داعش والجهاديوندراسات

حراس الدين.. القاعدة تحاول إعادة صفوفها من جديد في سوريا. بقلم الدكتورة نرمين توفيق

إعداد : الدكتورة نرمين توفيق

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

مقدمة

اشتدت الخلافات في الفترة الأخيرة بين تنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري من جهة وبين فرع التنظيم في سوريا بقيادة أبو محمد الجولاني من جهة أخرى، وتجلى ذلك الخلاف في التسجيل الصوتي الذي أصدره زعيم القاعدة أيمن الظواهري في 29 نوفمبر 2017، بعنوان “فلنقاتلهم بنياناً مرصوصاً” هاجم فيه أبو محمد الجولاني واتهمه بـ”نكث العهد”، وذلك بعد أن قام الجولاني بفك جبهة النصرة، وتأسيس هيئة فتح الشام التي اندمجت بعد ذلك مع مجموعة من الفصائل السورية المسلحة وغيرت اسمها إلى هيئة تحرير الشام، ثم قام الجولاني في خطوات تصعيدية تعكس تأكيد انفصاله عن القاعدة باعتقال عدد من مناصري القاعدة داخل هيئة تحرير الشام الذين رفضوا فك الارتباط مع الظواهري.

وفي 9 ديسمبر 2017 أعلن تنظيم “القاعدة”، في بيان صادر عن مؤسسة “السحاب” الإعلامية، ظهور كيان جديد للقاعدة في سوريا تحت اسم “حراس الدين” وجاء في بيان التأسيس: “نزف إلى أمتنا المكلومة وإلى أهلنا في الشام إعلان تنظيم حراس الدين على منهج شيخنا أسامة بن لادن تقبله الله، وحكيم الأمة الشيخ أيمن الظواهري حفظه الله وعلى منهج الشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله في التوحيد والولاء والبراء”، وأصدر تنظيم حراس الدين بياناً دعا فيه الفصائل المتقاتلة ممثلة بهيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سوريا، لوقف الاقتتال، والتفرغ لقتال النظام السوري.

هذه التجاذبات تعكس الخلاف الموجود في سوريا بين الفصائل المسلحة، وسعي القاعدة إلى الحفاظ على موطيء قدم لها في هذه الدولة التي لها أهمية خاصة في أجندة الجماعات الإسلاموية، ليس فقط بسبب الصراع المسلح الدائر بها والذي يساعد هذه الجماعات على الانتشار وإنما أيضا لما يتم ترويجه بخصوص قدسية منطقة الشام وأن معركة أخر الزمان ستنطلق منها، وبهذا المنطق استطاعوا خداع كثير من الشباب الذين انتقلوا إلى سوريا للقتال بها[1].

وسيتم في العرض التالي الحديث عن الأسباب التي أدت إلى الخلاف بين الجولاني والظواهري، ودلالات بروز تنظيم جديد يتبع القاعدة في سوريا، ولماذا في هذا التوقيت بالتحديد.

أولا- خلفية تاريخية عن تواجد القاعدة في سوريا

يعد أبو مصعب السوري (مصطفى بن عبد القادر ست مريم ) من أوائل السوريين الذين ارتبطوا بتنظيم القاعدة وبات من أبرز منظري التنظيم، في البداية التحق مصطفى بن عبدالقادر بتنظيم “الطليعة المقاتلة” التي حاربت نظام البعث بقيادة الرئيس حافظ الأسد في مدينة حماة السورية في سبعينيات القرن العشرين، ثم سافر إلى أفغانستان، وتعرف على عبد الله عزام الذي أقنعه بالانضمام إلى تجمع المجاهدين العرب ليضع خبراته العسكرية في تدريب الوافدين الجدد إلى أفغانستان، ثم التحق بتنظيم القاعدة في بداية تأسيسه وكان من المقربين من أسامة بن لادن، ثم انتقل إلى بريطانيا عام 1992، وعلى إثر نجاح حركة طالبان في إقامة الإمارة الإسلامية هاجر مرة أخرى إلى أفغانستان عام 1997 وهناك بايع طالبان بقيادة الملا عمر، ويعتبر ست مريم من أهم منظري القاعدة حيث وضع “نظرية المراحل” التي تعد من أبرز الإسهامات الفكرية في تاريخ السلفية الجهادية المعاصرة والأكثر أهمية في فكر القاعدة، وهي قائمة على سبع خطوات لإقامة الدولة الإسلامية من العام 2000 حتى بداية مرحلة المواجهة بالعام 2016 والعمل لتحقيق الانتصار، ولم يتوقف دوره على التنظير وإنما كان له دور مهم في معسكرات التدريب وصنع المتفجرات وساعده على ذلك دراسته لهندسة الميكانيكا[1].

