المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ داليا عريان ـ باحثة في المركز الأوروبي ECCI
حرب أوكرانيا ـ انتقال المعارك من الجبهات إلى العمق
تشهد الحرب بين روسيا وأوكرانيا تحولًا كبيرًا في استراتيجية وتكتيكات المعارك، في ظل معطيات سياسية وعسكرية متعددة تتعلق بالدعم الغربي لأوكرانيا وجمود المفاوضات، الأمر الذي أدى لنقل المواجهات من الجبهات ونقاط التماس إلى العمق، مما جعل البنية التحتية هدفًا رئيسيًا في الهجمات بينهما. وتدريجيًا تحول هذا الهدف إلى سلاح استنزاف بدلًا من أداة ضغط في التفاوض، لذا تتجه التوقعات إلى طول أمد المعارك وتكبد طرفي الحرب خسائر مادية وبشرية، ما يعقد من مسار القتال وأي مباحثات مستقبلية.
البنية التحتية جزءًا من الاستراتيجية
ـ الهجمات الروسية على أوكرانيا: غيرت روسيا من خطتها العسكرية في حرب أوكرانيا منذ 2025، واختار الكرملين استراتيجيته الهجينة القسرية المصممة للعمل بجانب الدبلوماسية، لاسيما وأن المباحثات عادت في نفس التوقيت. ولا تريد روسيا التفاوض من أجل الحفاظ على السيادة الأوكرانية والاستقلال العسكري، إذ أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ديسمبر 2025، استعداد بلاده لحل جميع المهام الموكلة إليها عسكريًا.
تشير مؤسسة البحث الاستراتيجي الفرنسية، إلى أن روسيا بين عامي 2025 و2026، كثفت إنتاج الطائرات بدون طيار، وأدخلت أنظمة طائرات بدون طيار أسرع وأكثر استقلالية، قادرة على شن هجمات مكثفة ومستمرة ضد البنية التحتية الحيوية بأوكرانيا. وتنتج روسيا أكثر من (400) طائرة مسيرة من طراز “شاهد” يوميًا، وتخطط لرفع الإنتاج إلى (1000) طائرة يوميًا. تهدف هجمات الطائرات المسيرة إلى إرباك الدفاعات الجوية الأوكرانية، وفرض تكاليف إصلاح كبيرة على البنية التحتية وتحديدًا قطاع الطاقة.
تركز روسيا في العمليات العسكرية على الجهود الهجومية على البنية التحتية الشاملة لأوكرانيا بدلًا من ساحة المعركة، لتقويض قدرتها أوكرانيا العسكرية في الحرب وسياساتها في إدارة هذه القطاعات، لاسيما وأن القوات الروسية سيطرت فقط على (1%) من الأراضي الأوكرانية في 2025، ورغم التقدم العسكري البطيء، فإن الهجمات بالطائرات المسيرة جعلت القتال أكثر عنفًا مقارنة بالأعوام الثلاثة الماضية من عمر الحرب.

أطلقت روسيا في 2025، ما يقرب من (55) ألف طائرة هجومية بدون طيار “كاميكازي” على شبكات الطاقة والتدفئة وإمدادات المياه والإنتاج الصناعي، ما يمثل (5) أضعاف ما أطلقته في 2024. وألقت أكثر من (60) ألف قنبلة جوية و(2400) صاروخ على أنحاء مختلفة في أوكرانيا. ومنذ أكتوبر 2025، عُطلت أو دُمرت نحو (8.5) غيغاواط من قدرة توليد الطاقة في أوكرانيا.
مع دخول شتاء 2026، وسعت روسيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه، لزيادة الضغط على الحكومة الأوكرانية، وحرمان المدنيين من التدفئة في الشتاء. في 9 يناير 2026، شنت روسيا هجومًا كبيرًا على غرب أوكرانيا، بمئات المسيرات وعشرات الصواريخ من بينها صاروخ “أوريشنك” الباليستي القابل لحمل رؤوس نووية. وبعد (4) أيام شنت هجومًا آخر، بنحو (300) مسيرة و(18) صاروخًا باليستيًا و(7) صواريخ كروز، واستهدف هذا الهجوم الشبكة الكهربائية في (8) مناطق، وانخفضت القدرة التوليدية لأوكرانيا لنحو (14) غيغاواط في منتصف يناير 2026.
