دراساتدفاع

جيش#دابق#ومعركة تحرير #الموصل.الدكتور عماد علو

“جيش دابق” ومعركة تحرير الموصل
بقلم : الدكتور عماد علو، مستشار المركز الاوروبي العربي لمكافحة الارهاب

أعلنت فصائل سورية منضوية تحت غرفة عمليات “درع الفرات” المدعومة من تركيا  يوم 16 أكتوبر 2016 إتمام السيطرة على قرية “دابق” بريف حلب. إلا أن تنظيم “داعش” قلل  من أهمية دابق خلافا لدعايته السابقة، مميزا بين  “معركة دابق الصغرى” و”ملحمة دابق الكبرى”.ولبلدة دابق أهمية دينية رمزية بالنسبة لتنظيم “داعش”، وكانت فصائل المعارضة المنضوية تحت لواء “عملية درع الفرات” التركية في ريف حلب الشمالي الشرقي عملت  على توسيع نطاق سيطرتها من بلدة الراعي الحدودية باتجاه دابق.

 

231397_0

 

تمهيد

يوما” بعد يوم يزداد اصرار القوات المسلحة العراقية على تحرير مدينة الموصل مركز محافظة نينوى من براثن تنظيم داعش الارهابي الذي اغتصبها في حزيران 2014 ، ومع تحرير قاعدة القيارة الجوية من قبل قوات جهاز مكافحة الارهاب فان المحور الجنوبي لعمليات تحرير الموصل يعتبر فعالا” وباشر بعمليات تطويق المدينة من الجنوب والغرب . وازاء ذلك فان تنظيم داعش الارهابي هو الآخر يستعد لإدارة معركة دفاعية سيشرك بها قواته التي تتضمن عدّة كتائب، منها كتائب الانغماسين، وكتائب الاستشهاديين، وهما القوّتان الضاربتان لجيش كلّ ولاية، ثُمّ كتائب الاقتحامين، والإسناد المدفعي، والكتيبة الهندسية، إضافةً إلى وحدات الرصد والاستطلاع ، بالإضافة الى ذلك كله  فان التنظيم سيشرك في معركته الدفاعية قوات النخبة أو قواته الخاصة  المؤلفة من جيش الخلافة او جيش دابق وهو الجيش الأقوى، من بين جميع تشكيلات تنظيم داعش الارهابي ، ويرتبط مباشرةً بالإمارة، ومكتب الخليفة. واعتقد أن لا فرق بين جيش الخلافة وجيش دابق وانهما تسميتان لجيش واحد انتقل تنظيم داعش في تشكيله من أساليب حرب العصابات من خلال جيوشٍ خاصةٍ لمهام محددة تختلف عن المهام المعتادة للجيوش الى هيكلية الجيوش النظامية، المتمثلة بجيش دابق او جيش الخلافة  . كما أن استقدام جيش دابق الى الجبهة الجنوبية للموصل يدل بشكل واضح على أن التنظيم يعاني من استنزاف بشري كبير إثر الهزائم المتعددة التي لحقت به  في آن واحد عبر كامل الأراضي الخاضعة لسيطرته في العراق وسوريا، ما دفعه لاستقدام المزيد من المقاتلين الأجانب، المنضوين تحت لواء ما يسميه التنظيم بجيش دابق.

من أسس جيش الخلافة أو جيش دابق؟

جيش الخلافة أو جيش دابق أسسه القيادي العسكري المعروف في تنظيم داعش الارهابي، أبو عمر الشيشاني(قُتل مؤخرا” في العراق)، بمعاونة كلّ من أبو أيمن العراقي، وأبو محمد الأميركي(قُتل في وقت سابق)، في مطار الجراح بريف حلب الشمالي، ويشكل المهاجرون الأوزبك والشيشان، وغيرهم من (المهاجرون)، الغالبية العظمى من مقاتليه، وقد تضاعفت أعداد مقاتليه بشكلٍ ملحوظٍ دفع قياداته لتوسيع عدد مراكز التدريب لتشمل مدنًا تحتوي على معسكراتٍ سريّةٍ على غرار معسكر بن لادن، في ريف الرقة، الذي كشفته أجهزة استخبارات دولية، ونفّذت القوات الخاصة الأميركية إنزالًا فاشلًا استهدفه صيف 2014.

ومعسكرات تدريب في مدينة مسكنة ومدينة منبج والباب وجرابلس وسد تشرين وريف الرقة، وأصبح “جيش دابق” يضمّ أربعة آلاف عنصر تقريباً لم يتم إشراكهم في أي معركة وكانت مهمتهم التدريب فقط ولا شيء غير التدريب. وتتألف قيادة “جيش دابق” العسكرية، وفقاً للموقع، من خمسة أشخاص: ثلاثة أوزبكيين وشيشانيَين ولهم شبكة اتصال خاصة وأجهزة لاسلكي خاصة مفصولة عن الأجهزة التي يستخدمها عناصر التنظيم الآخرين. ولا يُسمح للسوريين بالانضمام إلى “جيش دابق”، و أن المقاتلين من دول القوقاز يُشكّلون نسبة 50 % من “الجيش” الذي يتمّ انتقاء عناصره بشكل دقيق جداً، وبتزكية من القضاء الشرعي.