وفي عام 2005 اعتقلته السلطات الأمريكية في باكستان ورحلته إلى سوريا، وظل في السجن حتى عام 2012 حيث أطلق النظام السوري سراحه، ويظل اسم مصطفى ست مريم من الأسماء السورية الشهيرة في تنظيم القاعدة لدرجة أن البعض أطلق عليه لقب “فيلسوف القاعدة”.[2]

كذلك ساهم الغزو الأمريكي للعراق في 2003 إلى انتقال عدد كبير من عناصر القاعدة الذين تواجدوا في أفغانستان وباكستان إلى العراق، وعلى رأسهم أبو مصعب الزرقاوي الذي انتقل إلى العراق وأسس جماعة “التوحيد والجهاد” عام 2004 التي كان هدفها مقاومة الاحتلال الأمريكي، ولم يقتصر وجود جماعة التوحيد والجهاد على العراق، فقد امتدت لتشمل سوريا، بعد ذلك أعلنت الجماعة مبايعة أسامة بن لادن وبات اسمها “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”، ثم تحولت بعد ذلك إلى دولة العراق الإسلامية، هذه الأحداث اجتذبت كثير من الشباب السوري للالتحاق بصفوف المقاومة العراقية، وكان في مقدمتهم أبو محمد الجولاني الذي توجه عام 2004 من سوريا إلى العراق، وقد التحق الجولاني في بداية مسيرته في العراق بفصيل مغمور يدعى سرايا المجاهدين، بزعامة أبو طلحة العراقي وأبو بكر خاتون، والذي بايع لاحقاً تنظيم أبو مصعب الزرقاوي، غير أن القوات الأمريكية ألقت القبض عليه بالقرب من الفلوجة، أثناء زراعته للعبوات الناسفة وتم إيداعه في سجن بوكا الذي حوى أبرز الشخصيات التي تزعمت لاحقاً تنظيم داعش، وتم إطلاق سراحه تزامنا مع بداية الثورة السورية في 2011[3].

ثانيا- الخلاف بين الجولاني وأبو بكر البغدادي

مع اندلاع الثورة السورية عاد الجولاني إلى سوريا وتم دعمه بشكل كامل من قبل أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم داعش، ليشكل في سوريا “جبهة النصرة لأهل الشام”، والتي أُعلن عنها للمرة الأولى في يناير 2012، وفي ديسمبر من نفس العام صنفت الولايات المتحدة الجبهة كمنظمة إرهابية، وفي 2013 أراد أبو بكر البغدادي أن يُلحق جبهة الشام بإمارته في العراق فأعلن في مقطع صوتي في الثالث من إبريل 2013 اتحاد “دولة العراق الإسلامية” و”جبهة النصرة لأهل الشام” تحت مسمى “دولة العراق والشام الإسلامية”[4]، غير أن الجولاني أصدر تسجيل صوتي بعدها بأيام رفض فيه هذا الاتحاد، وأنكر علمه به، وأعلن مبايعته لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري قائلا: “نطمئن إخواننا السوريين بأن سلوك جبهة النصرة سيظل وفيا للصورة التي عرفتم، وأن مبايعتنا (للقاعدة) لن تؤثر على سياستنا أبدا”[5]، وبعد الانفصال دخل داعش والنصرة في صراعٍ كبير حيث شنت جبهة النصرة هجوماً على مقرات داعش في دير الزور وتمكنت من قتل بعض القيادات التابعة لداعش، على الجانب الأخر خسر الجولاني كثير من قادته وجنوده الذين انفضوا عنه وخاصةً من غير السوريين لصالح الانضمام إلى البغدادي[6]، وبات من الواضح أن الجولاني يفضل أن يأخذ تنظيمه طابعا محليا غير أنه لم يجد مفر من إعلان ارتباطه مباشرة بالقاعدة الأم؛ حتى يستطيع مواجهة عناصر داعش في سوريا.[7]