عقب انتهاء هدنة غير رسمية في 3 فبراير 2026، وبالتزامن مع محادثات في أبوظبي، وجهت روسيا ضربة بـ (450) مسيرة و(70) صاروخًا استهدفت كييف وخاركيف، ما تسبب في انقطاع التدفئة عن أكثر من (1170) مبنى سكنيًا في كييف، وأصبحت أوكرانيا غير قادرة على تلبية سوى (60%) من احتياجاتها من الكهرباء. خلال الأشهر السبعة الأولى في 2026، تم تدمير (32) محطة وقود و(5) منشآت إنتاج. وفي 21 يونيو 2026، استهدفت الهجمات جسورًا قرب سد زابوريجيا الكهرومائي، ومحطات ضغط الغاز في خاركيف.
ـ الهجمات الأوكرانية ضد روسيا: استهدفت الضربات الأوكرانية مصافي النفط والغاز، ومحطات الضخ وموانئ التصدير وخطوط الأنابيب، والجسور، مع تعطيل الإمدادات اللوجستية للقوات الروسية، معتمدة على صواريخ بعيدة المدى. في 9 و10 يناير 2026، ضربت مسيرات أوكرانية مستودع نفط في “فولغوغراد”، ما تسبب في انقطاع الكهرباء عن منطقة بيلغورود.
شنت أوكرانيا ضربة، في 23 مارس 2026، على محطة “بريمورسك” النفطية الرئيسية على بحر البلطيق ومصفاة “أوفا”. وكثفت هجماتها بالمسيرات ضد منشآت “أوست-لوغا” و”بريمورسك”، ومحاور تصدير نفطية. انخفض معدل تشغيل المصافي الروسية لأدنى مستوى منذ أكثر من (16) عامًا، جراء (21) ضربة أوكرانية على مصافٍ نفطية ومحطات تصدير وسفن ومحطات ضخ في أبريل 2026. استمرت الضربات الأوكرانية في مايو 2026، على منشآت نفطية في “كراسنودار وبيرم وأورينبورغ، بينها مصفاة توابسي”، ما أدى لخفض روسيا إنتاجها النفطي بنحو (300-400) ألف برميل يوميًا عن مستويات الربع الأول من العام.
ركزت أوكرانيا ضرباتها على (20) مصفاة ومحطة تصدير نفطية، لتخسر روسيا خمس طاقتها التكريرية من (5.2) مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى (3.8) مليون برميل يوميًا، لاسيما وأن مصفاة ياروسلافل، التي تعد من أكبر (5) مصافٍ في روسيا تعرضت لـ (4) ضربات منفصلة في شهر مايو فقط. وفي إطار التصعيد بينهما، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في يونيو 2026، عن حملة بالمسيرات والصواريخ لمدة (40) يومًا، ضد البنية التحتية للطاقة في القرم وسيفاستوبول.
في يوليو 2026، استهدفت مسيرات أوكرانية منطقة سان بطرسبرغ، مستهدفة محطة نفطية وميناء على بحر البلطيق، ووجهت ضربة على مصفاة “أومسك” أكبر مصفاة روسية وأكبر منتج للبنزين هناك، وتوقفت مصفاة “ساراتوف” عن العمل بعد ضربة مماثلة. وقدرت هيئة الأركان الأوكرانية أن (42%) من الطاقة التكريرية الروسية تعطلت، وأعلنت أن ثلثي المناطق الروسية تعاني من نقص الوقود. في أغسطس 2026، استمرت الهجمات على مصافٍ النفط في موسكو، ما أدى لحرائق وإغلاق طرق. ملف حرب أوكرانيا : العلاقات الأوروبية ـ الروسية، الانفتاح وحدود التقارب،قراءة استشرافية
المنشآت الحيوية هدف مركزي
ـ أهداف موسكو: تركز استراتيجية روسيا في الحرب حاليًا، على استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، وتدمير استقلالها في مجال الطاقة، وممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والنفسي على الحكومة الأوكرانية والمدنيين. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 4 يوليو 2026، ضرورة مواصلة الضربات المكثفة على البنية التحتية للمجمع الصناعي العسكري الأوكراني والمنشآت التي تدعم عمليات أوكرانيا، مشيرًا إلى تدمير (55) منشأة صناعية دفاعية بأوكرانيا في يونيو.