ماذا تعني تسمية جيش دابق ؟

دابق أسم يعود لبلدة في سوريا تقع شمال حلب، وتبعد 45 كيلومترا عن الحدود التركية وتتبع منطقة أعزاز، وقد وقعت في سهلها الكبير معركة عظيمة بين العثمانيين بقيادة سليم الأول والمماليك بقيادة قنصوه الغوري عام 1516، هي معركة (مرج دابق) انتصر فيها العثمانيون، وكانت المعركة مقدمة لدخولهم المناطق العربية وتأسيس امبراطوريتهم فيها.

وفي سياق تسويق تنظيم داعش للأفكار و المعتقدات الشاذة…من قتل و ارهاب فكري و امني للبشر, وذلك طمعا بالأجر و الجنة و حور العين ! والتي تستهدف بشكل أو بآخر تدمير صورة الإسلام السلمية، وتعريض هذا الدين للتهم التي هو منها بريء.. فقد حاول تنظيم داعش الارهابي استثمار واستغلال ما ورد في صحيح مسلم الذي قال إنّ هناك حديثا للنبي محمد(صلى الله عليه وسلم)،  تناول فيه معركة فاصلة بين المسلمين وأعدائهم في بلدة تحمل اسم دابق تحصل مع حلول “آخر الزمان” وظهور “الدجال” ونزول “المسيح.” فقد أورد “صحيح مسلم”، عن النبي محمد(صلى الله عليه وسلم)، قوله: لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق – أو بدابِقَ – فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم : خلوا بينا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون : لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُث ولا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدا، فيفتَتحِون قسطنطينية” في إشارة إلى المدينة التي تحمل اليوم اسم اسطنبول في تركيا. ويضيف الحديث: “فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون – وذلك باطل – فإذا جاؤوا الشام خرج فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته.”

ويحاول تنظيم “داعش الارهابي” الترويج واقناع انصاره بأنه المعني بهذا الحديث  وأن العلامات على تحقق النبوءات الواردة بالحديث بدأت تظهر بالفعل، مع انضمام مقاتلين من الغرب إلى صفوف التنظيم، والاستعدادات الدولية لمقاتلة التنظيم عبر التحالف الذي يتوسع باضطراد، إلى جانب إمكانية تدخل تركيا ضد التنظيم، ما يبرر بالتالي مهاجمة القسطنطينية “اسطنبول” التي هي اليوم مدينة اسلامية !؟ . في محاولة لجعل تلك النصوص الدينية والأفكار جزءا من منظومة التفكير والعقل لدى الإنسان المسلم ، وبالتالي سيتمكن التنظيم الارهابي من العمل على تحديد رغباته وتطلعاته ومصادر قلقه ويتحكم في باقي تصرفاته في سياق الترويج للأفكار التكفيرية المتطرفة.

الكتيبة الاوزبكية

يعتمد تنظيم داعش الارهابي على هيكليةٍ عسكريةٍ مبنيةٍ على قدر عالٍ من السريّة التي لا يطلع عليها إلاَّ كبار قادة التنظيم ، و لا توجد أرقام دقيقة عن الأعداد الحقيقية لجيش الخلافة، لكنّ مواقع إلكترونية نشرت أرقامًا تُقدر أعدادهم بعدّة الآف من المقاتلين ذوي الخبرة القتالية العالية، ويتم تدريبهم على فنون القتال المختلفة بشكلٍ أكثر انسجامًا مع تطوير قدراتهم القتالية الأساسية. وقد شهدت شوارع مدينة الموصل في الآونة الأخيرة “انتشارًا واسعًا لمجاميع من المقاتلين المدججين بالسلاح من مقاتلي جيش دابق وهم الأكثر قربًا من أبي بكر البغدادي، ويرتدون ملابس سوداء في الغالب، كما أن مقتل ابو عمر الشيشاني في قضاء الشرقاط مؤخرا” ، يدل على أن تنظيم داعش زج بجيش دابق في معارك الدفاع عن مدينة الموصل ، والتي تشعر قيادة التنظيم أنها مصيرية لبقاء كيانه، أو كيان “الدولة” بحسب قناعة قادتها ، خصوصاً وأن عناصره من ذوي الخبرات القتالية العالية وتلقّوا تدريبات غير مسبوقة..