ثالثا- الجولاني يبايع الظواهري ثم ينقلب عليه

سارعت القاعدة في 2011 بإعلان دعمها للثورة السورية وقتال نظام الرئيس بشار الأسد، وذلك عن طريق كلمة مصورة لأيمن الظواهري بعد أقل من 3 شهور على اندلاع الثورة في سوريا يدعو فيها للجهاد في سوريا، وكانت كلمته دعوة وإشارة لأتباع القاعدة للانتقال لسوريا، وسعى الظواهري إلى دفع تنظيم داعش بقيادة البغدادي لمبايعته بعد سيطرتهم على أماكن عدة في العراق وسوريا، غير أن البغدادي رفض، وفي 9 يونيو 2013 أصدر الظواهري قراره بحل تنظيم “دولة العراق والشام الإسلامية” مع بقاء “جبهة النصرة” و”دولة العراق الإسلامية” على حالهما، ثم تكليف أبي خالد السوري لحلّ الخلاف بين الطرفين، والتوقف عن أي «اعتداء» بينهما بالقول أو الفعل، كما ذكر خطأ البغدادي بإعلان الوحدة دون استشارة، إلا أن البغدادي أصدر كلمة بعد أقل من أسبوع من إعلان الظواهري، في 15 يونيو 2013 يقول فيها: “الدولة الإسلامية في العراق والشام باقية ما دام فينا عرق ينبض أو عين تطرف، ولن نساوم عنها”.[8]

استمرت الخلافات بعد ذلك بين تنظيم داعش وجبهة النصرة من جهة، وبين داعش والقاعدة من جهة أخرى، ورحب الظواهري بمبايعة النصرة بقيادة الجولاني له، غير أن فترة الوفاق بين الجولاني والظواهري لم تستمر طويلا، فكما ظهر من مبايعة الجولاني للقاعدة أنها لم تأت إلا بعد محاولة البغدادي جبره على مبايعته، ومن ثم فكانت تخلصاً من سطوة البغدادي والانتقال إلى «المدير» مباشرةً وهو الظواهري، والظهور على أن جبهة النصرة مساوية لدولة العراق الإسلامية، بالإضافة إلى أن الجولاني كان يميل إلى أن يأخذ تنظيم النصرة الطابع المحلي ولم يكن يرحب كثيرا بالمقاتلين غير السوريين الموجودين في التنظيم والتابعين للقاعدة؛ وعليه كان إجراء مبايعته للقاعدة إجراءً مرحليا؛ لذا فإن الخلافات لم تقف على الصراع الذي كان موجود بين الجولاني وأبوبكر البغدادي، ولكن الأمر طال علاقة الجولاني بالظواهري، وكان بداية الخلاف بإعلان “أبو محمد الجولاني” أمير “جبهة النصرة” في الثامن والعشرين من شهر يوليو من عام 2016 فك ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة وتغيير اسمها لـ”جبهة فتح الشام”، وهنا ظهر بداية التوتر والخلاف بين مكونات الجبهة بين مؤيد لفكرة فك الارتباط مع القاعدة لما فيها من مصلحة استمرار مشروع الجبهة، وبين رافض ومصمم على الاستمرار في الارتباط برأس القاعدة في أفغانستان.[9]

وروج الجولاني في البداية أن عملية فك الارتباط مع القاعدة وتغيير اسم الحركة من “جبهة نصرة أهل الشام” إلى “جبهة فتح الشام” ليست أكثر من إجراء شكلي لرفع الحرج عن المعارضة السورية أمام العالم، ويبدو أن تنظيم القاعدة اعتقد أن تغيير الاسم لن يُغير من الأمور شيء فباركت تلك الخطوة[10]، وهذا يعكس ذكاء الجولاني ودهائه في ذات الوقت، ثم اتخذ خطوة جديدة نحو الابتعاد أكثر وأكثر عن القاعدة عن طريق الاندماج مع جماعات أخرى من الفصائل السورية ليتغير اسم “جبهة فتح الشام” إلى “هيئة تحرير الشام”.

بعد ذلك انتقل الجولاني إلى مرحلة الصدام المباشر والواضح مع القاعدة حينما اعتقلت هيئة تحرير الشام بأمر منه عدد من القيادات الشرعيين والعسكريين المعروف ولاءهم للقاعدة مثل الشرعي العام “سامي العريدي”، وخالد العاروري “أبي القسام”، النائب السابق لأبي مصعب الزرقاوي، والقياديين العسكريين إياد الطوباسي “أبو جليبيب الأردني”، و”أبو خديجة الأردني” المسئول الشرعي في جماعة أنصار الفرقان، وأبو مصعب الليبي باعتبارهم جميعاً “رؤوس الفتنة”[11]، وبتهمة أنهم سعوا “إلى تقويض كيان الهيئة، ونشروا الفتن، وكان العريدي نشرَ قبل أسبوعين تقريباً من اعتقاله بياناً يُلمِّح فيه إلى أنّ خِداعاً مارسه أبو محمّد الجولاني مع شيخه أيمن الظواهري حين أعلن عن فكّ ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة قبل أن تتحوّل إلى تحرير الشام، وتكشف البيانات الصادرة عن هيئة الجولاني بأن حوارات ونقاشات ساخنة وعمليات عَزْل وإبعاد وتضييق مورِست داخل البُنيتين العسكرية والشرعية بين فريق مؤيِّد للعريدي وأبو جليبيب وآخرين، وبين فريق الجولاني، انتهى بحسم الأخير الأمر لصالح الجولاني باعتقال كل الشخصيات التي اعتبروها “رؤوس الفتنة”[12]، الأمر لم يتوقف على ذلك فقط بل ارتفعت بعض الأصوات من هيئة تحرير الشام التي تنقد الظواهري شخصيا، وأنه تحول إلى ما يعرف ب “الأمير المسردب”، حيث نشر “أبو الحارث المصري”، القيادي السابق بتنظيم “القاعدة”، والمتواجد في سوريا، كلمة مسجلة، وصف فيها زعيم تنظيم “القاعدة”، أيمن الظواهري بـ”الإمام المسردب”، المختفي داخل البلاد البعيدة، مشككا في صحة “ولاية الظواهري”، وأنه يريد إلزام التنظيمات الجهادية في العالم بالتبعية له، بينما يختفي هو في المخابئ[13].

وأثارت هذه الخطوة جدلا كبيرا حيث أن معظم المعتقلين كانوا من الجنسية الأردنية أي غير سوريين، وعلى علاقة وطيدة بتنظيم القاعدة وزعيمها أيمن الظواهري، ورفضوا ابتعاد الجولاني عن خط القاعدة وتحوّل التنظيم إلى حالة محلية صرفة.