تستهدف روسيا شل الاقتصاد الأوكراني، وتقويض الثقة بين الأوكرانيين والحكومة الأوكرانية، بتعطيل القطاعات الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والصرف الصحي، مما يجعل المدن الأوكرانية غير صالحة للسكن ويدفع السكان للنزوح، ويزيد تكلفة الميزانية العامة، ويجعل عملية إصلاح المرافق الحيوية مكلفة، نظرًا لشدة الهجمات وتكرارها على نفس الأهداف. بين يونيو وديسمبر 2025، تم إجلاء ما يقرب من (150) ألف مدني من مناطق خط المواجهة بأوكرانيا، وفر أكثر من (600) ألف مدني من كييف مؤقتًا، لانقطاع التيار الكهربائي والتدفئة بشكل متكرر.
لم تستهدف روسيا أوكرانيا فقط بتكتيك “الاستنزاف الهيكلي الممنهج”، بل اعتزمت ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أوروبا، نظرًا لأنها الداعم العسكري الأول لأوكرانيا عقب تراجع الدعم الأمريكي، وتستضيف عدد من دول أوروبا ملايين اللاجئين. تشير حوادث اختراق الطائرات المسيرة للمجال الجوي الأوروبي منذ سبتمبر 2025، والتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي “GPS”، وحالات التخريب المتعلقة بشبكات روسية، إلى توسيع روسيا هذه الاستراتيجية من أوكرانيا إلى باقي دول أوروبا.
ـ أهداف كييف: أوضح تقرير صادر عن منظمة “تراب أغريسور”، وكلية كييف للاقتصاد، والوكالة الوطنية لمكافحة الفساد في أوكرانيا، أن روسيا تزود جيشها بالموارد والأسلحة اللازمة، وتنقل الأفراد، وتزود المجمع الصناعي العسكري عبر شبكة من خطوط النقل، إضافة إلى أن البنية التحتية اللوجستية تمثل دورًا مهمًا في الالتفاف على العقوبات الغربية عبر الاستيراد الموازي، وطرق العبور عبر الدول الصديقة. وتدعم خطوط النقل البحرية والجوية والبرية الاقتصاد الروسي، حيث لاتزال صادرات الموارد الطبيعية أحد المصادر الرئيسية للناتج المحلي الإجمالي لروسيا.
أشارت منظمة “تراب أغريسور”، إلى أهمية البنية التحتية للطيران الروسي في الحرب، فيما يتعلق بالإمدادات اللوجستية والعملياتية، وتستخدم روسيا النقل الجوي لتزويد القواعد الجوية الاستراتيجية ومناطق العمليات بصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، ويوفر النقل الجوي المدني إمدادات من البضائع الخاضعة للعقوبات، بما في ذلك مكونات الأسلحة الغربية.
نظرًا لمواجهة أوكرانيا نقصًا في الأسلحة الثقيلة التقليدية، لجأت إلى الطائرات المسيرة بعيدة المدى لاستهداف البنية التحتية وخطوط النقل وطرق الإمدادات بروسيا. تستهدف أوكرانيا الجسور والتقاطعات ونقاط التحويل في عمق الأراضي الروسية، وتعد السكك الحديدية الروسية شريانًا رئيسيًا للإمدادات العسكرية الروسية. كثفت أوكرانيا هجماتها على مصافٍ النفط الروسية ومستودعات الوقود ومراكز الإمداد العسكري، ما يرهق الاقتصاد الروسي المعتمد على التصدير والذي يمول عملياتها العسكرية. تستهدف أوكرانيا جسور السكك الحديدية ومنشآت الطاقة في شبه جزيرة القرم، لعزل القوات الروسية عن قواعد الإمداد الرئيسية.
