المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب أوكرانيا ـ ما احتمالية تعيين “ممثل أوروبي” للتفاوض مع روسيا؟
يشهد الموقف الأوروبي تجاه روسيا حالة من الترقب السياسي الحذر، في ظل استمرار حرب أوكرانيا وتزايد الحديث داخل المؤسسات الأوروبية عن شكل العلاقة المستقبلية مع موسكو بعد أكثر من 3 أعوام من المواجهة المفتوحة. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، لتؤكد أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يربط أي حوار مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بما وصفه بـ”اللحظة المناسبة”، في إشارة واضحة إلى أن الظروف السياسية والدبلوماسية الحالية لا تزال غير مؤهلة لإطلاق مفاوضات أوروبية مباشرة مع الكرملين.
كوستا لا يستبعد إجراء محادثات مع موسكو
أوضح كوستا في التاسع من مايو 2026 إن الاتحاد الأوروبي لا يستبعد إجراء محادثات مع روسيا في المستقبل، لكنه شدد على أن توقيت هذه الخطوة يبقى العامل الحاسم. وأضاف أن الاتحاد الأوروبي لا يريد إرباك أو تعطيل المبادرات السياسية التي تقودها الولايات المتحدة، وخاصة التحركات التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ما يتعلق بملف حرب أوكرانيا وإمكانية التوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار. بدت تصريحات كوستا بمثابة توضيح لما كان قد أعلنه، عندما تحدث عن “إمكانية” إجراء محادثات سلام بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، موضحًا آنذاك أن أوكرانيا أبدت دعمها لمشاركة أوروبية محتملة في أي مسار تفاوضي مستقبلي. وقد اعتبرت بعض الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية، أن تصريحاته السابقة قد تعكس استعدادًا أوروبيًا متزايدًا للانخراط المباشر في عملية تفاوض مع موسكو، خاصة مع استمرار حالة الجمود العسكري على الجبهات الأوكرانية.
الأولوية لا تزال لدعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا
إلا أن كوستا حرص هذه المرة على وضع إطار أكثر حذرًا لتلك التصريحات، مؤكدًا أن الاتحاد الأوروبي لا يسعى إلى فتح قنوات تفاوض مستقلة مع روسيا بعيدًا عن التنسيق الغربي العام، وأن الأولوية لا تزال لدعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا، بالتوازي مع منح المسار الأمريكي فرصة كاملة للتحرك. أعاد كوستا التأكيد على أن أوروبا تدرك أنها ستحتاج مستقبلًا إلى التحدث مع روسيا حول قضايا الأمن الأوروبي المشترك، لكنه شدد على أن الوقت الحالي ليس مناسبًا لذلك. وقال: “نحن بحاجة في الوقت المناسب إلى إجراء محادثات مع روسيا لمعالجة قضايا الأمن المشتركة بيننا”. وهي العبارة ذاتها التي كان قد استخدمها في مارس 2026، ما يعكس وجود توجه أوروبي ثابت يرى أن التواصل مع موسكو سيصبح حتميًا في مرحلة ما، بغض النظر عن طبيعة الخلافات الحالية.
الاتحاد الأوروبي لا يعرقل المبادرات الأمريكية
يعكس هذا الطرح إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن حرب أوكرانيا ليست مجرد أزمة عابرة، بل تحوّل استراتيجي طويل المدى سيعيد تشكيل النظام الأمني في القارة الأوروبية. ولذلك، فإن جزءًا من النخبة السياسية الأوروبية بدأ يتحدث عن ضرورة التفكير في ترتيبات أمنية مستقبلية تشمل روسيا بشكل أو بآخر، حتى وإن ظل هذا النقاش بعيدًا عن التنفيذ العملي في الوقت الراهن. وأكد كوستا أن الاتحاد الأوروبي لا يريد أن يُنظر إليه باعتباره طرفًا يعرقل المبادرات الأمريكية، خاصة في ظل وجود اتصالات متزايدة بين واشنطن وموسكو. وتابع كوستا إن الاتحاد الأوروبي “ينتظر ولكنه مستعد للقيام بما نحتاج إلى القيام به” فيما يتعلق بأمن أوروبا، في إشارة إلى أن بروكسل تتابع التطورات الحالية بحذر وتستعد لاحتمالات متعددة، سواء استمرت الحرب أو ظهرت فرص فعلية للتفاوض.
التناقض داخل التفكير الأوروبي
أوضح أحد المسؤولين الأوروبيين أن تصريحات كوستا لا تعني تغييرًا في الموقف الأوروبي، بل تنسجم مع ما كان يطرحه سابقًا بشأن ضرورة إجراء حوار مستقبلي مع روسيا في مرحلة معينة. وأضاف المسؤول أن الاتحاد الأوروبي يعتبر القضية “وجودية بالنسبة لأوروبا”، لأن أمن القارة لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة مع موسكو، حتى في ظل التوترات. وقال المسؤول الأوروبي: “سيأتي وقت يحتاج فيه الاتحاد الأوروبي إلى التحدث مع روسيا لأنها قضية مهمة بالنسبة لأوروبا. الآن ليس الوقت المناسب لذلك”. وتعكس هذه العبارة حجم التناقض داخل التفكير الأوروبي الحالي، حيث يجري الجمع بين دعم أوكرانيا والاستعداد الطويل الأمد لمواجهة روسيا من جهة، والإقرار بأن التواصل مع موسكو سيظل ضرورة جيوسياسية من جهة أخرى.
ممثل خاص” يتولى التفاوض مع بوتين
عاد الحديث داخل الأوساط الأوروبية حول إمكانية تعيين “ممثل خاص” يتولى التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إذا توفرت الظروف المناسبة لمحادثات سلام مستقبلية. وقد طُرحت هذه الفكرة مرارًا خلال العام 2025 داخل دوائر الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن وجود شخصية أوروبية موحدة قد يمنح بروكسل وزنًا تفاوضيًا أكبر ويمنع تعدد المواقف بين الدول الأعضاء. ورغم أن الحماس لهذه الفكرة تراجع نسبيًا، إلا أن بعض المسؤولين الأوروبيين لا يزالون يرون فيها خيارًا عمليًا في حال تطورت المفاوضات الدولية بشأن أوكرانيا. وفي هذا الإطار، تقول أريانا بوديستا، نائبة المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية الأوروبية، إن هناك “جدوى في وجود شخصية واحدة تتحدث باسم الدول الـ27″، في إشارة ضمنية إلى ضرورة توحيد الخطاب الأوروبي تجاه روسيا.
ربط بعض الخبراء هذه التصريحات بإمكانية أن تتولى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذا الدور مستقبلًا، خاصة أنها تُعد من أبرز الشخصيات الأوروبية حضورًا في ملف حرب أوكرانيا منذ بدايتها. إلا أن بوديستا لم تؤكد وجود أي خطة رسمية بهذا الشأن، كما شددت على أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب ممثل أوروبي موحد، بل في غياب الاستعداد الروسي الجاد للدخول في مفاوضات سلام حقيقية. وأضافت أن موسكو لا تُظهر حتى الآن أي اهتمام فعلي بالتوصل إلى اتفاق سلام، معتبرة أن الموقف الروسي لا يزال يعتمد على استمرار الضغوط العسكرية وتحقيق مكاسب ميدانية بدلًا من الانخراط في تسوية سياسية شاملة.
واشنطن لا تزال اللاعب الأكثر تأثيرًا
جددت الخدمة الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي دعمها الكامل للمحادثات التي تقودها الولايات المتحدة مع روسيا، رغم أن الاتحاد الأوروبي لا يشارك بشكل مباشر فيها . ويعكس هذا الموقف إدراكًا أوروبيًا بأن واشنطن لا تزال اللاعب الغربي الأكثر تأثيرًا في إدارة العلاقة مع موسكو، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. قال مسؤول أوروبي رفيع المستوى إن روسيا لا تُظهر “أي رغبة على الإطلاق في الانخراط بجدية” في أي مسار حقيقي لوقف إطلاق النار أو التوصل إلى سلام عادل ومنصف. وأضاف أن التركيز الأوروبي ينصب على دعم العملية السياسية التي تقودها الولايات المتحدة والعمل على تعزيز فرص نجاحها. يأتي ذلك في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن من مايو 202أن هناك اتفاقًا على وقف لإطلاق النار لمدة ثلاثة أيام في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهي الخطوة التي أثارت ردود فعل دولية واسعة، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت تمثل بداية فعلية لمسار تفاوضي أوسع أم مجرد هدنة مؤقتة مرتبطة بحسابات ميدانية وسياسية.
مخاوف من تهميش الدور الأوروبي
يرى مراقبون أن الاتحاد الأوروبي يحاول خلال هذه المرحلة الحفاظ على توازن دقيق بين عدة اعتبارات متناقضة. فمن جهة، لا يريد الظهور بمظهر الطرف المنقسم أو الضعيف أمام روسيا، ومن جهة أخرى يدرك أن أي تسوية مستقبلية للحرب لن تكون ممكنة دون مشاركة أوروبية، خاصة أن تداعيات الحرب تمس الأمن والطاقة والاقتصاد الأوروبي بشكل مباشر. كما تخشى بعض العواصم الأوروبية من أن يؤدي أي تفاهم أمريكي روسي منفرد إلى تهميش الدور الأوروبي في تحديد مستقبل الأمن داخل القارة، وهو ما يدفع بروكسل إلى محاولة إبقاء الباب مفتوحًا أمام دور أوروبي محتمل في أي مفاوضات مستقبلية.
انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي
لا تزال هناك انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع روسيا. فبينما تدعو بعض الدول الشرقية، مثل بولندا ودول البلطيق، إلى استمرار سياسة الضغط والعقوبات وعدم تقديم أي تنازلات لموسكو، تميل بعض القوى الأوروبية الأخرى إلى التفكير في ضرورة إعادة بناء قنوات الاتصال مع الكرملين على المدى الطويل، خصوصًا إذا استمرت الحرب دون حسم واضح. ويبدو أن هذه الانقسامات ستبقى حاضرة، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية والأمنية داخل أوروبا، وارتفاع كلفة الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، إضافة إلى القلق من احتمال تراجع الالتزام الأمريكي طويل المدى بأمن القارة الأوروبية.
يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة تقييم استراتيجيته تجاه روسيا، تقوم على الجمع بين الردع العسكري والانفتاح السياسي المشروط. وبينما تؤكد بروكسل أن الوقت الحالي ليس مناسبًا للحوار المباشر مع بوتين، فإن التصريحات الأوروبية الأخيرة تكشف بوضوح أن فكرة التفاوض لم تعد مستبعدة كما كانت في بداية الحرب، بل أصبحت جزءًا من النقاش السياسي الأوروبي حول شكل النظام الأمني الذي قد يتشكل في أوروبا بعد انتهاء الحرب الأوكرانية.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118273
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