زاد من حالة الجدل بيان الظواهري الذي نشرته مؤسسة “السحاب” التابعة للقاعدة في 29 نوفمبر 2017 بعد أيام قليلة من اعتقال الأردنيين في التنظيم جاء تحت عنوان “فلنقاتلهم بنياناً مرصوصاً”، هاجم الظواهري فيه أبو محمّد الجولاني بشدة، مُتّهماً إياه بـ”نكث العهد”، مُضيفاً أن ما فعله بعد فكّ الارتباط بالقاعدة عام 2016 هو “إنشاء كيان جديد زاد من الخلافات”. ومؤكّداً أنه لم يقبل بحل البيعة مع الجولاني وجبهته (النصرة) بالقول: “البيعة بيننا وبين كل مَن بايعنا عقد مُلزِم يُحرَّم نكثه، ويجب الوفاء به”، وتطرق فيها للخلافات الحاصلة في الشمال السوري وما تقوم به هيئة تحرير الشام من اعتقالات طالت رؤوس المشرعين لتنظيم القاعدة، وطالبه بالإفراج عنهم، وبالفعل أفرج الجولاني عن المعتقلين بعد تلك الكلمة.[14]

كلمات الظواهري أوضحت عن سبب اعتقال العريدي وفريقه، فهؤلاء رفضوا ابتعاد الجولاني عن خط القاعدة، لذا راحوا يعملون سرّاً على محاولة قلب الطاولة من داخل التنظيم على أبي محمّد الجولاني. ولجأوا إلى جمع المُتضرّرين داخل تنظيمي “تحرير الشام” والمُنشّقين عن داعش بعد انكساره العسكري، لجمعهم في تنظيم جديد ليكون فرعاً رسميا لتنظيم القاعدة في سوريا، ملوحين بأن التنظيم الجديد سيكون بقيادة حمزة نجل أسامة بن لادن الذي وصل إلى سوريا خلال عام 2016[15].

رابعا- دلالات انشقاق الجولاني عن القاعدة:

يتضح مما سبق أن المسار الانفصالي الذي بدأت تلوح بوادره منذ شهر يوليو 2016 بتخلي الجولاني عن جبهة النصرة يندرج ضمن استراتيجيته الساعية إلى إعطاء الجبهة طابعاً سياسياً سورياً محضاً، يمكن أن يشكل سابقة على ساحة المتشددين الدولية، لينأى بنفسه عن التفسير الذي يعطيه تنظيم القاعدة لـ«الجهاد الدولي» وأنه ليس ضمن هذه المنظومة.

ويعتبر هذا هو السبب الرئيسي في الخلافات التي حدثت بين الجولاني وبين داعش والقاعدة، حيث يتضح من اسم “جبهة النصرة لأهل الشام”، أن عناصرها ليسوا من سوريا وهو ما رفضه قادة التنظيم السوريين وعلى رأسهم الجولاني، واتضح ذلك أيضا من الخلاف السابق بين أتباع الجيش السوري الحر وبين أتباع داعش، وذلك عندما أقدم والي داعش في الساحل السوري وجبال اللاذقية “أبو أيمن العراقي” على قتل قيادي الجيش الحر كمال حمامي ”أبو بصير” بسبب التنازع على حاجز تفتيش منعت داعش أفراد الجيش الحر من العبور دون إذن من الوالي فاعترض “أبو بصير” على ذلك, وبعد مشادة كلامية مع “أبو أيمن العراقي” قال “أبو بصير” للوالي العراقي (أنتم غير سوريين, كيف تعترضون طريقنا وتتحكمون بنا, هل جئتم لمساعدتنا أم لتتأمرّوا علينا) لكن العراقي وصفه بالمرتد وصاح قائلاً (أشهدكم أني قاتل أبو بصير) فقتله, وهذا ما كان يخشاه الجولاني ويبرر سبب انفصاله عن داعش ثم القاعدة بعد ذلك.[16]

وقد حظيت خطوات الجولاني بالانفصال عن القاعدة بدعم بعض الفصائل الإسلامية السورية مثل «أحرار الشام» و«أجناد الشام»، في المقابل تُرجم انفصال «النصرة» عن تنظيم القاعدة باستياء المتشددين ضمن الجماعة، الذين كانوا نواة التنظيم الجديد التابع للقاعدة في سوريا وهو  تنظيم “حراس الدين”[17].