كيف أثرت الضربات على المجتمع الأوكراني؟
– انقطاع الخدمات: تسببت الهجمات شبه اليومية التي شنتها روسيا على البنية التحتية للطاقة في يناير 2026، وشملت (5) مناطق كبرى، في تدمير مكونات رئيسية في شبكة الطاقة في (17) منطقة إدارية وكييف. أصيبت (70%) من قدرات توليد الطاقة الحرارية والمائية بأوكرانيا على مدار عام. وتوقع مركز “DiXi Group” التحليلي الأوكراني، أن تصل الفجوة بين العرض والطلب على الكهرباء إلى ما بين (0.7- 2.4) غيغاواط.
– النزوح: قدرت منظمة الهجرة الدولية “IOM”، في فبراير 2026، أن (325) ألف عائد أوكراني معرضون لخطر النزوح مجددًا بسبب أزمة الطاقة، وأكثر من ثلثهم يفكرون بمغادرة البلاد مجددًا. بلغ عدد النازحين داخليًا (3.9) مليون شخص، ما يمثل (12.5%) من سكان أوكرانيا حتى مارس 2026. بقي ما بين (372- 400) ألف شخص نازح داخليًا من أصل (4.4) مليون عائد منذ بداية الحرب، لعدم قدرتهم على العودة لمنازلهم.
– التكيف المجتمعي: لجأت بعض الأسر إلى أنظمة التدفئة والإضاءة القديمة في المنازل، وأنشأت السلطات المحلية مراكز دافئة مزودة بالكهرباء والمياه والإنترنت، ليلجأ إليها السكان في حال الانقطاعات الطويلة. وزعت منظمات دولية مولدات ووقودًا ومحولات للمستشفيات، ومرافق التدفئة والمياه والملاجئ الجماعية، ورغم هذه الجهود تجاوزت الاحتياجات غير الملباة (90%) في المناطق الأمامية القريبة من القتال.
– الأعباء الاقتصادية: ارتفاع تكلفة الإنتاج في بعض القطاعات، نظرًا لأن تشغيل المولدات أغلى بنسبة (15%-20%) من الكهرباء العادية. أشارت منظمة الهجرة الدولية، في مايو 2026، إلى ارتفاع أعباء الإيجار وفواتير الخدمات على العائلات، بجانب تكاليف تدفئة إضافية. وحددت المفوضية الأوروبية ووزارة الطاقة الأوكرانية، احتياجات غير ممولة بقيمة (650) مليون يورو لصندوق دعم الطاقة الأوكراني قبل الشتاء المقبل. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD”، تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى (1.0%) في 2026، و(0.8%) في 2027، جراء ضربات البنية التحتية المدنية.
– تأثير الحرب على المدن والسكان: شهد 2025، أعلى حصيلة ضحايا من المدنيين منذ بداية الحرب، بنحو (2514) قتيلًا وأكثر من (12) ألف جريج، بزيادة (31%) عن 2024، و(70%) عن 2023، ليصل إجمالي القتلى المدنيين حتى منتصف يوليو 2026، إلى أكثر من (16,800) مدني، وفقًا لبعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. بلغ عدد من هم بحاجة للمساعدة بأوكرانيا (10.8) مليون شخص في 2026. شهدت المدن الكبرى مثل كييف وخاركيف انقطاعات طوارئ متكررة، أثرت على المدارس والمستشفيات. يؤدي تدهور الأوضاع الداخلية في المدن إلى صعوبة عودة اللاجئين لبلادهم، حيث لايزال (5.9) مليون لاجئ أوكراني بالخارج. حرب أوكرانيا ـ لماذا تسعى أوروبا في إعادة فتح قنوات التواصل مع روسيا؟
استهداف البنية التحتية الأوكرانية.. توحد المجتمع أم تفككه؟
– السيناريو الأول: تأثير الالتفاف حول الدولة
يشير تحليل لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في فبراير 2026، إلى أن استمرار التفاف الأوكرانيين حول فولوديمير زيلينسكي بعد (4) سنوات من الحرب، دليل على تماسك مجتمعي رغم الضغوط الخارجية من واشنطن، بجانب أن الشعور بالتهديد الخارجي جراء الضربات على البنية التحتية، يزيد الشعور بالانتماء لدى الأوكرانيين. وثقت تقارير الأمم المتحدة تضامنًا على المستوى المجتمعي، بانطلاق مبادرات مثل “نقاط الصمود” لمواجهة القصف الروسي.
– السيناريو الثاني: تآكل الثقة
أشارت استطلاعات معهد ” KIIS” إلى تراجع الثقة في زيلينسكي، من (90%) في 2022، إلى (65%) في يونيو 2025، ثم (58%) في أغسطس 2025، عقب أزمة قانون تقييد صلاحيات هيئات مكافحة الفساد. ثم تراوحت النسبة ما بين (58-61%) في مطلع 2026. وبظهور عملية “ميداس” واحدة من أكبر فضائح الفساد المالي وتحديدًا في قطاع الطاقة النووية الحكومية، أظهر استطلاع أن (59%) من الأوكرانيين يحملون زيلينسكي مسؤولية ما حدث، وأوضح استطلاع آخر أن (54%) من الأوكرانيين يعتبرون الفساد تهديدًا أكبر من الحرب. يرى الباحث السياسي فولوديمير إيشينكو، أن انتشار التهرب من التجنيد ورفض الأوكرانيين التضحية بأنفسهم، مؤشر على تآكل الثقة بين المواطنين والحكومة. حرب أوكرانيا ـ ما فرص التقارب بين روسيا والاتحاد الأوروبي؟
هل نجح استهداف البنية التحتية بأوكرانيا في تحقيق أهدافه العسكرية؟
أنهكت الضربات الروسية مخزون الصواريخ الاعتراضية الثمينة “باتريوت” في أوكرانيا، ورفعت تكلفة تشغيلية واستنزافية متصاعدة لقطاعات الطاقة والوقود والنقل، التي تدعم المجهود الحربي. دمرت الهجمات أكثر من (9) غيغاواط من القدرة التوليدية الحرارية والمائية، وتم استعادة أقل من النصف حتى أبريل 2026. وبعد عامين من الحرب، تم استعادة (5) غيغاواط من أكثر من (25) غيغاواط من القدرة التوليدية التي تضررت جراء الهجمات، بحسب معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن “EUISS“.
أوضح تحليل معهد “DIIS” الدنماركي، في يوليو 2026، تزايد قيود سلسلة الإصلاح من نقص المهندسين المتخصصين، وطول مهلة توريد المحولات الكهربائية عالية الجهد. ظهرت تحولات في الدعم الخارجي لكييف، إذ أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن بلاده تلقت في 2026 ثلث عدد صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، مقارنة بعام 2025. وأرسلت وزارة الدفاع الأوكرانية، في يوليو 2026، طلبًا لنحو (40) دولة لنقل مؤقت لصواريخ باتريوت من مخزوناتها.
كيف أثرت الضربات الأوكرانية على المجتمع الروسي؟
ـ انقطاع الخدمات: أدت الضربات على المصافي ومستودعات الوقود إلى اضطرابات في سوق الطاقة، إذ انخفضت صادرات المنتجات النفطية الروسية بحرًا في يوليو 2026 بنسبة 33.3% مقارنة بيونيو2026 ، و54.7% على أساس سنوي، مع تزايد القيود على بيع البنزين في عدد من المناطق
ـ النزوح والتكيف المجتمعي: دفعت الهجمات المتكررة في المناطق الحدودية السلطات الروسية إلى إجلاء سكان بعض المناطق وتعزيز الملاجئ والدفاعات الجوية وحماية المنشآت الحيوية. إلا أن حجم النزوح ظل محدودًا مقارنة بأوكرانيا، واقتصر تأثيره الأكبر على مناطق بيلغورود وكورسك وبريانسك.
ـ الأعباء الاقتصادية : تضرر قطاع التكرير بصورة متزايدة؛ إذ قدرت Reuters تعطّل نحو 700 ألف برميل يوميًا من طاقة التكرير الروسية خلال يناير ـ مايو 2026، بعد استهداف 16 مصفاة. وانخفض إنتاج البنزين في يوليو إلى نحو 65% من متوسط الطلب الموسمي، ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات للحد من النقص تأثير الحرب على المدن والسكان : اتسع نطاق الضربات ليشمل منشآت تقع على مسافات بعيدة عن الحدود الأوكرانية؛ إذ تعرضت مصفاة Orsk لهجوم على بعد نحو 1,900 كم من الحدود، بينما طالت هجمات أخرى منشآت في تتارستان. ويعكس ذلك انتقال جزء من كلفة الحرب إلى العمق الروسي، وإن ظل تأثيره على الحياة اليومية أقل بكثير من الحالة الأوكرانية
يمكن أن تعزز الهجمات الشعور بوجود تهديد خارجي، وتدعم الرواية الرسمية الروسية بشأن ضرورة مواصلة الحرب وتشديد الإجراءات الأمنية. قد يؤدي تكرار وصول المسيّرات إلى العمق الروسي، وتعطل المطارات والطاقة وارتفاع أسعار الوقود، إلى زيادة التساؤلات حول قدرة الدولة على حماية أراضيها، خصوصًا إذا تحولت الاضطرابات المؤقتة إلى أزمات مستمرة.
استهداف البنية التحتية الروسية.. توحد المجتمع أم تفككه؟
السيناريو الأول: تأثر الالتفاف
أشارت استطلاعات رأي لمركز “ليفادا” إلى ثبات نسبة تأييد العمليات العسكرية في روسيا ما بين (66% إلى 72%)، وأن (59%) من الروس يرون أنه في حال عدم التوصل لسلام بشروط روسية، يجب على بلادهم تكثيف الضربات المضادة. بحسب دراسات مؤسسة “Open Mind” ينظر أكثر من ثلثي الروس إلى الهجمات عبر الحدود واستهداف المنشآت كحرب نفسية، ما يدفعهم للاقتناع برواية الحكومة الروسية بشأن حماية أمنهم. أوضح استطلاع “ليفادا” في فبراير 2026، أن أغلب الروس أيدوا ضربات الجيش الروسي على البنية التحتية للطاقة بأوكرانيا. رغم تعرض سكان المناطق الحدودية مثل “كورسك” و”بيلغورود” لهجمات، فإن روسيا لم تفقد دعمهم للحرب.
السيناريو الثاني: تآكل الثقة
أدى تدهور تقييم الوضع الاقتصادي بروسيا منذ مطلع 2026، إلى انخفاض نسبة المستطلعين الذين أفادوا بتحسن أوضاعهم المالية من (20%) إلى (13%)، وتضاعفت نسبة من أفادوا بتدهور أوضاعهم من (20%) إلى (41%) خلال الفترة (يناير 2024- مارس 2026) بحسب استطلاع “إكستريم سكان”. وفقًا لاستطلاع لمؤسسة “غالوب”، تحولت النظرة الروسية للاقتصاد إلى نظرة سلبية، وقال (60%) بين مارس ومايو 2026 إن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءًا.
بحسب استطلاع لمعهد دراسات الصراع وتحليل روسيا “IKAR”، دعم (81%) من المشاركين إنهاء الحرب، بالتزامن مع انخفاض الثقة في الجيش الروسي بمقدار (13) نقطة لتصل إلى (66%)، وتراجعت الثقة في الحكومة بمقدار (14) نقطة لتصل إلى (53%)، وفي نزاهة الانتخابات بمقدار (16) نقطة لتصل إلى (40%). وسجل مركز “ليفادا” انخفاضًا لنسبة تأييد بوتين من (87%) في أغسطس 2025، إلى (79%) في أبريل 2026.
هل نجحت الضربات الأوكرانية في العمق الروسي في تحقيق أهدافها العسكرية؟
ألحقت الضربات أضرارًا ملموسة بقطاع الطاقة؛ إذ تعطلت نحو 700 ألف برميل يوميًا من طاقة التكرير خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، فيما خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لإنتاج النفط الروسي لعام 2026 إلى نحو 8.9 مليون برميل يوميًا . ومع ذلك، تمكنت روسيا في حالات عديدة من إعادة تشغيل المنشآت أو إعادة توزيع الإنتاج، ما يشير إلى أن التأثير الأبرز حتى الآن يتمثل في رفع تكلفة الحرب واستنزاف الموارد وتعطيل الإنتاج مؤقتًا، أكثر من إحداث شلل استراتيجي للاقتصاد الروسي.
الحرب المقبلة: هل ستكون أكثر اعتمادًا على استهداف العمق؟
تتجه التوقعات إلى أن أي حرب مستقبلية في أوروبا ستركز على المسيرات بعيدة المدى. ويقول الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، إن “المسيرات غيرت طبيعة الحرب الحديثة، وأصبحت عاملًا حاسمًا في المعارك”، وأعلن في 7 يوليو 2026، مبادرة “حافة الطائرات المسيرة” باستثمارات تزيد عن (40) مليار دولار خلال (5) سنوات لتعزيز قدرات مواجهة المسيرات. بلغت شركات إنتاج المسيرات بأوكرانيا في 2022 نحو (41) شركة، ووصلت إلى (183) شركة في 2024، بإنتاج (4.5) مليون مسيرة في 2025.
حذر معهد ” CEPA” من أن أوروبا ليست جاهزة للمرحلة القادمة من حرب المسيرات، وأن ضرب البنية التحتية لروسيا بمسيرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي بهدف التعطيل أكثر من التدمير الكامل. وطالب مستشار البرلمان البريطاني السابق أليستير كارنز، أوروبا بالاستعداد لتكرار نمط الاستهداف بالمسيرات بعيدة المدى. وخلصت دراسة لمعهد ” Ifri” الفرنسي، إلى أن الدفاع الجوي الحديث يجب أن يعطي الأولوية لضبط التكلفة والتكامل بين أنظمة بسيطة متعددة، بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الأسلحة عالية التقنية، نظرًا لأن الدفاع الجوي الأوروبي يعاني من التكلفة غير المستدامة أمام الأزمات الاقتصادية الحالية، موضحة تطور المسيرات عبر (8) مراحل خلال (4) سنوات من أدوات بسيطة إلى أنظمة أسلحة مدعومة جزئيًا بالذكاء الاصطناعي.
رصدت خدمة الاستخبارات والتحليل الأمني التابعة لشركة “دراغون فلاي”، (23) هجومًا سيبرانيًا ناجحًا على قطاع الطاقة الأوروبي منذ بداية الحرب وحتى أكتوبر 2024. وعطل هجوم سيبراني روسي مشتبه به، المراقبة عن بعد لـ (5,800) توربين رياح ألماني عبر اختراق شبكة أقمار “KA-SAT”. واتهمت بولندا روسيا بشن هجوم سيبراني على شبكة الطاقة البولندية في ديسمبر 2025، ما كان قد يتسبب في ترك نصف مليون شخص بلا تدفئة. وصنف تقرير ميونيخ للأمن 2026، الهجمات السيبرانية والبنية الرقمية والطاقة كالتهديد الأول لدول مجموعة السبع. حرب أوكرانيا ـ أين تقف أوروبا والناتو بين التصعيد العسكري ومفاوضات السلام؟
قراءة مستقبلية
– يُفسر تغير استراتيجية روسيا من المعارك التقليدية على الجبهات إلى استهداف البنية التحتية الأوكرانية، والقصف بالمسيرات ضد مدن مثل كييف وخاركيف، إلى إدراك القيادة العسكرية الروسية صعوبة السيطرة على مساحات شاسعة في أوكرانيا كما حدث في بداية الحرب، لاسيما وأن هذه التحركات العسكرية أكثر تكلفة وتُكبد الجيش الروسي خسائر كبيرة، بجانب أن الحرب تحولت لمعارك استنزاف، وتسعى روسيا لكسب الوقت وتشتيت انتباه دول أوروبا قبل العودة لأي محادثات مستقبلية.