كما أن ظهور مقاتلي الكتيبة الاوزبكية ( أفراد هذه الكتيبة هم من أوزبكستان) في معارك الفلوجة دليل آخر على أن جيش دابق قد كلف بالدفاع عن كيان تنظيم داعش في العراق ! حيث أن هذه الكتيبة الاوزبكية المرتبطة بجيش دابق والتي جرى تدريبها واعدادها في افغانستان ، كانت قد حققت نجاحات كبيرة في المعارك التي خاضتها في بلدات في ريف حلب الشمالي مطلع عام 2016 مثل “الشيخ ريح وجارز و يحمول والبل” ، الا أن القوات المسلحة العراقية تمكنت من ابادة معظم افراد هذه الكتيبة واسرت عدد منهم قرب حي نزال ، في معارك تحرير الفلوجة.

جيش دابق ومعركة تحرير الموصل

ومنذ سيطرة داعش على مدينة الموصل في 10حزيران 2014 ، قام بتحصينها جيدا، وحفر و بناء الانفاق كأسلوب من اساليبه في مسك الارض والمدن التي يتحصن بها، وتدمير هذه الأنفاق سيحتاج غارات جوية ومعلومات استخباراتية من داخل المدينة. ومن المرجح أن تنظيم داعش الارهابي سيدافع (على) الموصل من خلال توزيع عصاباته على خطوط صد ايضا” وصولا” الى داخل مدينة الموصل وحولها تشتمل على بؤر وعقد دفاعية محصنة تحوي كل منها على 20 الى 50   عنصر .. و تتخذ من مقرات الجيش والشرطة وبعض المباني الحكومية مقرات وعقد دفاعية داخل مدينة الموصل مثل مقر فق3  ومقر فوج جهاز مكافحة الارهاب ودائرة المحاربين في وسط الموصل .

كما تتوزع العقد والبؤر الدفاعية لعصابات داعش في مناطق الغابات والقبة ومنطقة الفيصلية وحي عدن ووادي حجر لتعويق تقدم واستنزاف زخم هجوم وتقدم القوات المسلحة العراقية والقوات المتعاونة معها.  ومن المتوقع أن يستخدم داعش تكتيك  يقوم على تفجير عجلة مفخخة لإثارة الفوضى والغبار وبعدها يتسلل العشرات من المقاتلين الانتحاريين لمهاجمة القوات المسلحة العراقية وعندما تنفد أسلحتهم يقومون بتفجير أنفسهم. وهو تكتيك اعتاد الجيش العراقي على مواجهته والتصدي له .

ومن الجدير بالذكر أن مقاتلي داعش يمتلكون أسلحة قنص أكثر تطورا من تلك التي يمتلكها الجيش، كما ان لديهم رماة ماهرين يستهدفون محركات العجلات العسكرية لتعطيلها ومن ثم الهجوم عليها.. وتشير المعلومات الاستخبارية الى أن قوات تنظيم داعش في الموصل تتألف من 6000 الى 8000مقاتل اجنبي اضافة الى 8000 الى 10000 مقاتل عراقي)مسلحين برشاشات خفيفة ومتوسطة  وثقيلة وقاذفات RBG7   وهاونات60- 82ن 120 ملم ومدافع ميـــــدان وما يقارب 16-20 دبابة ، بالإضافة الى عشرات المدرعات والهمرات وصواريخ كاتيوشا وصواريخ م/ط محمولة على الكتف ومدافع م/ط(57 ملم و23 ملم) ، وأن 57% من عناصر داعش عراقيون من الذين يطلق عليهم (الانصار)، لكنهم  يفتقدون الى ارادة القتال ، ومن المحتمل جدا” أن يفروا حينما تدخل القوات العراقية المدينة .

الا أن المشكلة في (المهاجرون) من جيش دابق الذين يشكلون43 % وهم مقاتلون أجانب ملقنون عقائديا، يائسون، ولا مفر أمامهم.. ومن المحتمل جدا” أن يقوم تنظيم داعش بإدارة معركته الدفاعية في الموصل عن طريق مجموعات متنقلة، لتقليص الخسائر بأرواح مقاتليها من القصف الجوي الذي ستقوم به القوة الجوية العراقية وطيران التحالف الدولي. ويضع داعش في حسابه انه سيكون مرغم للانسحاب من مدينة الموصل. ولذلك تم نقل الاغلبية العظمى من اعضاء ما يسمى بـ”مجلس الشورى” الى خارج المدينة حيث توجد ملاجئ تحت الارض. وتجدر الاشارة الى سحب داعش بشكل مخطط فصائله من منطقة الحدود السورية ـ التركية وإعادة نشرها الجزئي في العراق باتجاه محافظة نينوى ، ومدينة الموصل بالذات .

الدكتور عماد علو

5

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق