المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
حرب أوكرانيا ـ تحالف الراغبين واستمرار الدعم
تتجه الاستجابة الأوروبية للتصعيد الروسي الأخير في أوكرانيا نحو بناء إطار أمني أكثر تنظيمًا، إلى جانب مواصلة إمداد كييف بالأسلحة. ويبرز تحالف الراغبين كإحدى أبرز الآليات الأوروبية لتنسيق الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، في ظل استمرار الضربات الروسية وتزايد الحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، بالتزامن مع تراجع نسبي في الاعتماد على الدعم الأميركي.
ويجتمع التحالف يوم 24 أغسطس 2026 في كييف بمشاركة أكثر من (30) دولة داعمة لأوكرانيا، في وقت تواجه فيه كييف نقصًا حادًا في صواريخ الدفاع الجوي، خصوصًا الصواريخ القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية. ويأتي الاجتماع في الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال أوكرانيا، وبمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني آندي بورنم، إلى جانب عدد من القادة الأوروبيين. “تحالف الراغبين” والضمانات الأمنية لأوكرانيا
تحالف الراغبين : هو تجمع سياسي وعسكري تقوده فرنسا وبريطانيا، ويضم دولًا أوروبية ودولًا أخرى داعمة لأوكرانيا، بهدف تنسيق المساعدات العسكرية والسياسية لكييف، وبحث الضمانات الأمنية وترتيبات ما بعد الحرب، بما في ذلك إمكانية تقديم دعم أمني طويل الأمد لأوكرانيا. وتبلورت المجموعة بصورة أوضح منذ عام 2025، خصوصًا مع تنامي النقاش الأوروبي حول ضرورة تحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمن أوكرانيا في ظل عدم وضوح مستوى الالتزام الأميركي مستقبلاً.
وتدفع فرنسا إلى تعزيز دعمها لأوكرانيا مجموعة من الدوافع الاستراتيجية، في مقدمتها اعتبار باريس أن أمن أوكرانيا أصبح جزءًا من الأمن الأوروبي، وأن انتصار روسيا أو فرض تسوية بشروطها سيعيد تشكيل ميزان القوى في القارة. كما يسعى الرئيس ماكرون إلى تعزيز الدور الأوروبي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في القضايا الأمنية، وهو ما ينسجم مع رؤيته للاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية. وتمنح الحرب فرنسا أيضًا فرصة لتعزيز دورها القيادي داخل أوروبا، خصوصًا من خلال قيادة تحالف الراغبين مع بريطانيا، والدفع نحو ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا. لذلك لا يقتصر الدعم الفرنسي على السلاح، بل يشمل الدفاع الجوي، والإنتاج المشترك للصواريخ، والتخطيط لقوة متعددة الجنسيات، بما يعكس رغبة باريس في تحويل الحرب الأوكرانية من أزمة أمنية إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الدور الدفاعي الأوروبي. الأمن الأوروبي ـ تحديات تمويل الدفاع الأوكراني
يبرز الدور الفرنسي بصورة خاصة في ملف الدفاع الجوي. فقد أعلن ماكرون، عقب اتصال مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تسريع تسليم صواريخ ومعدات عسكرية فرنسية، وتعهد بالعمل مع الدول التي تمتلك مخزونات من صواريخ باتريوت لتوفير جزء منها لأوكرانيا. كما تدعم فرنسا منظومة (SAMP/T-NG) الأوروبية، التي تطورها بالتعاون مع إيطاليا، باعتبارها أحد البدائل الأوروبية لأنظمة الدفاع الأميركية.
ولا يتوقف الدور الفرنسي عند التسليم المباشر للسلاح؛ إذ تعمل باريس أيضًا على نقل جزء من القدرات الصناعية إلى أوكرانيا. وتشمل الخطط منح تراخيص لإنتاج صواريخ اعتراضية وصواريخ كروز من طراز (SCALP)، بما يعزز قدرة أوكرانيا على إنتاج الذخائر محليًا وتقليل اعتمادها على المساعدات الخارجية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية؛ لأن الحرب أثبتت أن استدامة الإنتاج العسكري أصبحت لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح نفسه. فأوروبا تستطيع تقديم أنظمة دفاع جوي وصواريخ، لكنها تواجه قيودًا في المخزونات وسلاسل الإنتاج، ولذلك يتجه التحالف تدريجيًا إلى بناء قدرة إنتاجية مشتركة وطويلة الأمد.
تطور تحالف الراغبين كذلك من إطار سياسي لتنسيق الدعم إلى منصة لمناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا . وفي اجتماع باريس في يوليو2026، ناقشت الدول المشاركة دعم أوكرانيا والضغط على الاقتصاد الروسي، إلى جانب ترتيبات أمنية مستقبلية. كما اتفق الحلفاء على تدريبات في دول مجاورة لأوكرانيا لاختبار خطط نشر قوة متعددة الجنسيات. وهنا تظهر أهمية فرنسا وبريطانيا تحديدًا؛ فالدولتان تقودان الجانب السياسي والعسكري من هذا المسار، بينما تضيف ألمانيا وزنًا اقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا. وبالتالي فإن المعادلة الأوروبية الجديدة تقوم على ثلاثة أضلاع: فرنسا للقيادة السياسية والاستراتيجية، بريطانيا للقدرات العسكرية، وألمانيا للثقل الاقتصادي والصناعي والعسكري.
تراجع الدور الأميركي؟
هذا هو الاختبار الحقيقي، أوروبا أصبحت أكثر استعدادًا لتحمل مسؤولية أمن أوكرانيا، لكن قدرتها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالإنتاج العسكري، والذخائر، والتمويل، والتنسيق بين أكثر من (30) دولة. لذلك، لا ينبغي النظر إلى تحالف الراغبين باعتباره بديلًا مباشرًا لحلف الناتو أو للولايات المتحدة، وإنما محاولة أوروبية لإنشاء قدرة جماعية يمكن أن تعمل حتى في حال تراجع الدعم الأميركي. وكذلك لا تستطيع أوروبا تعويض النقص الأوكراني في صواريخ باتريوت. المشكلة ليست فقط في أنظمة الدفاع الجوي، وإنما في صواريخ الاعتراض نفسها، وهي محدودة ومكلفة وتحتاج إلى إنتاج طويل. أوكرانيا تتوقع الحصول على نحو (264) صاروخ اعتراض باتريوت في 2026، مقابل (364) في 2025 و(675) في 2023، بحسب أرقام أوردتها رويترز. لذلك تحاول فرنسا وألمانيا تطوير وتوفير بدائل أوروبية. حرب أوكرانيا ـ سلاسل التوريد هدفًا في الحروب الهجينة
الانتخابات الأوكرانية
عاد ملف الانتخابات إلى الواجهة بعد دعوة وزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف إلى إجرائها رغم استمرار الحرب، معتبرًا أن الأزمة السياسية والفساد يفرضان تجديد الشرعية. لكن الرئيس زيلينسكي يرفض إجراء انتخابات في الظروف الحالية، محذرًا من أنها قد تؤدي إلى انقسام المجتمع والدولة. كما أن القانون الأوكراني يحظر إجراء الانتخابات في ظل الأحكام العرفية، فيما أكدت مجموعة عمل برلمانية في مايو 2026 عدم إمكانية تنظيمها خلال هذه المرحلة. وأظهر استطلاع لمعهد كييف الدولي لعلم الاجتماع أن (57%) من الأوكرانيين يفضلون إجراء الانتخابات بعد انتهاء الأعمال القتالية.
ـ يبدو أنه من المستبعد ان تجرى الانتخابات قريبًا، لكن عودة النقاش إليها تكشف عن ضغوط سياسية داخلية متزايدة مع طول الحرب، وقد تتحول إلى قضية أكثر حساسية إذا استمر القتال أو بدأت مفاوضات تسوية مع روسيا.
ـ من المتوقع أن يتجه التحالف خلال المرحلة المقبلة إلى زيادة إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاع الجوي، وتوسيع التعاون الصناعي مع أوكرانيا، وربط الدعم العسكري بمسار تفاوضي مع روسيا.أما فرنسا، فمن المرجح أن تستمر في لعب دور قيادي في هذا المسار، خصوصًا أن باريس تريد أن تثبت أن أوروبا قادرة على تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة وأوكرانيا.
ـ الرسالة الأهم من اجتماع كييف هي أن أوروبا لا تريد أن يكون دعم أوكرانيا مجرد رد فعل على الضربات الروسية؛ بل تسعى إلى تحويله إلى سياسة أمنية أوروبية طويلة الأمد. وفي هذا التحول تحديدًا تكمن أهمية تحالف الراغبين والدور الفرنسي داخله.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123443
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