– من المتوقع أن روسيا ستشن هجمات أوسع على أهداف استراتيجية في أوكرانيا خلال 2026 و2027، لتعطيل أي محاولات إصلاح البنية التحتية المدمرة، ولزيادة الأعباء على الحكومة الأوكرانية قبل فصل الشتاء.
– من المرجح أن توظف روسيا الهجمات المتكررة على البنية التحتية في أوكرانيا، لإثارة غضب الأوكرانيين وتأجيج الاحتجاجات، ما يعني السير في مسارين: الأول يتعلق بإدارة الحرب وتغير التكتيكات العسكرية، والثاني يتعلق بتغيير الحكومة الحالية إلى حكومة موالية ومقربة من روسيا، ما يصب في صالح روسيا في أي مفاوضات مقبلة.
– ستكثف أوكرانيا من هجماتها بالمسيرات على المواقع العسكرية والصناعية والجسور وطرق النقل، ويعد نقل الهجمات إلى العمق الروسي استهدافًا خطيرًا في الحرب، للإضرار بإيرادات موسكو النفطية ولتغيير الصورة الثابتة المتعلقة بأن روسيا الأقرب للانتصار والمتحكم الأوحد في خيوط المعادلة السياسية والعسكرية في هذه الحرب.
– تشير الاتهامات الموجهة من قبل روسيا إلى بريطانيا، بشأن استخدام أوكرانيا مسيرات بريطانية لضرب العمق الروسي، إلى احتمالية توسع التوترات بين روسيا وأوروبا، والابتعاد عن أي فرص للتفاوض، واتجاه الأمور إلى مزيد من التصعيد الأشهر المقبلة.
– يعد استهداف روسيا للبنية التحتية الأوكرانية، مجرد اختبار لاستراتيجية الهجمات الهجينة التي يمكن أن تصدرها لباقي دول أوروبا، لتقويض الدعم المستمر لأوكرانيا، وزعزعة الاستقرار بالمجتمعات الأوروبية.
ـ من المرجح أن تستمر أوكرانيا في استهداف قطاع الطاقة والمصافي الروسية باعتباره وسيلة لرفع كلفة الحرب والضغط على الاقتصاد الروسي، خصوصًا مع ظهور نقص متجدد في الوقود واتساع نطاق القيود على بيعه في عدد من المناطق.
ـ من المستبعد أن تؤدي هذه الضربات بمفردها إلى إحداث شلل في الاقتصاد الروسي؛ إذ لا يزال قطاع النفط قادرًا على التكيف من خلال إعادة توزيع الإنتاج، وزيادة تدخل الدولة، واستيراد بعض المشتقات النفطية. لكن استمرار الضربات لفترة طويلة قد يؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع تكاليف الإصلاح، وتراجع كفاءة قطاع التكرير، وزيادة الأعباء على الموازنة الروسية.
– تتراوح سيناريوهات الحرب المقبلة في أوروبا بين ثلاثة سيناريوهات، الأول يتعلق بأن تكبد روسيا وأوكرانيا خسائر كبيرة جراء الهجمات على البنية التحتية الحيوية، يجبر الطرفان على التراجع بشكل مؤقت عنها، ويمنع أن تركز أي حرب محتملة على هذه الأهداف، ويتجه السيناريو الثاني إلى أن تصبح قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات أهدافًا رئيسيًا في أي حروب مقبلة، ويشير السيناريو الثالث إلى تداخل الضربات العسكرية التقليدية مع الهجمات السيبرانية والتضليل الاقتصادي، ما يعني أن البنية التحتية ستصبح جزءًا في أي حرب شاملة محتملة.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=123237
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Russia launches ‘brutal’ attack on Ukraine as peace talks continue
From attrition to coercion: Russia’s strategy in Ukraine
Ways of war: the role of Russian infrastructure in the war against Ukraine
3.9 Million People Displaced in Ukraine as Families Struggle to Cope, IOM Report Finds
Moscow’s fuel stations limit sales amid shortages
Second wave of fuel shortages at petrol stations sweeps across Russia
Ukrainian attack shuts Russia’s Orsk refinery for months, causing fuel problems

