موسكو
تساءل وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس عن طبيعة أي حوار محتمل مع موسكو، قائلًا: “ما الذي سنناقشه؟ وما هي مطالبنا؟ وهل يمكننا الاتفاق أصلًا على مطالبنا من روسيا؟ وما هي استراتيجيتنا وجدول أعمالنا؟ وما النتيجة النهائية؟”، معتبرًا أن الأمر “ليس حوارًا بالمعنى الحرفي للكلمة”. في المقابل، رأى وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني أن الاتحاد الأوروبي “ليس في حالة حرب” مع روسيا، وأن من “المهم” أن يكون جزءًا من المفاوضات الجارية، بينما أشارت وزيرة الخارجية النمساوية بيات مينل رايزينجر إلى أن الوقت قد حان لكي يصبح الأوروبيون “مشاركين فاعلين” عبر فريق تفاوضي خاص بهم. أما وزيرة الخارجية الفنلندية إيلينا فالتونين فأكدت أن الأوروبيين “عليهم اتخاذ قرارهم” بشأن هذه المسألة.
ما هي أوجه التوافق؟
ورغم استمرار الانقسامات، اتفق الوزراء الأوروبيون على نقطة واحدة تمثلت في ضرورة أن يختار الاتحاد الأوروبي بنفسه أي مبعوث محتمل للحوار مع موسكو. وفي هذا السياق، رفضت العواصم الأوروبية بشكل قاطع اقتراح الكرملين بتعيين المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، المعروف بعلاقاته مع شركات الطاقة الروسية، مبعوثًا أوروبيًا. في ختام الاجتماع، أقرت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاجا كالاس بأن الملف لا يزال بحاجة إلى مزيد من النقاش بين الحكومات الأوروبية. وقالت كالاس: “لطالما دعم الاتحاد الأوروبي محاولات تحقيق سلام عادل ودائم”، مضيفة: “لكي تضطلع أوروبا بدور أكثر فاعلية، يجب أن نتفق فيما بيننا على ما نريد التحدث عنه مع روسيا وما هي خطوطنا الحمراء”.
وكانت كالاس، التي سبق أن اعتبرت أن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن “يذل” نفسه بالسعي إلى محادثات مباشرة مع روسيا، قد حاولت تقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء من خلال إعداد مسودة وثيقة تتضمن التنازلات التي ينبغي أن تقدمها موسكو. ومن المقرر أن تناقش الوثيقة السرية خلال اجتماع غير رسمي لوزراء الخارجية الأوروبيين في قبرص، إلا أن التباينات الواسعة بين الدول الأعضاء تجعل من الصعب التوصل إلى موقف موحد في المستقبل القريب. أكدت كالاس أن الاتحاد الأوروبي “ليس مستعدًا بعد للدخول في مفاوضات بأي شكل من الأشكال”، مشيرة إلى أن التكتل “لا يرى في الوقت الراهن أن روسيا تتفاوض بحسن نية”.
مستقبل الأمن الأوروبي لا يمكن تركه للولايات المتحدة
عادت مسألة الانخراط المباشر مع موسكو إلى واجهة النقاش الأوروبي منذ أن أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل منفرد مسارًا دبلوماسيًا لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وخلال العام 2026، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أجرى آخر اتصال مع بوتين في يوليو 2025، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى مراجعة السياسة الأوروبية، معتبرين أن مستقبل الأمن الأوروبي لا يمكن تركه بالكامل للولايات المتحدة. غير أن الزخم تراجع بعد زيارة مستشار ماكرون، إيمانويل بون، إلى الكرملين لإجراء محادثات استكشافية، دون تحقيق نتائج ملموسة.
أوروبا يجب أن تكون حاضرة في أي محادثات مع روسيا
لكن الملف عاد مجددًا إلى الواجهة على خلفية التصعيد في الشرق الأوسط، الذي أدى إلى تحويل تركيز واشنطن وإبطاء جهود الوساطة المتعلقة بالحرب في أوكرانيا. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال قمة عقدت في أرمينيا، الأوروبيين إلى لعب دور أكثر فاعلية، قائلًا: “نحن بحاجة إلى صيغة دبلوماسية قابلة للتطبيق، ويجب أن تكون أوروبا حاضرة في أي محادثات مع روسيا”، مضيفًا أنه سيكون من “الجيد تطوير صوت أوروبي موحد للمحادثات مع روسيا”. أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا وجود “إمكانية” لإجراء مفاوضات مباشرة بين الاتحاد الأوروبي والكرملين. وقال كوستا، خلال فعالية في فلورنسا الإيطالية: “أتحدث مع القادة الوطنيين الـ27 لمعرفة أفضل طريقة لتنظيم أنفسنا وتحديد ما نحتاج إلى مناقشته بشكل فعال مع روسيا عندما يحين الوقت المناسب لذلك”.
النتائج
– تتزايد الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل العلاقة مع روسيا وإمكانية الانخراط المباشر معها لإنهاء حرب أوكرانيا، في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والأمنية على القارة الأوروبية. وبينما تدعو بعض العواصم إلى تشديد العقوبات ومواصلة الضغط على موسكو، ترى أطراف أخرى أن أوروبا مطالبة بلعب دور تفاوضي أكثر استقلالًا عن واشنطن.
– تكشف التحركات الأوروبية الأخيرة أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام لحظة مفصلية تتعلق بمستقبل دوره الجيوسياسي في الحرب الأوكرانية. فمع تراجع الزخم الأمريكي نسبيًا نتيجة انشغال واشنطن بملفات الشرق الأوسط، تجد العواصم الأوروبية نفسها مضطرة لإعادة تقييم استراتيجيتها تجاه موسكو، خصوصًا مع تنامي المخاوف من تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد يستنزف القدرات الاقتصادية والعسكرية للقارة.
– من المرجح أن تتبلور كتلتان داخل الاتحاد الأوروبي: الأولى تقودها دول شرق أوروبا ودول البلطيق، وتتمسك بمواصلة الضغوط والعقوبات على روسيا باعتبار أن أي حوار مبكر قد يمنح موسكو فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. أما الثانية، التي تميل إليها فرنسا وإيطاليا وبعض القوى الأوروبية الغربية، فستواصل الدفع نحو فتح قنوات اتصال سياسية ودبلوماسية تضمن حضور أوروبا في أي تسوية مستقبلية، بدلًا من ترك الملف بالكامل للولايات المتحدة.
– يظل نجاح أي مسار تفاوضي أوروبي سيظل مرهونًا بقدرة الاتحاد على بناء موقف موحد، وهو أمر يبدو معقدًا في ظل تباين المصالح والرؤى الأمنية بين الدول الأعضاء. كما أن موسكو قد تستثمر هذه الانقسامات لتعزيز نفوذها السياسي داخل أوروبا وإضعاف وحدة الموقف الأوروبي.
– قد يدفع استمرار الحرب وتباطؤ المسار الدبلوماسي بعض العواصم الأوروبية إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على “إدارة الصراع” بدلًا من حسمه سريعًا، خاصة إذا استمرت الضبابية حول مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا. وعليه، فإن العام 2026 قد يشهد تحولات تدريجية في الخطاب الأوروبي من سياسة العزل الكامل لروسيا نحو اختبار مسارات تفاوضية مشروطة وحذرة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118402
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