خامسا- نشأة تنظيم حراس الدين

أعلن تنظيم القاعدة في بيان صادر عن مؤسسة “السحاب” في التاسع من يناير 2018، عن ظهور كيان جديد للقاعدة في سوريا يحمل اسم تنظيم “حراس الدين”، بعد الخلاف الذي حدث بين أبو محمد الجولاني وأيمن الظواهري، وهذا التنظيم عبارة عن اندماج بين المنشقين المتشددين من هيئة أحرار الشام مثل “جيش الملاحم – جيش البادية – جيش الساحل وجند الشريعة وعدد من السرايا الأخرى.

استغل التنظيم الهزائم التي منيت بها “هيئة تحرير الشام” في الشمال السوري، وأعلن عناصره عن نشأته، وقد عرَّف التنظيم الجديد عن نفسه عبر حسابه على التليجرام بقوله: “تنظيم إسلامي من رحم الثورة السورية المباركة، يسعى لنصرة المظلومين وبسط العدل بين المسلمين، والإسلام هو مصدر التشريع”.

وجاء في بيان التأسيس: “نزف إلى أمتنا المكلومة وإلى أهلنا في الشام إعلان تنظيم حراس الدين (حراس الشريعة) على منهج شيخنا أسامة بن لادن تقبله الله، وحكيم الأمة الشيخ أيمن الظواهري حفظه الله وعلى منهج الشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله في التوحيد والولاء والبراء”، كما أصدروا بياناً بعنوان: (أنقذوا فسطاط المسلمين)، دعوا فيه الفصائل المتقاتلة ممثلة بهيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سوريا، لوقف الاقتتال فيما بينها، والتفرغ لقتال النظام وتوحيد جهودها لتخفيف الضغط عن الغوطة الشرقية[18]، جاء في البيان: “يا أمّة الإسلام، أنقذوا أهلكم وإخوانكم في فسطاط المسلمين (الغوطة الشرقية) واعلموا يا قومنا إن انتهى النظام من الغوطة فمصيركم مصيرهم إن لم تنصروهم من الآن، وجّهوا حمم بنادقكم وأسلحتكم نحو عدوكم…”.[19]

نص البيان

وزعيم تنظيم حراس الدين هو (سمير حجازي المكنى بـ أبي همام الشامي) وكان قائد عسكري سابق في جبهة النصرة، وأبو همام الشامي سوري الجنسية، انضم لجبهة النصرة وتولى في 2012 منصب القائد العسكري العام للجبهة، وقد سافر إلى أفغانستان بين عامي 1998 و1999، وبايع زعيم تنظيم “القاعدة” السابق أسامة بن لادن، وعينه بن لادن مسئولًا للسوريين في أفغانستان، وشارك في كثير من معارك القاعدة هناك، ثم أرسله “بن لادن”، إلى العراق في مهمة خاصة، قبيل سقوط بغداد بيد قوات الاحتلال الأمريكي عام 2003، وبقي في العراق 4 أشهر اجتمع خلالها بقيادات تنظيم القاعدة هناك وعلى رأسهم أبوحمزة المهاجر وأبومصعب الزرقاوي، وتم اعتقاله من قبل السلطات العراقية وتسليمه إلى السلطات السورية التي احتجزته لعدة أشهر، وفي عام 2008، أوقفته السلطات اللبنانية، برفقة أبوطلحة الدوسري أثناء قدومهما من سوريا، وسُجن 5 سنوات فى لبنان، ثم تم الإفراج عنه وعاد إلى سوريا[20].

المقدمات السابقة تعكس أن هذا التنظيم سيكون أكثر تشددا وتمسكا بمنهج القاعدة، بسبب طبيعة العناصر المنضمة إليه وسيسعى إلى السيطرة على أماكن نفوذ جديدة، ليثبت الظواهري من خلاله أن القاعدة لا يزال لها موطئ قدم بسوريا ويرد على ما قام به أبو محمد الجولاني بعد الانفصال عنه.

وختاما:

يمكن القول أن القاعدة بفرعها الجديد تنظيم “حراس الدين” ستعمل على ملأ الفراغ الذي خلفه تراجع داعش في سوريا، مستفيدة من الصراعات الموجودة بين الفصائل السورية وعدم استتباب الأمن في سوريا حتى الآن، مع الأخذ في الاعتبار أن احتمالات دخول هذا التنظيم في صراع مع الفصائل السورية أمر وارد جدا، في ظل انتماء عدد كبير من قادة التنظيم إلى جنسيات غير سورية، مما قد يعيد سيناريو رفض قادة الفصائل المسلحة السوريين لهم، وهذه نقطة هامة يمكن الاستفادة منها للدفع بتفكيك التنظيم، ويشير اختيار الظواهري لأبي همام الشامي وهو سوري الجنسية كزعيم للتنظيم أن الظواهري يحاول احتواء ذلك الأمر، واستمالة مزيد من العناصر السورية له.

وبما أن تنظيم حراس الدين يتبع القاعدة التي تسعى بكل قوة في أن تملأ فراغ داعش وخاصةً في أماكن هزائمه، فإن هذا يعني إمكانية انتشار التنظيم في الأماكن التي انسحب منها داعش، وبشكل عام فقد نجح تنظيم القاعدة في إعادة إحياء شبكته العالمية نتيجة لثلاث خطوات استراتيجية قام بها الظواهري هي:

أ- تعزيز نهج الفروع غير المركزية الذي سهل بقاء التنظيم، واليوم أصبح تنظيم القاعدة تنظيمًا عالميًا ومحليًا في آن واحد.

ب- الأمر الذي أصدره الظواهري لتجنب عمليات الإصابة الجماعية, خاصة تلك التي ربما تقتل مدنيين مسلمين،  استطاع من خلاله أن يقدم تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي كـ”متطرفين معتدلين,” مقبولين أكثر من داعش ظاهريًا.

ج- ترك داعش يمتص جميع الضربات التي وجهها له التحالف بينما يعيد تنظيم القاعدة بناء قوته العسكرية بصورة خفية. وقد روى الصحفي الأمريكي ثيو بادنوس الذي أمضى عامين في سوريا كرهينة لدى جبهة النصرة في 2014 كيف أن كبار قادة الجماعة كانوا “يدعون الغربيين إلى الجهاد في سوريا ليس لأنهم احتاجوا للمزيد من الجنود, وإنما لأنهم أرادوا أن يعلموا الغربيين أن ينقلوا الصراع إلى كل حي ومحطة مترو في بلادهم[21].

غير أن تجربة الجماعات المسلحة الموجودة على الساحة السورية وتغيير اسمها من فترة لأخرى وانضمامها لأحد التنظيمات ثم انفصالها، يجعل مستقبل “تنظيم حراس الدين” في سوريا كغيره ، ففي ظل الانقسامات الموجودة بين الفصائل المتحاربة، يمكن أن يكرر أبو همام الشامي نفس السيناريو الذي قام به الجولاني سابقا وينقلب على الظواهري، أو يحدث اختلاف بين السوريين وغير السوريين في التنظيم، خصوصا أن هذه الفصائل مرشحة للانقسام والتجزؤ والدخول في خلافات، وهذا ما ستكشف عنه الأشهر القادمة.

مراجع

[1] موقع أورينت، “دابق” هنا ستجري معركة آخر الزمان.. كيف ولماذا؟، تاريخ النشر 16 أكتوبر 2016

https://goo.gl/VCUKe3

[2] محمد مختار قنديل، هل يغير «ست مريم» إستراتيجية داعش؟، موقع إضاءات، تاريخ النشر 21 إبريل 2016

https://goo.gl/5WYgRL

[3] صحيفة العرب، أبو مصعب السوري أبرز منظري القاعدة طليق منذ عامين بأمر الأسد، تاريخ النشر 3 أغسطس 2014

https://goo.gl/W3JnZQ

[4] نور سوريا، القاعدة في سوريا .. الولادة الثانية، تاريخ النشر 12 فبراير 2018

https://syrianoor.net/article/19797

[5] موقع الجمهورية، بين ’الدولة الإسلامية‘ و’جبهة النصرة‘: القصة الكاملة، تاريخ النشر 23 يوليو 2013

https://www.aljumhuriya.net/ar/13498

[6] بي بي سي، الصراع في سوريا: جبهة النصرة تبايع أيمن الظواهري زعيم القاعدة، تاريخ النشر 10 إبريل 2013

http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2013/04/130410_nusra_qaeda

للاستماع الى تسجيل مبايعة الجولاني لأيمن الظواهري

https://www.youtube.com/watch?v=ZXEdZiC86N4

[7] ياسين جميل، جذور الخلاف بين البغدادي والجولاني، في موقع رأي اليوم، تاريخ النشر 3 ديسمبر 2014

https://goo.gl/9jzRBy

[8] أخبار الآن، من هو أبو محمد الجولاني زعيم “هيئة تحرير الشام”؟، تاريخ النشر 4 أكتوبر 2017

https://goo.gl/MZZ4Z3

[9] بين ’الدولة الإسلامية‘ و’جبهة النصرة‘: القصة الكاملة، مرجع سبق ذكره.

[10] شبكة شام الإخبارية، الصراع في “فتح الشام” وصولاً لـ “هيئة تحرير الشام” بين مؤيد ورافض لفكر القاعدة يفتح باب مواجهة معلنة، تاريخ النشر 28 أكتوبر 2017.

https://goo.gl/nyt1s4

[11] طارق عزيزة، “القاعدة” وتحوّلاتها في سوريا،

https://goo.gl/rGnLc3

[12] صحيفة الشرق الأوسط، احتدام الصراع بين الظواهري والجولاني، تاريخ النشر 30 نوفمبر 2017

https://goo.gl/smHuWT

[13] محمد علوش، حرب الإلغاء بين الجولاني والظواهري في سوريا، موقع الميادين، تاريخ النشر 9 ديسمبر 2017

https://goo.gl/9dcyUi

[14] موقع 24 الإماراتي، خلافات بين القاعدة وتحرير الشام بعد وصف الظواهري بـ”الإمام المسردب”، تاريخ النشر 11 ديسمبر 2017

https://goo.gl/dtsHzg

[15] الشرق الأوسط، خلفيات فك الارتباط بين الظواهري والجولاني، 3 ديسمبر 2017

https://goo.gl/PRHN9v

[16] محمد علوش، مرجع سبق ذكره.

[17] ياسين جميل، مرجع سبق ذكره.

[18] الشرق الأوسط، خلفيات فك الارتباط بين الظواهري والجولاني، 3 ديسمبر 2017

https://goo.gl/PRHN9v

[19] الفيحاء نت، تنظيم جديد يعلن تبعيته للقاعدة في الشمال السوري، تاريخ النشر 28 فبراير 2018

https://alfayha.net/?p=50641

[20] موقع على بصيرة الإلكتروني، تنظيم (حراس الدين) وجه جديد للقاعدة في سورية،

http://alabasirah.com/node/736

[21] موقع أمان، 10 معلومات عن رجل «الظواهرى» الجديد فى سوريا، تاريخ النشر 30 مارس 2018

http://www.aman-dostor.org/9261

[22] Council Forign Relation, Al-Qaeda’s Resurrection, Published on 6 March 2018

https://www.cfr.org/expert-brief/al-qaedas-resurrection

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر   https://wp.me/p8HDP0-c52

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق